ملف

علي الشهابي.. الرجل الذي لايهدأ

مروان عبد الرزاق

عندما يُطلب منّي الكتابة عن صديقٍ، أشعر بالارتباك. ماذا أكتب؟، حيث لا تعجبني قصائد المديح، ولا قصائد الكراهية. يكفي التعبير بكلمةٍ واحدةٍ: الحب، النبل، الشهامة، لوصف صديقٍ، في زمنٍ تبعثر أكثرهم في ديار العالم، وغاب أكثرهم أيضاً في زنازين الطاغية.وبعد أن كشفت الثورة عوراتناوأوساخنا، التي كانت مختفيةً تحت عباءة العبارات الثوريّة والنوم المريح. وفقدنا الأيام والليالي التي كانت تجمعنا. ومع ذلك مازال الحلم بالغد الأجمل يغمرنا.
ماذا يمكن أن أكتبَ عن رجلٍ تراه دائماً أمامك، وهو بعيدٌ عن العين منذ ثلاث سنوات؟. الكتابة عن علي الشهابي تُعيدنا إلى ذكرياتٍ لاتُنسى، حول سنواتٍ طويلةٍ من شبابنا، بكلِّ ماحملته من آلامٍ وآمال، تُعيدنا إلى المآسي التي حاولنا مواجهتها، إلى مسار المأساة الفلسطينيّة، والتي مازالت مستمرةً حتى الآن. والمأساة السوريا التي تمثّلت بسيطرة الطاغية وعائلته على الوطن.والبحث عن محطّاتٍ هامّةٍ في مسار حياة عليٍّ قد تجعلنا نتعرّف إليه من جديد، وهي محطّاتٌ تبلغ ذروتها في كلِّ مرّة، بالغياب داخل السجون، والنهوض من جديد.
منذ التغريبة الفلسطينيّة الأولى(النكبة-المأساة-1948)، وصلت عائلته مع عشرات الآلاف من العائلات إلى دمشق، يحملون مفاتيح بيوتهم التي دمّرها الصهاينة، وسندات الملكيّة لأراضيهم المغتصبة ومزارع الليمون، معتقدين أن العودة إلى الديارلن تستغرقَأكثر من عدّة شهور. لكن، تبيّن أن حلمَ العودة أصبح بعيداً، إن لم يكن مستحيلاً، وأقامت عائلة الشهابي في مخيّم اللاجئين الفلسطينيّين، وكأن «أمَّ عليّ» ذات البنية «الصفديّة» القوية، أورثت أولادها جينات الصبر والترحال. ويبدو أن عليّاً منذ ولادته في ديار الغربة في(11-9-1955)، كان مسكوناً بالحركة الدائمة، والترحال، والحلم.
ينبثق الفلسطينيُّ من رحم أمّه واقفاً على قدميه، وحاملاً بيده كتاب «السياسة». وعلي الشهابي هو المثل الأعلى لجيلٍ كهذا، وُلد في الغربة، رغم الهزائم المستمرّة (1948-1967) أمام الصهاينة في فلسطين، وانتقالهم إلى العيش في المخيّمات تحت سيطرة أنظمةٍ عربيّةٍ استبداديّة لاتهمّها فلسطين إلا كيافطةٍ تجاريّة؛ حيث كانت تلاحقهم في المخيمات وتخنق أنفاسهم وتكبّل حركاتهم، وتقتلهم بوحشيّةٍ تفوق وحشيّة الصهاينة، كما حصل في مجازر الأردن(1970)، ومجازر المخيّمات في لبنان
بمدافع النظام السوريِّ (1976).
إلا أنَّ الحلم استمرَّ يغمرهم بالعودة إلى الديار. وكانت «منظمة التحرير الفلسطينيّة» هي الأمل المعوّل عليه لقيادة قطار العودة، رغم كلِّ تناقضاتها وصراعاتها الداخليّة، وتآمر الأنظمة العربيّة عليها. وكان الحلم بفلسطين الكليّة يغمر الجيل القديم-الجديد الذي رفض التقسيم، والحلول التسووية اللاحقة، ومن ضمنها برنامج «النقاط العشر» الذي أقرّه المجلس الوطنيُّ الفلسطينيُّ، الذي كان يدعو إلى إقامة دولةٍ فلسطينيّةٍ على أرض الضفة والقطاع، وتشكّلت بمواجهته جبهة الرفض، التي دعت إلى تحرير كامل التراب الفلسطينيِّ.
