ملف

“ناجي الجرف” منمنمات على جدار القلم

حسن اسماعيل اسماعيل

السلمية: نعم، هي صرخةُ الوجود الصاخب لأمومة الشام.

مدينةٌ وادعةٌ على هيئة فراديس الأمل الجانح، يغتاب بذخ اللون فيها أئمةٌ مترفون ببهرج الكلمات، أئمةٌ سدنة يرصفون طوب أيامهم الخصبة معابدَ، تذخر أرواحها النفيسة برُقمٍ صكّت من سبائك الآلهة الثريّة بأزليّتها أبديّتها، الآلهة التوائم الخمس المتجاورة كأناملاليد البشريّة، تترصّد الكمال في مناسك حواريها.

21

الأدب … الفلسفة … الموسيقى … الرسم النحت (ربات الخلود الماجن بالنور).

السلمية: أمٌّ خصبةٌ، بارك رحمَها المقدَّس آلهةُ الربيع.

روت بصدى النسيم في بيدرها المشاع تعاويذَ بركتها الخضراء اليانعة.

بذرت في الحقول المنتشية بالنور شجيراتِ الخير المعطاء وزهرات النغم الصافي كينابيع الفردوس المعهود في

رواية المرسلين.

بذرت على شفاه النهر الهادر بضحكته العذبة بصيلات النرجس الذهبيّ (السلالة النقيّة للأب الأزليِّ للوجود .. الشمس).

«ناجي الجرف»

سليلُ النرجس البهيّ، الطفلُ البارُّ  لأبيه النور، العاقُّ للخيبة، للظلام، للقيودالمذهّبة بالعطايا.

يشدو في الصباحات المعطَّرة بشذا الأرض، لفراشات حقله، أغنية عينيه الجامحتين كأحصنة الروم وهي تقتل المسافة والجهات والحدود.

يهمسُ في الأماسي المتَّشحة بحرير القمر المذهّب، لعصافير بيدره الصادي، حكايةَ روحه المجنّحة وهي تداعبُ أشجارَ السرو والحور وقمم الأحلام تبحث بشغف التائه عن نورٍ لا يخبو ولا يخنقه ظلام البشر المجنون.

كانت الغيمةُ قاتمةً كالموت، شاحبةً كوجه آلهة الجحيم … عابسةً تزاحم النور سطوة المدائن والحقول والبراري والقفار. كان النور الفتيُّ يشيخُ ويتهالك في حلبات المبارزة العاهرة، ويدعو أبناءَه للرحيل.

«ناجي الجرف» كأيِّ سوريٍّ، حمل وطنه في حقيبة سفرٍ وأودع أحلامه النديّة كالنرجسِ البريِّ صرّةً من المتاهة ساقه شهدُ المكيدة لفخاخ أناضول، يتخبّط في رحلة الفصول وقد أضناه هول الشتاء وامتداد الصقيع في دمائه الناضحة بذكرى الياسمين والعنادل والنور… يستدرك الزمن والوجود لمراثي وطنٍ مشلولٍ كسيح…

كان يتوقُ، في لهفة الفراشاتِ لنور الشمس رغم احتراقها به، إلى المكان ذاته… الأرض ذاتها… الجنوب ذاته المتخم بالدم والموت والرحيل… إلى سورية وطن الخيبات الموغلة في الزمن… وطن الأمنيات المؤجّلة الدمثة كطفلٍ استمرَّ يحبو ويحبو دون أن يراوده صلفُ المشي ونشوة الركض.

الأسماء… الألقاب… الملامح النافرة من الوجوه هي كالمقادير في مقياس القدر الأعمى… هي مفاتيحُ لطلاسم القضاء البهيم، هي كالتوابل في ولائم المستقبل.

«ناجي» اسمٌ يسرف في المشيئة، ويجادل الممكنات بلسان السعادة المفقودة… اسمٌ موغلٌ في تاريخ النشأة، يستشعر النجاة من لجّة الغرقِ، لكنّه عبثاً يحاول النجاة من دوّامات المياه البشريّة الماكرة كثعالب الغابةِ البدائيّة…

«ناجي» ميراثُ القلم الشهيد يخلق ألفَ «حنظلة» (بدعة السخرية في مقادير شعب المخيمات).

«ناجي العلي» ضحكة الوجودِ القاتم لشعبه النازف ، يعلم مرارة الرحيل كاحتساء الحنظل.

«الجرف»… اسمٌ باسقٌ في الهيئة لكنّه يختصر سلالة الهاوية نحو المجهول.

بين «ناجي الجرف» و«ناجي العلي»  ألفُ أنشودةٍ و ألف حكاية، حكاية قلمٍ وسيرة وطنٍ… قلم يرسم وقلم يكتب… قلم يغني وينشد وقلم يبني ويثور… قلم يخلق الشمس ويهتك سطوة الظلام … قلم يهندس الفراديس بألوان الأمل … قلم يقتصُّ من غواية القيود ويعرّي مكائد المتخمين على موائد الأوطان … قلم يشدو نبوءة الحريّة.

بين «ناجي العلي» و«ناجي الجرف» ملحمةُ الرصاص تقتلُ أرواحنا قبل أن تهذي بدمائهم الزكيّة ككوثر الفراديس.

«ناجي الجرف» توأمُ الحنطة، سليلُ البسمة المعطّرة بكافورِ الأمل، هو قدرُ الحنطة، تموت حبةٌ تحت الثرى لتخلقَ مئة حبةٍ روحه خصبةٌ كالفرات هائجةٌ كدجلة لن تموتَ مهما كان الغدر صامتاً أبكم كان الرصاصُ بارداً كالجليد القطبيّ، صامتاً كالعالم السفليّ، صاخباً في صمته كالجحيم… لم يكترث للجسد الربيعيِّ المكسيِّ بالورود والأقمار والنجوم وسلالات الطيور الملوّنة…

  «ناجي الجرف»… أبجديَّةٌ ميراثه سرمديٌّ كالوجود، ثمينٌ كالحياة حقولٌ من السلام وبيادرُ من المحبة تترصّد ميلادها مهما طال قحط السنين، تنتظر سواعدنا الخاملة أن تنحت الوجود، أن تصارع ثيرانَ الجدب وأفاعي الظلام لتخلق النور.

نعم أبكاني «ناجي» لأنّه عاش فينا… في أرواحنا العطشى لهداية الحريّة.

«ناجي» صلاةُ الحرية لأرواحنا التائهة… لن نتوقّفَ عن صلاة الحريّة لا لن نتوقّف…

برومو الشهيد ناجي الجرف