ملف

بكرا ..بكرا، بشوفك

كلّما حاولتُ الكتابةَ عنه، أجد نفسي حائراً من أين أبدأ؟!

صعبةٌ هي الكتابة عن أولئك الذين يباغتك رحيلُهم فجأةً، يحضرون كما لو أنّك تلتقيهم في شارعٍ مزدحمٍ مصادفةً، يعبرون بك وهم مسرعون يصرخون بتحيّتهم ثمّ يقولون لك: (بكرا بكرا بشوفك)، ويرحلون قبل أن تقول لهم شيئاً.

12735914_493264104213959_1529863369_n

تعرف أنّك ستراهم، لكن بالتأكيد ليس بناءً على (بكرا بكرا) التي قالوها، ستراهم بمصادفةٍ مثل هذه، في شارعٍ مثل هذا، مسرعين كما هم دائماً، يلوّحون كما يفعلون كلَّ مرّةٍ، فقط يتغيّر ما يقولون: (خلص وعد قريباً رح نلتقي).

«ناجي الجرف»، أحدُ أولئك الذين ستراهم غداً، لكنّهم حتّى وهم يعبرون بك مسرعين يقولون لك، في رنّة حروف كلماتهم القليلة أو في التماعة عيونهم وتلويحة يدهم، أشياءَ قد لا يستطيع لقاءٌ طويلٌ أن يقولها.

عندما يأتي، يأتي بالطريقة نفسها دائماً، لا يمكنك أن تتلمّسَ أيَّ فارقٍ بينه هذا اليوم وبينه في يومٍ سابق، كلماته ذاتها وحركة يديه وجسده وإيقاع ضحكته وتعابير وجهه ذاتها. وخلال ثوانٍ سيطلبُ كأسَ (النسكافيه) ويشعل سيجارته، وسريعاً تجد نفسك في نقاشٍ عميقٍ، وسيذهب كما هي العادة دون أن تقولَ له ما أتيت من أجل أن تقوله.

في زيارتي الأخيرة لغازي عينتاب، كانت المصادفةُ رحيمةً، فقد كان لزاماً علينا أن نترافقَ ثلاثة أيّامٍ من الصباح حتّى المساء. وفي جلستنا التي سبقت ورشة العمل قال لي: (خيّو بدنا نبقّ البحصة…لا يمكن السكوت أبداً أو المجاملة، فالثورة سُرقت والتجّار يتكاثرون). ضحكت … قلت له: (أيّة بحصة… ليش أنت بتخلّي بحصة بتمّك؟؟).

يرهقك وأنت تركض وراء تشعّباتِ أفكاره، يقفز سريعاً من فكرةٍ لأخرى. سوريٌّ بامتياز، بصخبه وحبِّه للحياة وبتلك الألفةِ العميقة التي ينشرها حوله، بتطرّفه وبشاعريّته وبنزقه. هو هكذا .. مقتنعٌ أنّ سورية هي محورُ الكون، وأن لا شيءَ لا يمكنك فعله… «إيّاك أن تسأل سوريّاً عمّا يمكن أن يفعله، فهو قادرٌ على فعل كلِّ شيءٍ من صناعة الفلافل وحتّى قيادة العالم. ليس الأمر مبالغةً وليس ادّعاءً، نعم السوريّون قادرون على فعل كلِّ شيءٍ»، هكذا كان يقول «ناجي» وهو يعبُّ عميقاً من سيكارته، يضحك ثمّ يواصل حديثه «ماعدا أن يعملوا مع بعضهم».

لماذا يستخفُّ السوريّون بكلِّ أنواع الخطر؟ لا يمكنك أن تفهم هذا العناد المتأصّل في روحهم، عندما لا يكترثون بكلِّ ما يقوله المنطق عن الأشياء.

أمٌّ تسحب أولادها بعيداً عن الخطر، تلملمهم وتخبّئهم، لكنّهم ينفلتون منها ويركضون، هي تصرخ بهم أن يعودوا، وهم يصرخون بها (بدنا نتفرّج). نعم هم سيتفرّجون فقط، سيتفرّجون على طائراتٍ تلقي جحيمها، وعلى أبنيةٍ تتطاير قريباً منهم. يواصلون فرجتهم، وعندما يعودون يُسكتون لهفة أمّهم بالحديث عمّا شاهدوه.

قلت لناجي: غادر «غازي عينتاب» بأسرع ما تستطيع، هؤلاء لا يعرفون إلّا الحماقات!. نعم عمل «ناجي» على مغادرة غازي عينتاب، لكنّه عمل كما لو أنّه لم يتلقَّ تهديداتهم … كما لو أنّه ينتقل بشكلٍ عاديٍّ من مكانٍ لآخر.

لا يمكنك أن تقنعَ سوريّاً بجدّيّة الخطر، ثمّة ما هو أعلى من المنطق أو العقل داخل هذا السوريّ العنيد، لعلّه إيمانٌ دفينٌ بالقضاء والقدر، لعلّه التعوّدُ منذ الطفولة على احتمالات الخطر والموت، ولعلّه المبالغة بالقدرة إلى حدِّ اللامبالاة.

«ناجي» الآن يعبر شارعاً مزدحماً، يرفع يده التي تحمل علبة سجائره، يصرخ بي (بكرا بشوفك).

أضحك وأواصل طريقي، وأنا واثقٌ بأنّني سأراه غداً.

برومو الشهيد ناجي الجرف