ولم يكن عليٌّ ملتزماً بأية منظمةٍ فلسطينيّة، إنما نزوعه نحو «الكليّة»، ورفض النسبيّة، جعله يقف مع الرافضين للحلول الجزئية. والنزق الشبابيّ، وروح المغامرة دفعته مع مجموعةٍ من الشباب للتعبير عن رأيهم بالكتابة على الجدران، وإقامة التجمّعات.
إلا أنَّ هذا أقلق النظام الذي لا يسمح بأيّة حركةٍمن دون إذنٍ مسبق. وكانت محطّته الأولى (1974) في سجن المزة العسكريّ،1
رمز الطغيان آنذاك، وهو لم يُكملالعشرين من عمره بعد.
لكن هذا لم يجعله يهدأ، وبدأت شخصيته تتبلور بعد اعتناقه للماركسيّة، في عقد السبعينيّات، حيث انتشرت الحلقات الماركسيّة كالفطر في سوريا، والتي كانت تهدف إلى بلورة رؤية اليسار الثوريّ في سوريا والهادفة إلى إسقاط النظام، والأحزاب اليساريّة «التحريفيّة» المتحالفة معه.
وضمن هذا الجوِّ الزاخر بالحركة والأفكار الجديدة، والأمل بالغد الأفضل، بدأت تتوضّح شخصيّة عليٍّ «السوريا»، فهو لم يعد ذلك اللاجئ الفلسطينيّ الذي ينتظر إعانة الأمم المتحدة كي يملأ بطنه وينام،إنما أصبح مناضلاً فلسطينيّاً-سوريّاً يحمل همومَ السوريّين وأحلامهم في الحرية والكرامة الإنسانيّة. وهذا دفعه للانضمام إلى «حزب العمل الشيوعيّ»، وهو التنظيم الأكثر نضجاً على المستوى الفكريِّ والسياسيّ في تلك المرحلة. ومثل كلِّ رفاقه تمَّ اعتقاله عام (1982) وتغييبه عن الحياة لعقدٍ من الزمان في زنازين وسجون الطاغية.
ولم يهدأ عليٌّ داخل الحزب. كان دائماً يُثير الجدل النظريّ والسياسيّ داخل الحزب وخارجه، وكأن النزق الشبابيَّ لم يفارقه، كان باحثاً عن الكمال العصي على الوجود، ومحاوراً لا يتعب في دفاعه عن آرائه، ولم يكن من السهل تغيير آرائه، ولم يهزمه السجن ويدفعه إلى اليأس. لكن ظروف التسعينيّات فرضت استراحة «المحارب»، بعد خروج المعتقلين من السجون. وترافق ذلك مع موجة الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، التي بدأت تحلُّ تدريجيّاً محلَّ الفكر اليساريِّ الثوريِّ، عند أغلب أصحاب الفكر الماركسيّ،ِ ومن ضمنهم علي الشهابي.
وضمن هذه المرحلة كانت تأمّلاته وأحلامه سوريّةً خالصة، عبّر عنها في كتيّبٍ صغيرٍ بعنوان (سوريا.. إلى أين؟)، استشرف من خلاله مستقبلَ سوريا الذي رآه بانضمام سوريا إلى الاتحاد الأوروبيّ، بعد انضمام تركيا إلى الاتحاد، حيث الحوارات التركيّة-الأوروبيّة مستمرّةٌ حتى الآن. صحيح أنها رؤيةٌ تخيليّةٌ، لكنَّ عليّاً، دائماً، كان يريد أن يفتّشَ عن أفكارٍ لم يسبقه إليها أحدٌ.
وكانت المحطّة الثالثة مع «ربيع دمشق»، وعودة المثقف السوريِّ من جديد ليطالبَ بالحرية والديمقراطيّة وحقوق الإنسان، وليس إسقاط النظام. وكنّا مجموعةً من الأصدقاء عام (2005-2006)، ومن ضمنهم علي وراتب شعبو، نسعى إلى تشكيل «تيارٍ وطنيٍّ ديمقراطيٍّ»، وأطلقنا عليه اسم «سوريا للجميع». وهو تيارٌ سياسيٌّ، لا ينطلق من الأيديولوجيات المغلقة،وليس بديلاًمن أحد، ويدعو لتشكيل قطبٍ وطنيٍّ ديمقراطيٍّ، ويطالب بالانتقال السلميِّ من نظام الاستبداد إلى بناء الدولة المدنيّة الديمقراطيّة.
