ملف

في الحقولِ الرهيفةِ للانعتاقِ

محمد ملاك

في الحقولِ الرهيفةِ للانعتاقِ، نريدُ ألّا ينغّصَ ذاك الصفاءَ علينا أحدٌ، في المدى العميقِ اللصيقِ بحلمٍ حلمناهُ، وقفنا على باب تحقّقهِ برهةً، هنالك، لا نريدُ أن ينغّصَ علينا ذاك الصفاء أحدٌ. حينما تعيق الرصاصةُ في الفمِ ابتساماتنا، ونجهدُ أن تظلَّ دعوةً نرحّبُ عبرها بالأصدقاء الجميلينَ، يرونَ بأنّا لم يصبنا الندم على ما فعلنا، على ما تعبنا، على ما جنينا، على ما حلمنا على ما انتكسنا، على ما أردنا ولم يتحقّق، كثيراً، قليلاً، وأنّا نسامح من خذلونا، ومن آلمونا، ومن أرهقوا أيامنا بالترّهاتِ، وأنّا نقدّر الذينَ أرادوا بالحبِّ أن يمتلكونا، أن يحتوونا، وأن يأكلونا لنصبحَ في نبضهم نغماً، وأنّا طلبنا مراراً أن نكونَ عصافيرَ، أن نكونَ نسيماً عليلاً، أن نكون ورقةً تمرجحها الريح فوق الغصون، فتقبل بكلِّ القناعةِ كلِّ الرضا، قدر الاصفرارِ بطيئاً بطيئاً، كما العمرُ يعبرُ كما العمرُ يقطع فينا بحار الزمان، فينشب في المدى شراعاً، تجعلُ جدوى لتلكَ الرياحِ العتيدةِ، تلك الرياح العنيدة، تصنعُ من قلقها، من تردّدها هدفاً (على قلقٍ كأنَّ الريح تحتي).

حنطة 2832

جمعنا قليلاً من الأصدقاء، كثيراً من المتبرّمينَ، كثيراً من الواقفين، لا يعرفونَ أيحبوننا أم يكرهوننا، يحسدوننا أم ينظرون بإعجابٍ، فكما الجنونُ والعبقرية، يقف الحسدُ والإعجابُ حول شعرتهما.

ليتَ الرصاصةَ أتت لكنّها حذّرتني، لا لأهرب لكن لأنجز شيئاً، تفاصيل، أداعبكم آخرَ دعابةٍ، أرمي آخر تعليقٍ ذكيٍّ، أمنح الوقت بداهةً جديدةً في جوابٍ يفحم الأسئلة، أقترح اسماً لفيلمٍ، اسماً لحزبٍ وإن كان ساخراً، اصطلاحاً، جميلي الشهيد، غادروا الكادر، يا قلب يكفي نزيزاً، جمعنا كثيراً من الكارهين، رسمنا خيوطاً بين مبادئنا والكذب، وسمنا أعداءنا بما اختاروا أن يكونوا، وصفناهم، وتركنا مكاناً صغيراً نوسعه للصفح كركنٍ يستضيف الحياة.

ليت الرصاصةَ حذّرتني لا لأهرب، لكن لأودّعَ “يمّاً” و”إيمي”، أودّع “بشرى”، أودّع كلَّ المحبّين، كان هناك حديثٌ مؤجّلٌ، وددنا لو نقوله سريعاً. كانَ السفر يحجز الكثيرَ من الوداعاتِ، قبلاتٍ على وجناتٍ نشتاقها. فإن لم أسافر وإن غيّرت وجهةَ تذكرتي، كان عليَّ أن آخذ تلك الطعومَ على شفتيَّ أفكر بها في الأبديةِ، حين تنام الأحاديثُ، ويبقى التأمّل.

أقول لنفسي: إنّي حلمتُ وإنّي فرحتُ، وإنّي انتشيتُ من الحلمِ، إنّي فعلتُ ما أردتُ، وإنّي كما اشتهيت متُّ، وإنّي لم أغادر، وإنّي زرعت من الحبِّ والأقحوانِ الكثيرَ، وإنّي تركتُ بذوري تسيرُ على نهر الزمانِ الهوينى.

أعرف أنّ تلك أغانيك فيما أكتب اليوم صوتك من أحاديث قلنا وقلنا فيها الكثير، أردنا حلمنا ذهبنا، وتعلم يا صديقي أنّ الرصاصَ كان قريباً مراراً كثيرة، كانَ قريباً وكان الدويُّ رهيباً، وكنت تقولُ: أخافُ صوتَ الرصاص، أخافُ من الطلقاتِ الغادرة، إنَّها تفاجئُ بالصوتِ، وإنَّ الرصاصة في الرأس تخترقُ الذكرياتِ وتخترق الفكرةَ، تخترق الحيويّة تخترق!!. لكنّها، تطلقُ المكانَ، توقفُ الانتظارَ، وتترك للحلم أن يتمدّدَ أن يتفشّى كعطرٍ ويبقى.

برومو الشهيد ناجي الجرف