ملف

بعض الفراغات داخل الكادر

بشرى قشمر

أنت من أيقظني للتو؟ طلبت منك أن تعود، ولطيبك زرتني. أهلاً بك يا سيد لحظاتي، وقد طرأت الآن، اعذر تلبّكي، ولا أسألك على سبيل المزاح، مع من أتعامل بالضبط في هذه اللحظة؟ معك؟ أم مع غيابك؟ مع لحظاتنا وحضورك؟ مع موتك؟  أم مع قاتليك؟ من منكم حلّ عليّ ضيفاً الآن؟ آه نعم، لقد حزرت هوية موقظي ليس وجهك ما أيقظني، وليس الألم، ليس الاشتياق هذه المرّة، بل الحريق.

18

 

 

على أية حال أبشّرك أنّي وجدت اليوم ما تبقى من أقلامك في زاويةٍ مخفيّةٍ من حقيبتك، شكراً لأنك تركت لي في هذا المنفى أداةً للحوار، لن يتوجب عليّ إذاً البحث عنك والتحدّث معك عبر الفيسبوك.

اسمع؛ علينا أن نتفق على بعض الشروط لبدء المحادثة، أعرف أنك ستحتجّ على أغلبها لكنك إن نظرت في عينيّ الآن.. ستقبل.

أولا: أريد الخوض في التفاصيل؛ الأمر الذي لا تطيقه، وليست لديّ أية رؤية، ولن نصل إلى أيّ مكان دون تفاصيل، وسأصرّ بشدّةٍ هذه المرة، جرّب أن توقفني.

إليك إحدى المحددات لهذه المحادثة: «الفجيعة»؛ هل فكّرت بها وأنت تُغادر بي نحوها؟ هذه مفردةٌ جديدةٌ لم نتطرق إليها من قبل، أليس كذلك؟ هل أعجبتك؟ لديّ واحدةٌ أغرب.. «الجريمة».

خلال الحديث وبسبب غرابة الظرف ولأنني اشتقت إليك، سأسمح لك أن تقول لي (مدام) على سبيل الغزل ولن أغضب هذه المرة.. قُلها.

ثانياً: ستحبّ هذه الفقرة بالتأكيد:  «التدخين لا يقتل صاحبه»، هل ارتحتَ الآن؟

بخصوص «النسكافيه»، أعترف أنها ليست سيئة المذاق، لكنني لا أحبّ تناولها مباشرةً، أفضّل أن أعانقك ومساماتك تنضح

برائحتها؟ هل فهمت الآن؟

ثالثاً: مرّةً أخرى أحذّرك بأنني أريد الخوض في التفاصيل، لا يحقّ لك الاعتراض، انظر إلى ما تركته لي، ملايين التفاصيل، سنحتاج إلى الكثير من الوقت لتوثيقها وتصنيفها، أنت ماهرٌ في التوثيق والأرشفة. إمّا أن تعود الآن لتعلّمني، أو أن تقبل طريقتي، سيكون الأمر مرهقاً أعلم ذلك، لكننا في النهاية سنحصل على مادّةٍ متقنة.

رابعاً: الوفاء حتى في أصغر التفاصيل يضرّ بالقلب يا ناجي، ويؤدي إلى أوجاعٍ خطيرة، ألا يمكننا أن نعيد تصوير هذا المشهد مرّةً أخرى؟ السيناريو كالتالي:

لا تفي بوعدك، واترك قاتلك ينتظر قدومك، ولا تأتِ إليه حاملاً فناجين القهوة المرّة، اضحك بمكر طفلٍ وأنت تغادر عينتاب، تاركاً اسماعيل يرتبك ويعتذر من أمرائه في وضباطه، ويقول لصبيانه: «ظننت أنه سيأتي حتماً، فهو وفيٌّ عادةً، هذا غريب! أعيدو المسدس إلى حجركم.. سيرجع يوماً إلى عينتاب».

