ملف

الشهيد الجميل.. «ناجي الجرف»

أيُّها الناجي.. سلاماً

الشهيد الجميل “ناجي الجرف”

الكتابة عنك أيُّها الناجي من أصعب التحدّياتِ التي واجهتني في حياتي، لأنّه لم يخطر في بالي أن نفترقَ يوماً ما وأكتب إليك في غيابك، أو أن أكتب عن خصالك وشهامتك وشجاعتك التي يعرفها الجميع.

الشهيد الجميل
الشهيد الجميل

لستُ قادراً على الرثاء بالكلمات الجاهزة، ولست قادراً على البحث عن الكلمات التي تليق بك، فأنت كلُّ الكلماتِ التي تعبِّر عن الحب والأمل والحياة نحو الشروق الجميل لشمس الحريّة.

من أنت أيُّها الناجي كي تفعلَ فينا كلَّ هذا الحزن، وأن تفجّرَ المآقي، بتلقائيّة الأطفال، في كلِّ البلاد والشوارع والأزقةِ الضيّقة والجدران المغلقة، والتي امتزجت مع دمائك التي لن تتجمّدَ أبداً، وأن تكون الجرحَ النازف في القلوب؛ الجرحَ الذي لن يندملَ.

لم تكن رئيساً لدولةٍ عظمى، ولم تكن أحدَ الأغنياء الكبار في العالم، حتى تناقلت أغلبُ الصحف ووكالات الأنباء في العالم، ومنظّمات حقوق الإنسان، نبأ استشهادك بالأسى والحزن. وقالوا في رثائك أجملَ الكلمات، حتى من قبل الكثيرين الذين لم تعرفهم، أو تلتقي بهم، إنّما لدهشتهم من اتّساع حضورك وعمق المحبة من الجميع.

لم تكن نبيّاً، إنّما كنتَ فقيراً كالأنبياء، ولم تبحث عن الثروة والسلطة والجاه. وكنتَ «بسيطاً كالماء»، واضحاً كالشمس، وكأنك تختزنُ بعضَ جينات «زرقاء اليمامة» حين اكتشفتَ مبكّراً طبيعة السلطة الجديدة (الائتلاف الوطنيّ)، وعدم تمثيلها للثورة. فرفضتَ الانضمامَ إليها، والعيش في فنادقها، رغم كلِّ الدعوات التي وُجِّهت إليك. كما رفضت أن تكون عبداً لأحد، وأن تتلوَّثَ يداك في أوكار المال السياسيِّ المشبوه، ودهاليز النصب والاحتيال، والتي انتشرت كالهالوك في تربة الثورة الوليدة، ولم تبلغ سنَّ الرجولة بعد. وكان «إيمانك بالثورة أهمَّ من أيِّ رمز»، لأنّ الرموزَ لا تصنع ثورةً. وحين كان اليأسُ يهاجمنا لأنّ النظام الفاشيَّ اغتال أغلبَ الرموز الشابّة الممثّلة للثورة، وأصبحت السيادة للانتهازيّين، والكسبة، وأمراء الحرب الذين يتاجرون بدماء الشهداء الزكيّة، كان الأمل لا يفارق ابتسامتك وأنت من كان يردّد «أغتالُ اليأسَ حيناً، لأعتني بالأمل أحياناً». وبقيت تذكر «بريق عيونهم في المظاهرات، والتي استمرَّت تملأ رئتك بالأمل». وكان الحبُّ يغمرك لرفاق الدرب، والأملُ بالانتصار على الطغيان لا يفارقك، ولأجل ذلك لن تموت.

