ملف

ناجي الجرف لك المجد

جبر الشوفي

أن تختزلَ إنساناً معطاءً كبيراً كناجي الجرف بعموميّة الصفات، فكأنّك تختزلُ البحرَ بالملوحة وحمل السفن، لأنّك مهما أجملت وفصّلت، فسيظلُّ شيئاً عصيّاً على الوصف، وأشياء دقيقة تتفلت من بين أصابعك وأخرى تختبئ خلف سطورك، وما هي إلا أشياءُ من خصوصيّات «ناجي» ومتعلّقات القلب والروح والفكر والكيان، إذ من ذا الذي يستطيع أن يحيطَ بكيان إنسانٍ، شاملٍ مشبعٍ بالصفات ومكتمل البنيان.

gernica

من يجرؤ أن يختزلَ شخصاً، كان يقف شامخاً على جرفٍ صخريٍّ وسط تلاطم الأمواج، وكنّا نتأمّله ونتوقّع أن يكون الناجي قبل كلِّ الناجين، لأنّه محبٌّ، والمحبّون لا يموتون، ولأنّه ممتلئٌ بالطاقة الحيويّة وبالكياسة والإنسانيّة، ولأنّ إنسانيّته ومحبته ودماثته تجلّت زوجاً محبّاً وأباً يفيض حناناً ودفئاً، ومعشراً طيّباً، وصديقاً صدوقاً لقلمه كما لأصدقائه وندمائه وشركائه في كلِّ منحى، لكنّه لم ينجُ كياناً بل نجا اسماً اشتهاه الخلود فاستعجله كما استعجل قبله كلَّ الأبرار والصدّيقين، لم تمهله طلقة الكراهية كي يكملَ مناغاة طفلتيه وتقبيل حبيبته ووداع  أصدقائه!

الكراهية جاءته بجبّةٍ سوداءَ، يسكنها العثُّ وينخرها عفنُ القرون، ولأنّها عصابيّةٌ مجبولةٌ على النفور من الجمال ولأنّها همجيّةٌ، تكسر كلَّ اكتمالٍ خَلقيٍّ وخُلقيّ، أطلقت عليه فتجاوبت أصداء روحه وانقصفت كانقصاف هيكلٍ كرستاليٍّ من نقاء ثلج الجبال، انقصف «ناجي» فانكسرنا جميعاً بصدى انكساره ولكنّ روحه نبّهتنا لكي نجبِّر انكسارنا، ونحفظ بعض النقاء المتبقّي في دواخلنا قبل أن يقصفه العصفُ الداعشيُّ الأسودُ المنبعثُ كقطعان وحوشٍ من ردهات قصر «المهاجرين» وقصر «الشعب»، الذي لم يكن إلا قصراً لقهر إرادة الشعب وتفصيلها على مقاس الحاكم النرجسيّ المتألّه الخائضِ بدماء شعبه.

ويرحل «ناجي» دونما استئذانٍ أو وداع. يرحل ليبقى ضجيجُ روحه المتوثّبة «متعمشقاً» على أرواحنا، يخضّها في كلِّ لحظة استذكار، فكأنّنا نسمع دويَّ رصاصةِ الغدر لأوّل مرّةٍ من جديد. ولأنّ كلَّ من هو بسطوع شخصيّة «ناجي» بتوثبه بصدقه وحيويته لا يُصدّق رحيله، حتى كأننا نغمض أعيننا ونصمُّ آذاننا كي لا يتسربَ إليها النبأ المشؤوم، ولكي نصونَ في وجداننا ابتسامته الواثقة ونظرته النافذة وكيانه المقدود من روحٍ وريحان.

«ناجي» كنت فينا روحاً خافقةً لائبة، تبحث عن نظيرها وظهيرها لتحفِّزه، وتبحث عن سندها لتكون له سنداً، تبحث عنّا نحن المفجوعين بموتك لتعاتبنا ولتعزّينا بك، وكأنما يقلقك في رحيلك ما تناهى إليك من عويل أرواحنا الهلعة الغاضبة المشفوعة بصبر، لم يعزْها إلا لكي تحملك إلى مثواك جميلاً، كما عهدتك دائماً جميلاً!