خامساً: أودّ إخبارك بسرٍّ صغير، خططتُ أن نسهر الليلة الأخيرة في عينتاب على قراءة رسائلنا القديمة، أتذكرها؟ أنت لا تعرف أنني ما زلت أحتفظ بها، كعادتك في حمل حقيبتك التي لم توضبها يوماً بنفسك. أعددت لك المفاجأة، وها أنا أفسدها، لا أعرف ماذا دهاني مؤخراً فأنا لا أستطيع التركيز جيداً على أية لعبةٍ أو حيلة.

سادساً: جلجامش، إلكترا، وغيرها، إنها أساطير اخترعوها في الغالب ليخلقوا وهماً اسمه الموت الذي لا عودة منه، إنها على الأغلب سياساتٌ غربيّةٌ مرسومةٌ منذ القديم لجعلنا نقبل الأمر الواقع دون نقاش، والأديان كانت داعمةً أساسيةً لهذه السياسات المذلّة، أجل، من قال أنني يجب أن أصدقّ الأكاذيب، عاد أحدهم من الموت، أو سيعود، هل تتكرّم و«تكون»؟ لن أخبر أحداً أنك فعلت.

سابعاً: اعذرني لأنني ما زلت أرفض ما ورد في الصحف عن موضوع دمائك وما رافق الأمر من صورٍ غامضة، فهي تبدو مختلفةً اليوم، اعتدنا أن نحصي سويةً كلّ الجراح، الندوب الدائرية والخطوط المتعرّجة الناتئة، والأسرّة البيضاء، ومفجرات الصدر المليئة بالدماء، تعال نتحدث عن المستشفيات والعمليات الجراحيّة، يبدو هذا الحديث ممتعاً الآن، تعال نجرّبه، سنضحك كثيراً أعدك بذلك. عد إلى المستشفى مثلاً، لن أكون طمّاعةً وأقول لك: عد إلى البيت.

غاب عنك مشهدٌ لم ترصد نتائجه، انظر إلى يدي، قبل رحيلك بساعات تسببتَ بحرقٍ على إصبعي ما زال موجوداً، وبحرقٍ آخر على سجادة مروان، كنت تريد أن تضع يدك فوق يدي وفوجئنا بسيجارةٍ مشتعلة، لم أخبرك أنني تألّمت، ولم يمنع ذلك يدينا من العودة، أنا عالقةٌ عند هذه اللحظة منذ أيام، قلّ لي، ما الذي تفّكر به؟ بماذا أنت عالقٌ اليوم؟.

لماذا لم يقل أيّ أحدٍ شيئاً عن عودتك؟ كيف ستكون؟ من منّا سيصل إليك أولاً؟ هل ستفاجئني أم أنني سأمسك بك متلبساً؟ أريد الخوض أكثر في هذه الفكرة.. ردّدها على بالي وسأغفو دون أن أزعجك، وسيكون بإمكاننا أنا وأنت أن ننام باكراً اليوم.

ما هذه الفوضى؟ الانشغال والإسهاب، التعمّق والتكرار، النزق والوداعة، السخافة والنبل، كيف استطعت أن تفعل كلّ ذلك بي؟ ما الذي حدث؟ هل عرفت بأنّي أراقب تطوّر جمالك بذعر، فرحمتني وتوقفت عن التقدم في العمر؟

خفف من التباهي وأكثِر من الردود على تساؤلاتي لو سمحت، فأنا لا أستطيع إكمال الصورة أو ملء الفراغ، كما أنني حصلت حتى الآن على عدّة عناصر كانت مفقودة، الكاميرا في هودجها كما تحب أن تسميها، القميص الأبيض، البدلة السوداء مع الشرائط الخمرية، لوحة المفاتيح الزرقاء، الكرسي الأسود، تقريباً ستكتمل الصورة أمامي، ينقصها وجهك والأصابع، كيف سأحصل على البقيّة؟ أين الصدى! أين الصدى؟

هبة عز الدين

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف