ملف

«ناجي الجرف» واستراتيجيّات التواصل غير القابل للنسيان!

شكري الريان

لا يمكنني الحديثُ عن «ناجي» إلا بصفةٍ شخصيّةٍ، هذا أمرٌ يخصّني، وأظنُّ أن هذه حال جميع من عرفوا ناجي بطريقةٍ أو بأخرى. ولا أظنُّ أنَّ «ناجي» قد مرَّ في حياة أحدهم، ولو بشكلٍ عابرٍ، دون أن يترك أثراً لا يُنسى، لم يلبث بدوره، الأثر، أن تحوّلَ إلى أمرٍ خاصٍّ، حميميٍّ ولا غنى عنه. حتى المرضُ نفسه مرَّ بمثل هذه التجربة مع ناجي، حوّله إلى أمرٍ يمكن التعامل معه بين حين وآخر، ولو حتى كاستراحة محاربٍ.

12782348_1021620377876099_1356173469_n

بالنسبة لـ«ناجي»، الذي يخصّني، يمكنني البدء من… الحقُّ أنّي لا أعرف من أين، لا توجد نقطةٌ محدّدةٌ يمكنني البدء بها! فهذا الحضورُ السريع والاقتحاميُّ، من دون أن يترك لك أيَّ مجالٍ لأخذ مسافة الأمان المعتادة، ما كان له أن يعمل بإستراتيجيّةٍ متدرِّجةٍ، إنّه يدخل كالطوفان من جميع المنافذ المتاحة حاملاً شيئاً واحداً لا يمكن لأحدٍ أن يقاومه أو يرفضه أو حتى يشكك فيه: هو الحب ولا شيءَ آخر سواه. وأن تعثرَ على من هو قادرٌ على كلِّ هذا الحب، كطوفانٍ، وفي زمنٍ أسديٍّ أعجفَ بكامل تفاصيله، فتلك هي معجزةٌ بحدِّ ذاتها.

وكما الأمر لا يقف عند منفذٍ محدّد، أو متوقّع، للتواصل، كذلك فإنّ التواصل نفسه لا يلبث أن يتطوّرَ حتى لا تعود له حدودٌ. فالعلاقةُ التي يمكن أن تبدأ عمليّةً ضمن حدودٍ معيّنةٍ، حتى لو كان فيها الكثير من الودِّ، لا تلبث أن تتحوّل إلى علاقةٍ شخصيّةٍ يطلبها طرفاها بشكلٍ دائمٍ، بحيث لا يعود هناك غنىً عنها لروحٍ لا يقيّدها عملٌ أو أيّة ذريعةٍ أخرى. التواصل ليس لمجرد التواصل، هو بات بدوره منصّةً لأفقٍ أوسعَ بكثير،  بعيداً عن الضيق والاختناق والخوف والقلق واللا معنى الذي عشناه وفُرض علينا في كلِّ لحظةٍ من لحظات عمرٍ كاملٍ أريد له أن يتحوّل إلى سجن، وأريد لقاطني هذا السجن أن يقبلوا، لدرجةِ ألّا يعودوا فيها قادرين على مجرّد التفكير بشيءٍ آخر، إنّهم مجرّد عبيدٍ.

علاقتي بناجي تعودُ إلى سنواتٍ عديدةٍ قبل الثورة، تداخل فيها الشخصيُّ والمهنيُّ والعامُّ بطريقةٍ لا يمكن فهمها لمن لم يعرف ناجي ويعرفنا ويعرف سوريانا التي ابتلينا بها. والحقُّ أن البداية كانت شخصيّةً ومهنيّةً وعامّة، هكذا على طول الخطِّ ودفعةً واحدة. كان الإعلام، كمهنةٍ، حاضراً، وكانت هناك «بشرى»، واسطة العقد دائماً، حاضرةً أيضاً كابنةٍ وزوجةٍ وشريكةٍ في العمل. وكان هناك الكثير الكثير من المشاريع المؤجّلة، وتلك التي شاءت الظروف أن يبصرَ جزءٌ يسيرٌ منها بعض النور ويحقّق بداياتٍ لنجاحٍ ما كان مقدّراً لنا أن نجنيَ ثماره، وهناك من يتربّصُ بالجميع عند آخر الطريق فارضاً عليهم جزية العبوديّة المعتادة وإلا!…. وكان فوق هذا ومعه ذلك اليقين بأننا لو أعطينا فرصتنا كاملةً فنحن، دون أدنى ريب، قادرون.