الحريةُ جوهرك، والديمقراطيّة نهجك ونسيج علاقاتك مع من أحببت ومن رافقت وصادقت، فعرفك كلُّ من لم يعرفك بفيضٍ من دموع محبّيك السوريّين، الذين التمّوا والتفّوا على حبّهم وجزعهم ووقوفهم مع الأهداف التي كنتَ أحد روّادها.

«ناجي» أيُّها الحرُّ وأنت ترحل، هل صادفتْ روحُك الهادئة أرواحنا الهلعة المجنونة، وهي تبحثُ عن أثر الطلقةِ الغادرة التي أردتك فحيّدتك عن أتراحنا وأفراحنا المؤجلة إن كان قد بقي لنا شيءٌ من فرحٍ قبل يوم الخلاص من الطغاة الذين حاربتهم بالكلمة وبالصوت والصورة، وحاربتهم قبل ذلك بصفاء روحك الرافضة لعفونة الأقبية الرطبة، حاربتهم لأنّك ككلِّ الكبار تشعر بالمسؤوليّة، حتى لكأنّك المسؤولُ الوحيد المكلّف  بالدفاع عن بؤس وطننا الذي أحاط به الشرُّ والأشرار من كلِّ صوبٍ، وبه ومن أجله، تنطّحت لكلِّ السواد والعتمة والعته والمهووسين ووعدت المحرومين بـ«حنطتك»، وأنت الأعلم برمزيّة الحنطة، تعمّقت كلّما ازداد انفلات النظام من كلِّ مسؤوليّةٍ أخلاقيّةٍ ووطنيّةٍ، وأمات أطفالها ونساءها، المتبقّين من براميله وقذائفه، جوعاً، وكلّما أوغلَ في بيع البلاد والعباد إلى الغزاة القادمين من كلِّ مناحي الأرض والسماء!

أيّتها الأيدي الملوّثةُ بالدم والجريمة، لن تحجبوا الشمس التي دافع عنها «ناجي»، وقدّم دمه لأجلها، لأجل راية الثورة وقيمها وأهدافها النبيلة.

ناجي الجرف .. لقد كنت غيريّاً حميميّاً ومنبراً للثقافة الوطنيّة الديمقراطيّة، لم تطمع بشيءٍ ولم تخف من شيء، لذلك عشتَ حرّاً ككلِّ من يعيش لغيره ويموت نيابةً عن غيره. وبهذه الغيريّة النبيلة، أخذت مكانك في موقع القلب عند الجميع، فعدُّوك أقربَ من صديقٍ وأعزَّ من رفيقٍ ولساناً معبِّراً عنهم إذا خانهم التعبير أو تعثَّرت بهم السبل.

مرٌّ وموجعٌ موتك يا «ناجي»، و طعمُ الغدر والجريمة أكثر مرارةً ووجعاً، ولكنّ عزيمة الثوار أمضى، وقد عاهدتك على حمل قضيّتك إلى أولادهم وأحفادهم ليقولوا لهم: هذه الحريّة هدية «ناجي» ومن على درب «ناجي»، فانعموا بها واحفظوها ولا تغمطوها حقّها، ولا تتخلّوا عن مسؤولياتكم تجاهها، لأنّ الحريّة ما هي إلا الوجهُ الساطع للمسؤوليّة والنبل!

وداعاً «ناجي»: سنظلُّ نبكيك ونحسبك في عداد الأبرار والصدّيقين، حتى يبزغ فجر الحقوق والمواطنة في سوريّتك التي أحببتها ومن أجلها حملت الراية. العزاء لنا معشر الديمقراطيّين، لحبيبتك «بشرى» وطفلتيك، لعائلتك وأهلك ومحبّيك وما أكثرهم، إنهم من زفّوك بعلم الحريّة، ومن بكوك بحرقة قلبٍ وحملوك على الأكفِّ أو ظلّت أرواحهم تهتفُ لك من بعيد، ولم يتسنَّ لهم أن يودِّعوك من قرب، فأودعوك المهج والخواطر والدم والدموع!

ألا شُلّت أياديكم أيُّها المجرمون والقتلة، ألا شلَّت أياديكم أيُّها الوالغون بالدم، وعاشت قضيّة «ناجي» قضيّة الشعب السوريِّ الأبيِّ، والرحمة للشهيد وكلِّ شهيدٍ حرٍّ.

برومو الشهيد ناجي الجرف