ملف

علي الشهابي وسوريا الضائعة

عمّار ديّوب

لم يكن مهجوساً بالشأن الفلسطينيّ بأقلّ من هاجسه بالشأن السوريّ؛ فسوريا بالنسبة إليه بلده كما فلسطين. ومن يقرأ كتبَ ومقالات عليٍّ، ومن يعرفه شخصيّاً، سيخرج بنتيجة أن سوريته أكثرُ من فلسطينيته. وفي هذا كان بعض الفلسطينيّين يعيّرونه، وكأن الأمر سبّةٌ أو تهمةٌ. عليٌّ صديق اليسار السوريّ بتنوعه، ولا بدَّ أن نخرج يسار النظام بالضرورة، فهذا ممّا لا علاقة له بيسار عليٍّ.
بعد الإفراج الثاني عنه من سجنه، وكأغلبية اليساريين حينها، انتقل إلى الليبراليّة والعلمانيّة والديمقراطيّة متوهّماً أن لا علاقة لليسار في هذه القضايا. هذه الانتقالة كانت معطوفةً على قراءته في كتابه «البنية الجديدة للعالم»، والتي رأى فيها أن العالم يميل مع العولمة للتجانس، أي إن العولمة ستدكُّ العالم القديم، وسيصبح العالم موحّدا ًرأسمالياً، وسيكون هناك تطوّرٌ متجانسٌ، وستلتغي حكاية المراكزوالأطراف. وبعيداً عن خطأ مقولة عليٍّ برأينا، فالعالم مع العولمة أصبح أشدَّ تمايزاً، فإن هاجس عليٍّ ليس الدفاع عن الرأسماليّة حبّاًبها، بل رغبة في معرفةِ عالمٍ بدا مع ذهاب السوفييت معقداً، ولكن خياره كان الرأسماليّة.
حاجج عليٌّ كثيراً بقضية العلمانيّة وضرورتها، ورفض طائفيّة الإخوان المسلمين بينما كان كثيرٌ من المثقفين السوريين يحاججون في حقِّ الإخوان في السياسة وأنهم ساعون لدولةٍ مدنيّة. عليّ كان يرى الإخوان مشروعاً أصولياً، أي هم ساعون لإقامة دولتهم الإسلاميّة. ما كان يقوله عليٌّ هو ما صار إليه الإخوان في تسلطهم على الثورة ودفعها نحو الأسلمة. لم ينطلق الرجل حينها من مسبقاتٍ حداثيّةٍ أوعلمانيةٍ رافضة للدين الإسلاميّ، كما يتوهم بعض الديمقراطيين، بل من قراءةٍ لجماعةٍتعمل في السياسة وفقاً للفتوى، وتسخّر الدين في كلّ رؤاها، وهذا يعني أنها تستطيع تغيير تأويلاتها وفقاً لتغيّر الشروط ولكن دون الخروج عن العقائدية في فهم كلّ مسائل الحياة، وهو ما فعلته هذه الجماعة.
سافر عليٌّ إلى المدن السوريّة للدعوة إلى مشروعه العلمانيّ، وكان خائفاً من طائفيةٍ كان يجدها تُحرَثأرضٌ لهافي سوريا، ودعا إلى جلساتٍ حواريّة في منزله وفي الأماكن المتاحة للنقاش، وإذا كان مستبعداً من استخدام القاعات الثقافيّة للنظام، فإن مساعيه بقيت حبيسة المنازل الصغيرة، ونادراً ما استطاع إقامة ندوةٍ في مركزٍ ثقافيٍّ.
أذكر أنه كان يسعى إلى تشكيل حلقاتٍ حواريّةٍ حينما كان يُصدِر كتابيه الاثنين.
نختلف كثيراً في توجهه الليبراليّ، ولكننا لا نختلف في تثمين الديمقراطيّة والعلمانيّة، ونختلف معه في تثميننا للعدالة الاجتماعيّة وتقديرنا أن أيَّ مشروعٍ سياسيٍّ لن يُكتب له النجاح دون تطوّرٍ صناعيٍّ كبير، وهذا لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن تقوده الليبراليّة. هذا ممّا نختلف فيه مع عليٍّ.
لم يتردد عليٌّ، حينما بدأت الثورة، في الدعوة لها، وفي تقديم كلِّ أشكال العون والمساعدة. كان يعرف كلَّ مشكلات السياسة السوريّة، ويعرف أن النظام لن يتركَ الأمور تتدحرج نحو ما حصل في تونس أو مصر.
اعتُقِل عليٌّ وهو على أبواب مخيم اليرموك، الذي يعرفه عليٌّ كلّه. هذا ما عرفناه بعد كثيرٍ من السؤال، ولم يُعرف مصيره حتى اللحظة. كان إنساناً محترماً، ونأمل أن يعود إلينا. الأمل سيظلُّ هاجسنا اليوميّ بعودته وبعودة المعتقلين كافةً.

نت22

برومو الشهيد ناجي الجرف