جرن حنطة

ظاهرة اغتيال النشطاء السلميين مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين نموذجاً

خالد أبو عيسى

لطالما استهدف الاستبداد بشكليه: القديم والجديد الناشطين السلميّين في ظلِّ الثورة السورية؛ لأن النظام كان يدرك أن «كعب آخيل» بالنسبة إليه هي السلمية والحراك المدني، فساحته هي العنف والقتل  والدمار  وهذا ما لا تحققه سلمية الناشطين له، فهو في حاجةٍ إلى أعداء من جنسه يجرون الثورة إلى العنف والتسليح عندها يكون هو المسيطر كونه يعلم أن لديه ما يكفي لقمع الثورة ولاسيّما أنه احتكر العنف والقوة على مدى سنوات حكمه.

12721763_493267397546963_1304010387_n

وبالفعل كان له ما أراد بعد أن ارتكب الموبقات بحقّ الشعب السوري الثائر، حيث بدأت تظهر قوى من جنس النظام نفسه ساعد في تقويتها غياب الناشطين السلميين بعد أن قضى النظام على أجيال الثورة الأولى قتلاً واعتقالاً وتشريداً من جهةٍ، ونمو الخطاب الديني الذي دفع إليه النظام أيضاً من جهةٍ أخرى.  وقد تشارك النظام والمستبدون الجدد (داعش ومن لفَّ لفيفها) في استهدافهم للناشطين السلميين من غياث مطر الذي قتله النظام إلى ناجي الجرف الذي اغتالته أيدي الظلام، وما بينهما آلاف الناشطين السلميين. لتبقى الثورة في ساحة النظام ورهاناته، أي الرهان على الثمن والزمن الذي سيدفعه كل الأطراف، الرهان على الدم السوريّ/ السوريّ.

ولقد تجلّت إستراتيجية النظام في قتل الناشطين السلميين بشكلٍ واضح في مخيم اليرموك الذي كان يضمُّ الكثير من الناشطين السلميّين ويعود ذلك لرغبة الفلسطينيّين في تحييد المخيم عن الصراع المسلّح ولاسيّما تنسيقية مخيم اليرموك، لذا كان مخيم اليرموك وناشطوه السلميّون هدفاً للنظام والمليشيات الفلسطينيّة الموالية له مصرين على زج المخيم في الصراع المسلّح.وبلغت هذه الإستراتيجيّة ذروتها حين قامت طائرات النظام بقصف المخيم بالصواريخ، مما أدّى إلى وقوع المجازر البشعة بين صفوف المدنيّين فيه، ولاسيّما مجزرة جامع «عبد القادر الحسيني»، الذي كان يقطنه مئات النازحين السوريّين الفارين من المناطق المجاورة للمخيم، واستشهاد العشرات منهم فلسطينيين وسوريين. وقد أدّى هذا الأمر في اليوم التالي لمجزة «الميغ» في تاريخ ( 7 ديسمبر / كانون الأول عام 2012) إلى نزوح معظم سكانه منه مضطرين، و لم يتبقَ منهم إلا القليل الذين أصروا على البقاء فيه، وقدر عددهم بأكثر من (20) ألف مواطنٍ.

أطبقت قوات النظام السوريّ ومليشيا «أحمد جبريل» على المخيم بعد ذلك التاريخ بستة أشهر حصاراً شاملاً،ومازال مستمرّاً حتى أيامنا هذه،ومُنع السكان من الخروج والدخول إليه، بالإضافة إلى منع دخول الأغذية والأدوية إليه، وانقطاع التيار الكهربائيّ والماء عنه، واستمرار القصف بالمدفعيّة والبراميل المتفجرة، حيث تعرّض الكثير من سكانه على أثر ذلك إلى الموت بسب الجوع و المرض الناجم عن نقص المواد الغذائيّة والطبية، وعدم توفّر الأطباء الذين هربوا من الحصار بسبب بطش النظام بهم، هذا بالإضافة إلى استشهاد العديد منهم بسبب عمليات القنص والقصف المستمرَّة.

دفعت هذه المعاناة الفائقة بالنشطاء السلميين إلى القيام بواجباتهم الإنسانيّة تجاه المواطنين المحاصرين في اليرموك؛ حيث كثفوا من نشاطاتهم ومساعدتهم للتخفيف من وطأة الحصار الخانق، عن طريق إدخال المساعدات الغذائيّة والدوائيّة من خلال تواصلهم مع الجمعيات الخيريّة وغيرها من المنظمات الدوليّة التي كانت تقدم الدعم للمواطنين المحاصرين، وإيصالها إليهم بشقِّ الأنفس، مخاطرين بأرواحهم أثناء ذلك نتيجة تعرّضهم لعمليات القنص على حاجز النظام المتواجد في أول شارع اليرموك القريب من منطقة «الريجة»، أو الاعتقال، كما حدث مع الناشط الإغاثيِّ الفلسطينيِّ السوريِّ «فؤاد العمر» ( أبو باسل )، فقد تمَّ اختطافه في (2 فبراير / شباط) من قبل المخابرات السوريّة أثناء قيامه بعمله الإغاثيِّ، وأعلن ناشطون عن استشهاده تحت التعذيب في أقبية النظام السوريِّ بعد شهر من اختطافه.

