ملف

فقدانٌ مريرٌ وباقةُ وردٍ

زياد ماجد

لا تُفهم اللوعةُ التي أصابت كُثراً من السوريّين لحظةَ انتشار خبر اغتيال «ناجي الجرف»، دون ربطها بشخص المغدور ونشاطِه وحيويّته الفائضة، وما مثّله داخلَ الفضاء الثوريِّ السوريِّ من ناحيةٍ، واللحظة التراجيديَّة سوريّاً التي اختطف القتلةُ فيها الرجلَ من ناحيةٍ ثانية.

12769443_10207770052942360_1276460088_n

فناجي الجرف، ابن مدينة سلمية، انتمى إلى الحقبة الثَوريّة السوريّة الأولى في عامي (2011   و2012)، وشارك في المظاهرات، ووثَّق بعضها وغطّاها إعلاميّاً إلى حين اضطراره للخروج من سوريا كما الألوف من أمثاله. لكنّه بقي قريباً من حدودها، واستمرَّت علاقته الوثيقة برفاقه داخلها، ونشط في مكانِ عيشه الجديد ضمن هيئاتِ «المجتمع المدنيِّ» السوريِّ الناشئة، وترأّس تحرير مجلة «حنطة» التي صارت واحدةً من أبرز دوريّات الصحافةِ السوريَّة البديلة.

و«ناجي الجرف» عمل أيضاً على إنتاج تحقيقاتٍ صحفيَّةٍ لوسائل الإعلام المحترفة. ولعلَّ الوثائقيَّ حول سيطرة «داعش» على حلب خلال الأشهر الأخيرة من عام (2013)، (قبل أن يطردها الجيشُ  الحرُّ وبعض الفصائل الإسلاميّة السوريّة)، الذي أظهر الممارسات الإجراميَّة للتنظيم بحقِّ الثوّار والمعارضين الأوائل لنظام الأسد، كان من أبرز هذه التحقيقات وأكثرها فضحاً لأدوارِ «داعش» وأولويّاته.

و«ناجي» كان فوق ذلك ديمقراطيّاً وعلمانيّاً، واضحاً في خياراته السياسيّة وانحيازاته الإنسانيّة، من دون قطيعةٍ مع من لا يتماهون معه بالضرورة. ولا ريب في أن عداءَه لنظام الأسد ولتنظيم «داعش»، وقناعته التي عبَّر عنها تكراراً بأن بربريّة الأوّل هي أبرز أسباب صعودِ همجيّة الثاني، جعلته هدفاً مثاليّاً للطرفين. إذ كلٌّ منهما يتمنّى تنسيب خصومه للآخر، وهذا ما لم يكن ممكناً مع «ناجي» ومع من يمثّلهم، ولذلك كانوا وما زالوا الأكثر استهدافاً في الثورة السوريَّة اليتيمة.

ولعلَّ اللحظة السياسيَّة التي قُتل فيها «ناجي الجرف»، جعلت الفقدان أشدَّ قسوةً وأكثر وطأة. فرحيله أو رحيلُ من يشبهونه في وقتٍ تتعرّض فيه قضيّتهم السوريَّة لمحاولات تصفيةٍ عبر الغزو العسكريِّ الروسيِّ والصمت الدوليِّ، يزيد من وقع الخسارات الفرديَّة ويفاقم الشعور لدى قسمٍ كبيرٍ من الناشطين السياسيّين والفاعلين المدنيّين باليُتم والحسرة والقهر من تكاثر المظالم وتعاظم الأعباء فوق أكتافهم.

****

غدرَ القتلةُ بـ «ناجي» منذ شهرين، قبل انتقاله إلى محطّةٍ جديدةٍ في عمله وحياته وحياة أسرته الصغيرة. وغدروا من خلاله بأمل سوريّ كان لولا كاتم الصوت والوضاعة أكثر ضياءً.

لروحه السلام، ولذكراه الورودُ والوفاء، ولبشرى رفيقته ولطفلتَيه الغاليتَين وأصدقائه في الكفاح السوري المرير، الصبرُ وطول العمر…

برومو الشهيد ناجي الجرف