كم كنت تكره الأماكنَ الضيّقة، واللعبَ على الحبال المتأرجحة. أنت الواسعُ كالبحر، وروحك حمامةٌ بريّةٌ تكره الأقفاص، وتحلِّق في السموات العلا، ثم تحطُّ على أكتاف الشباب الذين كسروا جدار الخوف، وقرَّروا إسقاط الطغاة. وعرفت كيف تعلّمهم الانتماءَ للوطن، عبر الكاميرا والكلمة  الحرَّة،  وأن يتشبّثوا بأهداف الثورة، في مرحلة النهوض، وفي مرحلة اليأس، والتشرّد، والإفساد، والدعوة إلى السكينة. في مرحلة السلم والنضال السلميّ، وفي مرحلة الكفاح المسلّح، وحين أصبح «الجيشُ الحرُّ» يمثّلنا. وفي مرحلة «عصر الإرهاب» حيث امتلأت الساحةُ بالطغاة الجدد، وأصحاب الرايات السوداء، وكنتَ أوّل من تصدَّى لهم وفضحَ أساليبهم الدنيئة، وراياتهم الطائفيّة البغيضة. فكانت رايتك واضحةً كالشمس «أنا لست ضدَّ الدين، لكن أخرجوا أهل الدين من السياسة، فإنّهم يتوضّؤون بدماء الفقراء».

«في البدء كانت الكلمة»، وكانت الكلمة هي مصدر قوّتك. الكلمة التي رفعتها في وجه النظام الطاغية منذ الأيام الأولى لانطلاقة ثورة شعبنا المجيدة. والحرية هي الكلمة التي أرعبت كلَّ الطغاة القدامى والجدد.

وكنتَ تعرفُ أنّ الكلمة ليست لعبة أطفال. والكلمةُ الحرَّة لا يرفعها إلا الأبطال، وهي التي تزلزل العروشَ وتمزّق الرايات السوداء، وتبني الإنسانَ الحرَّ من جديد. وهي دائماً أقوى من كلِّ الرصاصِ الذي يقتل ويدمِّر الإنسان. ورصاص الغدر سلاحُ الجبناءِ الذين يعجزون عن مواجهة الأبطال.

مدينة السلمية التي أنجبتك، أورثتك تنوّعها الجميل. لم تكن «سنّيّاً، أو شيعيّاً، أو إسماعيليّاً، أو مسيحيّاً..». ولم تكن سلمونيّاً، أو حمصيّاً، أو حلبيّاً.. إنّما كنت كلَّ ذلك. كنت سوريّاً، كنت قوس قزح، كرايةٍ يحملها ويدافع عنها الجميع.

كيف يموت من زرع الأملَ في القلوب البائسة، ومن رسم الابتسامة على وجوه الآلاف من الشباب الأحرار. لقد حاربتهم بابتسامتك، وبروحك، وبحلمك، وباستشهادك الذي أيقظ القلوب من جديد، بعد غفوةٍ غمرتها الدموع.

صحيحٌ أنّك أبكرت الرحيل، لكنك لن تموتَ وستبقى رايةً لكلِّ الأحرار، والنجمة التي ستضيءُ طريقهم.

هل يمكن أن نخرج من عقدتنا الأولى؟ لماذا لا نستطيع أن نحميك؟ لماذا كنّا كالبلهاء واعتقدنا أنّ الغدرَ لا ينالُ من الأبطال؟ وكيف أغفر لبلاهتي لأنّي لم أتنبّأ بأنَّ الدموعَ التي غسلت وجوهنا في تلك الليلة السابقة، كانت مؤشّراً للرحيل. عذراً أيُّها الناجي لقد فشلنا في حمايتك. كيف ستنتصر  ثورةٌ لا تستطيع حماية أبطالها؟! وكان القدرُ أسرع من غبائنا الذي أهمل مؤشّراتِ رحيلك كما أرسلها الطغاة.

أيُّها الأصدقاء، إنّه قدرنا، قدرُ  ثورتنا. لا تجعلوا من رحيل الشهداء مقبرةً لثورتنا العظيمة، فالمشوارُ نحو الحرّية طويلٌ، وطويل. ولا تتاجروا أو تساوموا على دمائهم، لئلا تغتالوا أرواحهم التي تحوم فوق رؤوسنا كنوارس البحر، تظلّلنا من لهيب الحقد الأعمى للطغاة. ولا تسألوا متى سنلتقي بالشهداء، إنّما لنبحث معاً متى وكيف ينهض الثوار من جديد.

سلاماً أيُّها «الناجي»،  ولكِ الصبرُ أيّتها «البشرى»، فإنّ الصبرَ من قيم القدّيسين والأبطال.

برومو الشهيد ناجي الجرف