وكان عليٌّ هو المحرّك الأول في هذا البناء المتواضع. كان يتنقل كالمكّوك بين حلب ودمشق واللاذقية، من أجل تقريب وجهات النظر حول منطلقات التيار، وصياغة البيان التأسيسيّ الذي استغرق عدّة شهور. وبعد إنجاز البيان وقبل الإعلان عن التيار فوجئنا باعتقال عليٍّ من قبل «أمن الدولة»، وتحويله إلى سجن عدرا. ومنذ اعتقاله بدأنا ننتظر دورنا، نحن الذين شاركناه في التأسيس. لكن تبيّن لنا فيما بعد، أنخبرته في التعامل مع الأمن، وشهامته أيضاً، بحيث أخذ على عاتقه الشخصيِّ كتابة البيان التأسيسيّ، واستئجاره للبيت الذي عقدنا فيه الاجتماعات من أمواله الخاصّة، واعترف علينا كأصدقاء، وليس كمشاركين، وهذا هو الذي جعلنا ننجو من الاعتقال.
والمحطّة الرابعة، بدأت مع انطلاقة الثورة السوريّة في (آذار2011). وهنا وجدنا أنفسنا مكبّلين، لانعرف ماذا يمكن أن نقدّمَه للثورة، سوى بعض المقالات الداعمة للثورة على الصفحات الإلكترونية، وبعض الصحف التي كانت تراقب الحدث العظيم بحذرٍ شديدٍ.
لكنّ عليّاً لابدَّ له من أن يجدَ شيئاً يفعله. وكان انضمامه لحركة (معاً)، التي كانت تدعو لإصلاحاتٍ فعليّةٍ تُجنّبُ الوطن الصراع المدمّر الذي بدأت تباشيره تلوح في الأفق، هي البداية لعملٍ جماعيٍّ في خندق الثورة. ولم يكن يعجبه المنطق النضاليّ الإلكترونيّ، والمنهج الإصلاحيّ للحركة،إنما كان يدعو للاشتراك في التظاهرات، ووضع برنامجٍ عمليٍّ لها. وكان لا يهدأ متنقلاً بين اللاذقية ودمشق. بالإضافة إلى التجمّعات الدائمة في منزله والنقاشات الدائمة للإجابة عنسؤال: ما العمل؟.
مع انتقال الثورة السوريّة إلى ثورةٍ مسلّحة، والتي تقدّمت في أغلب الريف السوريِّ، وبداية بروز الكتائب العسكريّة القاعدية(جبهة النصرة)، في الريف الدمشقيّ، واقترابها من مخيم فلسطين واليرموك، لم يعد يكفيه العمل المريح مع حركة (معاً)، إنما كان السؤال الذي يؤرّقه هو: كيف يمكن إبعاد المخيم والفلسطينيّين عن دائرة الصراع المسلّح؟، ولاسيّما بعد انقسام الشارع الفلسطينيّ بين مؤيّدٍ للثورة، ومناهضٍ لها. وأيضاً انحياز بعض الفصائل الفلسطينيّة(القيادة العامّة-فتح الانتفاضة-جيش التحرير) لصالح النظام. كيف يمكن أن يكون المخيم حيادياً؟.
وانطلق عليٌّ وحيداً، عارياً، يحمل على كتفه الأيمن حماية الفلسطينيّين من حمّى الحرب الدائرة، وعلى كتفه الأيسر الانتقال السياسيّ في سوريا من الاستبداد، نحو مشروعٍ وطنيٍّ ديمقراطيٍّ. وكانت روح المغامرة ملازمةً لروحه الثوريّة، دون أن يخطر في باله،على الإطلاق، العنف المسلّح الذي كان يرفضه على الدوام. كان راديكالياً سلميّاً، في مرحلة انفجار الصراعالوجوديِّ بين الشعب والنظام، لكنَّ النظامكان يعرف أن المناضلين السلميّين هم الأخطر على النظام، ولذلك تمَّ اعتقاله (17-12-2012) مع عشرات الآلاف من السوريّين والفلسطينيّين، ومازالوا في غياهب الزنازين. وهذه هي المحطّة الرابعة في حياة علي الشهابي، ولن تكون الأخيرة،لأننا ننتظره لنحيا من جديد. رجلٌ لايتوقف عن الحركة أبداً، في حياته اليوميّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة.
نت24نت25

برومو الشهيد ناجي الجرف