ملف

صحافة المواطن باقية

دموعنا كلماتُ ثورةٍ ربيعيّةٍ، ولدت من رحم المحبة والأمل لأناسٍ اختاروا أن يفتدوا وطنهم بأرواحهم، فإن هطلت نارُ الأوغاد على قمحنا سنبكي لنطفئها. فبدموعنا سنروي آهات القلوب وننبت قمح الحرية والأمل. حنطة 284
سنبلة العطاء «ناجي الجرف»، التقيت به لأول مرّةٍ في مدينة «غازي عينتاب» التركيّة، بعد أن وجّه لكادر تنسيقيّة مدينة بنش دعوةً لحضور ورشة عملٍ تدريبيّة فيما يتعلّق بأصول التصوير وكيفيّة إعداد التقارير التلفزيونيّة. بدأ اليوم الأول للورشة وعرّفنا عن نفسه وتعرّف إلينا، تهامسنا وتبادلنا الآراء حول هذا المدرب بعد يومين من بدء الورشة، فقلت لهم: يبدو أنّه شخصٌ واضحٌ وشفّافٌ كثيراً، فقد عرفنا من اللحظة الأولى الكثير من المعلومات عنه مثل أنّه سنّيٌّ وكم هو راتبه، على الرغم من كون هذه المعلومات خاصّةً وهو غير مضطرٍّ لقولها. بينما قال الثاني: أحسست بذكائه، وقال الثالث: يبدو أنّه بعيد النظر ويجيد قراءة الواقع، واعتقد الرابع أنّه درس أو عارك في المجال السياسيِّ والدبلوماسيِّ؛ وذلك بسبب طبيعة أفكاره وطريقته في تحليل المعلومات والمجريات على أرض سوريا والمنطقة. طلبنا من صديقنا جمال، الذي كان صلة الوصل بيننا أن نلتقي بناجي، وقد فاجأنا بأن ناجي قد طلب منه الطلب ذاته، وإننا مدعوون لاحتساء القهوة في مكتبه في الطابق الأول. كان عشقه للنسكافيه واضحاً، وطريقته المرحة في الحديث والنكات الارتجاليّة، كان حبّه لمساعدة الآخرين واضحاً، أحسستُ بأن دافعه إلى ذلك هو دافعٌ وطنيٌّ بحتٌ؛ فقد كان آخر يومٍ في الورشة هو يومُ انتخاباتٍ تركيّةٍ، وهناك تحذيراتٌ للسوريّين بالتزام المنازل، حجز لنا في الفندق ليومين إضافيّين على نفقته، فيما كنّا نحاولُ منعه ونقول له: «لا
تغلّب نفسك خالو» ولكنّه أصرَّ وقال لي: «مين إلنا غير بعض هون يا خالو، انتو أهم علي من حالي، إذا صرلكون شي ما بسامح حالي، وخاصة أنكون صوت الحرية». وكان مصرّاً على بقائنا بضيافته والسهر يوميّاً ، وتجاذب أطراف الحديث.
وبعد عودة فريق تنسيقيّة بنش إلى سوريا لمتابعة الأعمال الثوريّة، لم يتوقّف الشهيد «ناجي الجرف» عن دعم تنسيقيّة بنش بمختلف أنواع الدعم؛ حيث عمل على توظيف بعض شباب التنسيقيّة ضمن مكتب «حنطة» في محافظة إدلب، ووظّف آخرين في تصوير التقارير التلفزيونيّة، وكان لا يتوانى عن إلغاء أيِّ عملٍ صحفيٍّ أو تلفزيونيٍّ من المحتمل أن يؤدي إلى ضررٍ يلحق بأيِّ إعلاميٍّ، وكان يردد باستمرار: « يا خالو أهم شي سلامتكون، كرمال الله انتبهوا لحالكون»
كان الشهيدُ ناجي يدعم أيَّ نشاطٍ يقوم كادر تنسيقيّة بنش بعرضه ولا يتردّد في دعم وتأمين كلِّ ما يستطيع من متطلّباتٍ واحتياجاتٍ للناشطين والمواطنين الصحفيّين، كان معطاءً كما سنابل القمح.
نهدي سلاماً طأطأت حروفه خجلة لروحك الطيبة، وتحيةً يملؤها الافتخار بك، يا شهيداً قدَّم روحه رخيصةً ليحيا الوطن وتتجرأ الكلمة. لن تستطيع كلماتنا وصفك ولكن تجرأت بعضها كما علّمتَنا، كنت شمساً تغيبُ خجلاً من إشراقتها كلُّ الشموس.
تحية إلى روحك الطيبة الطاهرة.

برومو الشهيد ناجي الجرف