يمكنني القول: إنَّ «ناجي» كان أكثرنا ثقةً بتلك القدرة، والتي كان من شبه المستحيل لها، وفي ضيق زنازيننا، أن تتنفّسَ ما تحتاجه من هواء. ولكن بالنسبة لـ «ناجي»، وما كان يحمله معه بشكلٍ دائمٍ من فائض الحبِّ هذا، لم يكن الأمرُ قابلاً لأن يخضع لأيِّ تساؤلٍ أو تشكيكٍ. «سنصل يوماً إلى ما نريد».

وما كنّا نريده، ما كان له أن يبصرَ بدورهِ بدايات نوره لولا تلك الثورة التي أيقنَ جميع العاشقين، ومنهم ناجي، أن لا بديل منها وإلا متنا ومات أيُّ احتمالٍ لعشقٍ وحياةٍ لنا. لذلك لم يكن غريباً أن يكون «ناجي» واحداً من أوائل من قاموا بعملٍ إعلاميٍّ ما في أرض ثورةٍ بكرٍ كانت بحاجةٍ إلى أيِّ مجهودٍ أو دعمٍ ومن أيِّ طرف، وممّن أشعلوها قبل أيِّ طرفٍ آخر.

وعلى عادة «ناجي»، ما كان للأمر أن ينتظرَ أيَّ تفصيلٍ، مهما كان حجمه، حتى يبادر. تأتي المبادرة أولاً وبعدها تلي «التفاصيل» كائنةً ما كانت. وكان للحكاية أن تكبرَ وأن تصلَ إلى ما وصلت إليه. كلُّ هذا و«ناجي» يعمل بطريقته المعتادة نفسها؛ لا تدع ثغرةً يمكن النفاذ منها إلا واستخدمها، ليس باتجاه أعدائك، بل باتجاه من تحب. وهو الهدفُ الذي لا يجبُ أن تنساه أبداً، وهو ما لا يمكن إلا أن يبقى لنا بعد أن خسرنا البلد…

عندما أقلّب صوره، الكثيرة، في وسائل التواصل الاجتماعيّ، وسواها، لا أجد إلا هذا الأثرَ الذي تركه على الجميع، والذي لم يلبث أن تبدّى حزناً وأسىً غامرين ما إن باغتنا جميعاً برحيله.

لم أُفاجأ، فمن عرف «ناجي» عرفه بشكلٍ شخصيٍّ أوّلاً وقبل أيِّ شيءٍ آخر، وبرحيله فقدَ جزءاً عزيزاً من ذاته.

عدا عن هذا، وفي «التفاصيل»، فإن «ناجي» بقي «هو هو» حتى في عمله. كان العمل وسيلةً لمدِّ التواصل هذا، وبالطريقة نفسها، إلى أوسع مدىً ممكنٍ، وإلى آخر سوريٍّ يمكن أن تطاله… روحه…

يقولون: إنَّ أفضل وسيلةٍ لتقدِّر معدن من تتعامل معه، هي واحدةٌ من ثلاث محنٍ: إما غربةٌ، أو خدمة في الجيش، طالما كانت وجهاً آخر للمحنة الثالثة، «السجن».

وأظنُّ أنني خبرت «ناجي» في اثنتين؛ الغربة والسجن. وفي كليهما كان يحلم بالتحليق وهو في قعر البئر، وفوق هذا يريدك أن تشاركه! ولا أظنّه إلا فعلها، حلّقَ وأصابنا جميعاً بالعدوى.

برومو الشهيد ناجي الجرف