ملف

علي الشهابي وأمثاله.. الأمل المحبوس

غياث نعيسة

الوضع المأساويُّ للشعب السوريّ، مئات آلاف القتلى والجرحى والمعتقلين والمخطوفين وملايين النازحين واللاجئين، قد تجعل من الحديث عن شخصٍ بذاته مسألةً حرجةً ونافلة. لكنَّ الأمرَ ليس كذلك بما يخصُّ شخصيّةً مثل علي الشهابي. فالثورة الشعبيّة السوريّة ومسارها ولحظتها الراهنة ترتبط عضوياً بالمصير الفرديّ للآلاف من المناضلين-مثل علي الشهابي ومنيف ملحم وغيرهما. علاوةً على أنّ لي بعليٍّ معرفةً شخصيّةً وتجربةً عامّة دامت أعواماً، وإن قطع اعتقاله عام ١٩٨٢ وسفري بعدها تلك العلاقة بيننا. لكن ما أعرفه عن عليٍّ سابقاً، وما أعرفه عنه بعد ذلك، يسمح لي بالحديث عنه.
لن أطيلَ بالحديث عن عليٍّ كشخصٍ مثقّفٍ وناشطٍ مليءٍ بالحيوية والكرم الكبيرين والارتباط العميق بهموم الناس، كلّ الناس بلا تمييز، وارتباطه العميق بتوقهم إلى الحرية والمساواة. ورغم انتقاله من الماركسيّة إلى تصوّرٍ ديمقراطيٍّ وعلمانيٍّ، لم يتخلَّ عليٌّ عن انسجامه الفريد، الذي يتميّز باستمرار ربط قناعاته الفكريّة بالممارسة العمليّة مهما كان عليه سوء الظروف الموضوعيّة، أو كما يقال(إنها تموت ولكنها لاتستسلم أبداً)، فالأمل والتفاؤل لا يفارقان «علي الشهابي» وهو من ذلك الجيل الذي اختبر الكفاح ضدّ الدكتاتوريّة بأقسى الظروف. واستطاع «اجتياز الصحراء» محافظاً على تماسكه الأخلاقيّ والسياسيّ.
تتركز بالمصير الفرديّ لعليّ الشهابي وتتقاطع معه كلُّ معالم المصير العامّ لكفاح الشعب السوريّ في ثورته التي انطلقت عام 2011.فعلي الشهابي الفلسطينيُّ- السوريُّ كان أكثر سوريّةً من كثيرٍ من السوريين، خاض كفاح السوريين بصفته الإنسانيّة التي تحدّد هويته الأساسيّة، وهي المنظار الذي من خلاله يرى العالم.لم يكن من مكانٍ لتبعات الشتات الفلسطينيّ النفسيّة أو الوجدانيّة في سلوك عليّ الكفاحيّ.. فهو منخرطٌ، حتى نقيّ العظم، وهي إحدى جمله المفضّلة، في كفاح الناس وهمومها، هنا والآن.
كان في صفوف المناضلين في سوريا منذ منتصف السبعينيات من أجل الحرية والعدل والاشتراكية، واعتقل مرّاتٍ عديدةٍ من قبل الدكتاتوريّة الوحشيّة، مثله مثل آلاف المناضلين-ات السوريين-ات، وتابع كديمقراطيٍّ وعلمانيٍّ بدءاً من التسعينيات نشاطه التنويريّ والسلميّ دفاعاً عن حرية الناس والديمقراطيّة والعلمانيّة.وكثيراً ما بدت أطروحات ونشاطات عليّ الفكريّة والسلميّة لبعض الناشطين وكأنها (طوبى) وحلم. ولكن ما يخطر على ذهني في هذا الخصوص ما سبق أن قاله أحد الصحفيّين بعد لقائه لكارل ماركس واصفاً إيّاه:)إنه حالمٌ يفكر، ومفكرٌ يحلم). هذه الميزة لا تتوفر للكثيرين من المفكرين أو الناشطين. فالكثير منهم باردٌ بتحليلاته التي تفتقر لحرارة الحياة والناس ومشاعرهم، وآخرون يهومون في أحلامٍ ومشاعرَ لا تمتُّ بصلةٍ لعناد الوقائع. بينما الممارسة السياسيّة تحتاج إضافةً للعقلانيّة إلى الشغف والأمل، وهذا ما كان عليه عليّ الشهابي.رافق عليٌّ ثورة الجماهير السوريّة من أجل تحرّرها،وتعاطف معها ودعا إلى الحرية والديمقراطيّة والعلمانيّة سلمياً، وكان تفاؤله بالمستقبل عالياً، بمستقبلٍ إنسانيٍّ وتقدّميٍّ لسوريا وعموم المنطقة، هذا التفاؤل استند إلى وقائع الحراك الشعبيّ الذي كان في عاميه الأوّلين يحمل ديناميّةً تحرريّة وتقدميّة بالشعارات والهيئات والبرامج التي رفعتها الجماهير الثائرة في يوميّات كفاحها.
لكن اعتقال عليٍّ في نهاية عام ٢٠١٢ ترافق أيضاً مع السحق الذي تعرّض له آلافٌ من الناشطين المدنيين، الذين يشاطرونه تفاؤله بغدٍ أكثر إنسانيّةً وتحرّراً، حيث قتل نظام الطغمة الآلاف منهم، وغيّب السجن والاختطاف آلافاً أخرى. ليشكّل نهاية عام ٢٠١٢ وبداية عام ٢٠١٣ بداية انحسار الحراك الشعبيّ والمدنيّ الأصيل، لصالح قوىً رجعيّةٍ معاديةٍ للثورة، ولصالح نظام الطغمة الحاكم. هكذا ارتبط المصير الفرديّ لعليٍّ وآلاف من الناشطين المدنيين بمصير الثورة وانعطافاتها. ألا يمثّل اختطاف رزان زيتونة وسميرة خليل، ومنيف ملحم لاحقاً، واعتقال وقتل واختطاف وتهجير آلافٍ مثلهم منحىً انحداريّاً للثورة الشعبيّة لصالح قوى الثورة المضادّة؟، إنه كذلك.ما يعني أن بقاء عليّ، وآلافاً مثله، معتقلاً ومغيباً، هو بقاء أمل الشعب السوريّ بتحرّره محبوساً. وإنّ حريته وحرية أمثاله ستعني عودة الأمل بالحرية، ليس لعليٍّ وأمثاله فقط؛ بل لملايين السوريين.الرضوخ لبقاء عليّ، وأمثاله، سجيناً ومغيّباً.. يعني القبول بهزيمتنا وهزيمة تفاؤلنا بالحرية رغم هول التضحيات. ولكن، لم يمت الأمل فينا، فهو ما يزال حيّاً ومتّقداً.. لم يمت ولم يستسلم.

نت23

برومو الشهيد ناجي الجرف