ملف

شاهدة للحنين

ها نحنُ نمتثلُ لفكرة الكتابة عنك، إذاً فقد رحلت حقّاً. كنتُ أحاولُ التهرُّبَ، إطالة النظر في وجهك الباسم دوماً من تلك النافذةِ الزرقاء، ثم إغلاقها وتسلية النفسِ بأنّه لا بدَّ أن يكون لك من اسمك نصيبٌ، فتنجو كما فعلت مراراً، وطمعنا نحنُ ببطل المواقفِ الحرجة.

Hani abbas

ترصَّدك الموتُ بحرص، وغفلنا ولا ندري إن كنت غفلت، أم أنك فضّلت مواجهته، واخترت وجهتك من أحد كتب الملاحم: “ذاهبٌ إلى موتي”.

غيابك أيُّها الصديق يضعنا أمام مئات الأسئلة، بدءاً من أكثر الأفكار طفوليّةً وسذاجةً من مثل: أنَّ “لكلِّ امرئٍ من اسمه نصيبٌ” فيما لم يكن لك، مروراً بالخوف من هواجسنا، فقد كنت تهجسُ بالشهداء منذ أوّل لقاءٍ بك. كان أوّل سؤالٍ توجّهه لي بعد أن عرفت اسمي:
“شو بيقربك الشهيد عدنان المرعي”، وبقيت تهجسُ بهم، تؤرِّخ لهم، تنعيهم وتنعي فراغ الكادر الذي رسمته حولهم بعناية الأمهات، وجذل الأطفال، إلى أن ضاق عليك ورضخ لارتقائك، وصولاً إلى تساؤلٍ بات يسكننا عن قيمة السوريِّ خارج ترابه، عن مرارة أن يرحل مثلك نهاراً على يد قاتلٍ مأجور. شاء القدر أن تُسكِتَ رصاصته المكتومة نبضك الحارَّ، أن تحصد منك موسم “حنطة” قبل أوانه بكثير.

يغيب الكادرُ كلُّه اليوم عن النظر أيُّها الصديق، وتبقى صورك معلقةً على حيطاننا الافتراضيَّة، لا تتسع لها الكوادر، تجرّب أن تقول شيئاً، تومئ لنا أن نروي عن صديقٍ ثار بصوتٍ قد يكون الأكثر حمولةً من المرح، بأوراق مجلته، بوقوفه الطويل للشرح عن “الكادر” بما يسخِّر للناشطين عدسة الكاميرا بدلاً من زناد السلاح.. عن صديقٍ لم يمهله الموت أن يعبر قليلاً ليتنفّسَ هواءَ استراحةٍ قصيرةٍ فقط، ثم يتابعُ رثاء الشهداء من منفىً جديدٍ، صديقٍ تداخلت برحيله ملامح الشهادة بين لعنةٍ ووسامٍ..

كان عليك أن تحترف كلَّ ما احترفته من مرحٍ لنفتقدك، كان عليك أن تكون هذا المزيج من الثورة والكلمة والحلم واليقظة فنفتقدك، كان عليك أن تكون على هذا القدر تماماً من الصخب، الوداعة، التواضع، النقاء والإصرار لنفتقدك. كان عليك أن تعرف كلَّ من عرفتهم لتدلّنا إليهم ونفتقدك، كان عليك أن تتركَ في وجهَي طفلتيك كلَّ هذا الشبه، لننظرَ في كلِّ مرّةٍ إليهما ونفتقدك، كان عليك أن تكون واضحاً بقدر ما كنت، لنقف أمام الوجوه المغشاة، وما أكثرها، نغمض أعيننا ونفتقدك..

لا ينصفك أيُّها الصديقُ أن نعدّدَ ونقول إنك فعلت ما فعلت، لكنَّ ذاكرةً وفيَّةً تطمع أن تنصفك.. لا يجوز لنا أن نظنَّ أنّنا نرثيك حين نبحث عمّا نكتبه ولا نجد، وحده عجزنا عن الكتابة يرثيك..

لو عرفك قاتلك أيُّها الصديق، كان سيفرح بقرابةٍ تمنحه إيَّاها دون مقابل، حين تصير “الخال”، كان سيعرف كيف يكون الدفءُ في الغربة حين تمتدُّ جدران بيتك حوله قدر ما شاء، وكان سيبكيك طويلاً لو أنَّ رصاصةً باردةً تسلّلت وأطفأتك.

لم تنجُ، لكنّك لم تسقط كأبطال التراجيديا في المنافي البعيدة، وفضّلت أن تنغرس أقرب ما يكون إلى ذاك التراب الذي أحببت، لتيقظنا من سهونا كلّما نظرنا جنوباً ولاحت شاهدةٌ كُتب عليها اسمك.

يعزّينا أنّنا عرفناك يا “ناجي”، أنّك سقطت مفعماً بالحياة، مبلّلاً بابتسامات مودّعيك ودموعهم، أنّك رُفعت على أكتاف رفاق الحلم والمنفى، وأنَّ لعائلتك ظلَّ شهيد انتزع منهم أمراء الموت ابتسامته، لكنّهم لن ينتزعوا تاريخه من ذاكرة الرفاق قريبهم وبعيدهم.

يعزّينا أنّك ثرتَ ضدَّ الظالم أيّاً كان مشربه، أنك أرَّقت قاتلك ونازلته؛ ظلماً بجرأةٍ، سواداً بحقيقة، وجريمةً بشهادة.

برومو الشهيد ناجي الجرف