ملف

نعتاد ضبط العواطف.. «إلى ذكرى ناجي الجرف»

راتب شعبو

من حسن حظِّي، أو ربما من سوئه، أن قادتني الدروبُ إلى التعرُّف إلى الشهيد «ناجي الجرف» من خلال العمل لتحضير عددٍ خاصٍّ من مجلة «حنطة» عن «علي الشهابي»، المعتقل المجهول المصير لدى مخابرات النظام السوريِّ منذ ما يزيد على ثلاث سنواتٍ. ليس تحت تأثير فاجعةِ افتقاده، وليس من باب التأبين الذي لا يجوزُ فيه أن يقال سوى محاسنِ الفقيد، سأقول إن ناجي كان «يرنُّ كيفما نقرته»، كما يقول التعبيرُ السوريُّ. هو نيرانيٌّ في الاستجابة، و»طويل البال» في تلقّي الملاحظات، جاهزٌ لفتح عشرة خطوطٍ في آن واحد، يتكلّم مع المدقق اللُّغويِّ ومع المخرج ومع الفنانين ومع الكتَّاب ويطمئن كلَّ ذي قلق، وهو في كلِّ هذا يحافظُ على غيمة اللّطف التي يحيط بها الجميع.

_145113858415

في إحدى جلساتِ «التشات» على «الفيسبوك» كنّا نتداولُ أمرَ الغلاف، نتنقَّل بين عدّة خياراتٍ ونتصادم ونستفتي فيما بيننا. كنّا أربعةً نقدِّم الملاحظات والاقتراحات والاحتجاجات والاعتراضات والنزق، وكان ناجي يتلقى كلَّ هذا الفيض ويعدِّل ويستقبل كلَّ قول، إلى حدِّ أنني شخصيّاً شعرت بالخجل من تقديم المزيد من الملاحظات. فيما كان هو بعد كلِّ هذا مستعدّاً للقول: «شو كمان؟».

في إحدى المرّات كان سيلُ الاستفسارات والملاحظات ينهالُ عليه، كان يستجيب أبطأ من قبل، وكان يبدو مثقلاً بشيءٍ ما. لم يسأله أحدٌ ما بك؟ ولكنَّه قرأ السؤال لدى الجميع، ولكي يريح الأسئلة المكتومة، ويبرئ طبيعته من هذا العارض الطارئ، كتب: (آسف بس تمَّت تصفية شب من فريقنا بإدلب من شوي عم حاول اضبط عواطفي لخلّص النشر)، وأكملَ. هكذا اعتدنا، ويا لمرارة هذه العادة، أن نضبط عواطفنا ونتابع. عواطفنا التي تنهالُ عليها المصائب من كلِّ صوبٍ. نعدُّ عدداً خاصّاً من مجلة ناجي «حنطة» عن صديقٍ مخطوفٍ منذ ثلاث سنواتٍ ولا ندري أهو حيٌّ يعاني التعذيبَ والجوع والبرد والمرض، أم مات ليرتاح ويبلونا بفقدانه، فيفقد ناجي أحد أعز أصدقائه وأحد أفراد فريقه في معمعة العمل على إصدار ذلك العدد، وبعد صدور النسخةِ الورقيَّة من ذلك العدد بيومٍ واحدٍ أو يومين، يطعننا خبرُ اغتيال ناجي. ثم علينا أن «نضبط عواطفنا» حتى ننتهي من النشر، وفي سريرتنا يتلجلجُ سؤالٌ لا نريد أن نواجهه أو ننظر في عينيه: أين سوف تستقرُّ الطعنةُ التالية؟

دائماً تجد كواتمُ الصوت طريقها إلى الرؤوس الشبيهة برأس ناجي. علاقةٌ خاصّةٌ تلك التي تربط كواتم الصوت بهذا النمط من الرؤوس التي تجمع التصميم والذكاء واللطف إلى احترام الآخرين وتقدير شخوصهم وأفكارهم. ألأن هذا  النمط من الناس يشكِّلون خطراً على أصحاب كواتم الصوت؟ لا أظنُّ، أقصد ليس هذا هو السبب المقنع لاغتيال أمثال ناجي، بل لأنَّ هذا النمط من الناس له مفعولُ المرايا السحريّة التي تحكي عنها قصصُ الأطفال؛ من يقف أمامها لا يرى صورته بل يرى حقيقته، وأصحاب الكواتم لا يريدون أن يروا حقيقتهم لشدّة ما تحمل من قبحٍ وبشاعةٍ، فيلجؤون إلى تحطيم المرايا.

خرج ناجي من سورية لأنه لا يريد أن يموت أو يعتقل كما قال في مقابلةٍ له. خرج لأنه يعتقد أنّه يستطيع أن يفعل ما يفيد السوريّين وهو حرٌّ. خرج بأمل أن يتمكّن بقلبه الحسّاس وهمته ونشاطه ومثابرته من المساهمة في حماية السوريّين من الموت والاعتقال على أيدي المستبدِّ القديم وأشباهه الجدد. لم يخذله قلبه ولا رئته الوحيدة التي كانت كافيةً، رغم التدخين الكثيف، لتغذية نشاطه الدائم، ولم يخذله أصدقاؤه. ولكنه الشر الغلاب في هذا العالم المستسلم لهوس القوة المادية.

الشهيد «ناجي الجرف»….  إلى روحك ألفُ سلامٍ.

برومو الشهيد ناجي الجرف