ملف

بعيداً عن مراثٍ شاحبة

بلا هالةِ القدّيسينْ، وبدونِ عباراتِ التفخيمْ، ما يجري الحديثُ عنهُ  واحدٌ من بشرٍ عاشوا وغادَرونا، ككثيرينَ مثله، ومازالَ كثيرون يشبهونهُ يعيشونَ معنا .

في الحيرةِ وقد كانْ

حنطة 2830

حائراً كما حيرتنا بين حنينٍ لتواريخَ وأمكنةٍ، ونداءاتِ أمكنةٍ أخرى لم تطأها الأقدامُ سابقاً ، ولكنّ الشبابيكَ المسوَّرةِ بالشوك لم تبقِ نوافذَ للعبور، حيَّرتنا الطرق المغلقةُ طويلاً، بعضنا كانت أمانيه ضوءَ أمله، وبعضنا كانت ضوء حيرته، يصعب دون شكٍّ شطب نصفِ عمرٍ هكذا، إذابة ذكرياتٍ في لحظةِ طلاقٍ للماضي، كان مرتبكاً ككلّنا وحزيناً مثل صنوبرةٍ غادرتْ غابتها قسراً.

في الهجرةِ وقد كانْ

ضائعاً في التفاصيل ، كسقيفةٍ نلقي إليها محفوظاتنا، بعض من جنوب، وبعض من وسط، وبعض من غرب، ومَهاجِرَ بدت كقافلةِ الغجرِ تفتح أبوابها كي لا تغلقها أبداً، تلقي الذاكرة بمراسيها في سهراتٍ تخلط  فواصلَ الأزمنة ، فتثيرُ الابتسام والدموع كأطفالِ الميتمِ في عيدٍ موشَّىً بعطايا الغرباء فقط، كان يمكنه سرقةُ الفرح، تحويل الغصّاتِ إلى مجرّد زفرةٍ شاردةٍ، ثم الانتقال لما يلي، كمستعجلٍ للأزمنة.

في القولِ وقد كانْ

مهرولاً في الكلام، تعوزه الفاصلةُ دوماً، لذلك تقفز الكلماتُ كأرانبَ بيض، فتتزاحم وتلتصق، كنّا نعِي الجمل عبر النظر إلى عينيه، كانت تفسّر أغلبَ المقال. تلك الهرولةُ كانت تشي برؤيته الكامنة، حول الزمنِ وبطلانِ هدره، يتعبنا الاستماع مع محاولاتِ تقطيع جُملِهِ، هو لا يأبه لنا، فلديه وقتٌ غير كافٍ دوماً ليرمينا بهواجسهِ، كان يتعبنا مرّتينْ حين نتلقّى جملهُ الملتصقة، وحين نعاود تقليبها بعد مُدّة.

ولَهُ وقد كانْ

غيرَ منصفٍ مع ذاته، نموذجاً للتأجيل حين يتعلّق الأمر به، لا أعرف إن كان قد اكتشف ذلك الخيطَ السحريَّ بين نحنُ وأنا، كان يحاول بلا شكٍّ، ربما اقترب عدّة خطواتٍ من ذلك، قلقه يعني أنّ المسافة لم تكن بعيدةً، القلقون وحدهمْ من يخيفهم الإنجاز، هم توَّاقون لخيطِ السباقِ الأخير، ومقتنعون أنَّه بداية الذي يلي، ولكنَّ الحلمَ حين يركض أمامنا يُبقينا على التنفّسِ الهادرِ، أسراهُ وتابعيه وحُماتهُ.

وفي التعلُّم وقد كانْ

كأبناءِ جيله، لا تكفيه الكلماتُ غراسَ ثِقة. هناك دروسُ الاختباراتِ الطويلةِ، والتفتيشُ خلف حسن النوايا عن فعلٍ، الأخطاءُ ليست كارثةً توْجبُ اللومْ، القُعادُ باستكانةٍ بلهاءَ هو ما ينصبُّ عليهِ اللومْ، وليس من تعلُّمٍ ممكنٍ دون تذوُّقِ الخطأ مرّاتٍ ومراتْ، حتى نتقنَ طعْمهُ ونعيدَ تركيب مكوّناته لينقلبَ ضدَّهُ، هكذا قال لي من أربكتْهم الأخطاءْ، ولكن مكاشفتهم لَهُ غيَّرت حيرتهم لحظةَ أعادوا اكتشافها كتجربةٍ.

ثمّ كانْ

صبيّاً مغامراً لا تعوزهُ الجرأة ولا التهوّرُ، قدريٌّ في مزاجِ الإيمانْ، اعتاد التعثُّر والقيام كمتسلّقِ جبالٍ بأدواتٍ بسيطة، تخذِله الحبالُ حيناً، والرفقةُ أخرى. مع ذلك لم تشأْ أقدامه هجْرَ خطواتها، وحدهمْ عشاق الأسرِّة الدافئةِ يقضون العمرَ بأمانٍ وترهّلٍ بائسْ، كان يرثيهم كلَّ مرّةٍ ويتمنّى لهم حظّاً مختلفاً، لكنه ظلَّ على رؤيته: “مغادرةُ الحفرة إلى هواءٍ نقيٍّ ليستْ ممكنةً بلا ارتفاعْ”.

وآخراً كانْ

كاذباً، في ليلتهِ الأخيرةِ قال لي: لن تطولَ الغيبةُ سأعود في الربيعِ المقبلِ!!

في عصرِ اليومِ التالي أيقنتُ أنّها كِذبتهُ الأولى والأخيرة.

برومو الشهيد ناجي الجرف