الملفت للنظر أن اغتيال النشطاء السلميّين في مخيم اليرموك أصبحت ظاهرة شبه يومية في المخيم، وقد وصل عدد الناشطينالذين تمَّ اغتيالهم إلى أكثر من (20) ناشطاً، بحسب ما وثقته «مجموعة العمل من أجل فلسطيني سورية»، ومن أبرزهم : «بهاء صقر» وهو عضو في تجمّع أبناء اليرموك، تمَّ اغتياله في (2 آب عام 2014)، وفي (20) من هذا الشهر اغتيل الناشط «أحمد السهلي» (أبو عادل) أثناء خروجه من الجامع بعد صلاة العشاء في حي العروبة، وفي هذا الشهر أيضاً اغتيل الناشط «عبدالله بدر» (أبو عدي)، كما اغتيل في (نوفمبر / تشرين الثاني) الناشط السياسي ّ«علي الحجة» المعروف بمعارضته للنظام السوريِّ، كما تمَّ اغتيال الناشط «أحمد خليل» (أبو العبد شمدين) في صباح يوم ( 7 يونيو / حزيران عام 2014)أمام جامع «عبدالقادر الحسيني» أثناء تأدية واجبه الإغاثيّ، وهو عضوٌ في لجنة الإغاثة العليا للمخيم، وفي (23 ديسمبر من عام 2014) اغتيل «محمد طروية» مسؤول ملف حركة فتح في مخيم اليرموك.

استمرَّ مسلسل الاغتيالات في مخيم اليرموك المحاصر عام (2015)، فقد اغتيل في الشهر الأول منه الناشط الإغاثي «محمد عريشة»، مسؤول تجمّع أبناء اليرموك أحد أعضاء الهيئة الخيريّة، ومؤسس مؤسسة همسة الطبية. كما اغتيل بأوائل شهر شباط من عام (2015) الناشط «نمر حسين» أمام منزله برصاصة قناص، وفي (23) من هذا الشهر اغتيل الناشط «فراس الناجي» في منزله حين كان نائماً برصاصة كاتم صوت برأسه، المعروف بنشاطه الحثيث والدؤوب في تخفيف المأساة التي يعاني منها المحاصرون في اليرموك، وفي ذكرى يوم الأرض في تاريخ (30 مارس / آذار) اغتيل الدكتور «يحيى حوراني»، وهو من أهالي مخيم العائدين للاجئين الفلسطينيّين في حمص، وقد كان من أبرز أطباء اليرموك، وعضواً في عدّة منظماتٍ إنسانيّة وإغاثية، ومدرباً دوليّاً معتمدا ًمن اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر، ومسؤول التنمية و التدريب في هيئة فلسطين الخيريّة، واغتيل في (28 أكتوبر / تشرين أول) «أبو أحمد هواري» عضو المكتب السياسيّ للجبهة الديمقراطيّة لتحرير فلسطين في مخيم اليرموك بإطلاق النار عليه في «حي المغاربة»، وطالت أيادي الغدر أيضاً الناشط الإغاثي «مصطفى شرعان» (أبو معاذ) أثناء خروجه من جامع عبدالقادر  الحسيني بعد صلاة التراويح، وهو  مسؤول  هيئة فلسطين الخيريّة سابقاً، كما استهدفت الاغتيالات في تاريخ(3 أوغست / آب 2015) الناشط الإغاثيّ «إياد أيوب» عضو الهيئة الوطنيّة.

الجدير ذكره هنا أنه بعد تفاقم عمليّة الاغتيالات في اليرموك، وعلى رغم استمرار حصاره من قبل قوات النظام، وتداخل الأوراق بين داعش والنصرة في المخيم، قيدت كلّ تلك الاغتيالات ضدَّ مجهول، الأمر الذي جعل المهتمين بشأن اليرموك من نشطاء سياسيّين، ولاسيّما المعارضين منهم إلى طرح أسئلةٍ عديدةٍ منها: ما هو الهدف من هذه الاغتيالات؟ ومن يقف وراءها؟

لقد كان واضحاً لدى العديد من المراقبين، أن من يقف وراء كلِّ تلك الاغتيالات للنشطاء السلميّين هو من كان يصرُّ على رفع الغطاء عن سلمية الثورة السوريّة، وإعطائها الوجه المسلّح فقط.

برومو الشهيد ناجي الجرف