حصيدة

وأحاربهم.. بفرحي

بل هو لقاء

في اليوم الأربعين على استشهاد ناجي الجرف، أحيا حضورَه الأهلُ والأصدقاء والزملاء، عبر حفلٍ نظّمه تيار “مواطنة” في قاعة “بيتنا سورية” في مدينة غازي عينتاب التركية ، وذلك يوم السبت 6\1\2016.

أعدّ برنامج الحفل وقدمه كلٌّ من الأستاذ مروان عبد الرزاق، والأستاذة منى فريج، ورافق الحفل عزف للأستاذ علاء الزيات على العود.

تضمّن الحفل عرضاً لفيلم قصير عن الشهيد من إعداد زملائه، وضمّنوه لمحةً عامةً عن حياته وعلاقته بالثورة السورية، ووجّهوا من خلاله رسائلهم التي تعِدُ بالوفاء لمبادئ الحياة والكرامة، وتصرّ على أنّ الثورة مستمرةٌ بروح حاضريها وغائبيها.

وهنا مختاراتٌ من بعض الكلمات التي ألقيت، وفقرات التقديم التي شكّلت فرصةً لمخاطبة ناجي وللقائه، ووعداً بأن لا يغيب الفرح، وأن لا تنتصر ثقافة الموت على حالنا السوريّ.

بعضٌ من فقرات التقديم:

مساء الخير، نرحّب بكم جميعاً، لنحتفل معاً بشهدائنا الذين ضحوا بأرواحهم من أجل انتصار ثورتنا، ثورة الحرية والكرامة.

الشهيد ناجي الجرف، ليس أوّل الشهداء في ثورتنا السورية، ولن يكون الأخير. أصبح تعداد الشهداء من عاداتنا اليومية! نودّع شهداءنا، وننتظر من يودّعنا. السياسة فرّقتنا, وأرواح الشهداء تجمعنا.

أيها الناجي.. سلاماً.

جئناك لنقول لك، انهض ولو قليلاً، لنتصافحَ كما عوّدتنا، ولتنثر ابتسامتك الدفء فينا كل صباح.

أيها الناجي.. سلامأ.

صرخت يم وإميسّا: ماما.. انظري، صعد نجمٌ إلى السماء.

قالت فاطمة وخالد: ماما.. نجمةٌ جديدةٌ صعدت إلى السماء، وهذه نجمة ثالثةٌ.. ورابعةٌ.. وخامسة، أصبحوا آلاف النجمات، همست ماريا: ماما.. نجمة الصبح لم تعد تغادر السماء.

رفع الأطفال أيديهم إلى السماء: آه يا بابا، ليتك تكلّمنا ولو في الحلم، يكفينا.

أيها الناجي.. سلاماً.

كم كنت تكره الأماكن الضيقة، وتكره الرقص على الحبال المتأرجحة، كنت الواسع كالبحر، وروحك حمامةٌ برّية تحلّق في السماوات العلا، تهرب من الأقفاص، وتعشق الحرية. كنت ثوريّاً نبيلاً، وطنيّاً بامتياز، تحلم بوطنٍ حرّ، والكل فيه متساوون، فكنت مع من يشاطرونك الحلم والروح والأمل، أيها الناجي سلاماً، أيها البعيد كغيمة، والقريب كشهقة مطر، كم كانت خطواتك تعشقها الأرصفة، وحديثك الحلو يحيي الأمكنة. هنا فنجانٌ برسم ابتسامتك، ودخان السجائر معلّقٌ على ستائر المنتدى. كلُّ شيءٍ يشتاق ضحكتك، وقلوب الحاضرين كلها شاهدة.

كلمة رفيقة وزوجة الشهيد بشرى قشمر، ألقتها السيدة د.تهامة معروف:

IMG_8845

يا رفيق الصباح والمساء والأوقات القاسية، لم تتوقف روحي لحظةً عن الارتجاف، ولن أتوقّف عن الابتسام لكل تجلّياتك، ولم تتوقف أنت عن الغناء لكلّ الأحبة، لم تخذلك سوريّتكَ، ولم يخذلك الوفاء.

أتعلم؟ لا أفهم حتى الآن كيف استطعت أن تضحكنا جميعاً عندما كنت غارقاً في الحمّى، من أين يأتي كلّ هذا الجمال؟ من علّمك الفرح؟ دُلّني.. وكيف لا تفعل؟ وأنت نقطة الضوءِ التي أتبعها وسطَ هذا السواد؟ بالأخضر كفنّاك يا ناجي، بالأبيض كفّناك، لن يقتلني الحزن إذاً فأنت سلامي.

عمت مساءً يا ناجي.. وصباحك أنوارٌ دائماً يا أجمل الشهداء.

مازلت سورياً من سلمية، مارست فقط سوريتي وبكلِّ ما أوتيت من نفس، رفعت صوتي بنشيد الحمويّ الملحّن على عنين الناعورة، ونشيد الحمصيّ المضبوط على عقرب الساعة القديمة

كلمة منتدى غازي عنتاب الثقافي ألقاها الأستاذ محمود الوهب

وعيٌ عميق وسلوكٌ متميّز

جئت إلى غازي عينتاب في وقتٍ متأخّر، وعبر دار النشر ومكتبتي الصغيرة التي افتتحتهما، رحت أتعرّف على المثقفين من خلال ما يقتنونه من كتبٍ أو ما يسألون عنه، أو عن شروط النشر. كان ناجي الجرف يهتمّ بالكتب الفكريّة التي تُعنى بالبحث فيما يخص سورية ماضياً وحاضراً، مجتمعاً وسياسةً وثقافة، همُّه المعرفة الأعمق والأصدق. كان ينتقي من الكتب ويهمس مع ابتسامةٍ راقيةٍ مشرقة: “شكراً لك أن سددت هذا الفراغ الذي كنا نحتاجه..”.

حين أنشأت المنتدى الثقافي بالتعاون مع عددٍ من الأصدقاء المثقفين، كان ناجي الجرف واحداً من أوائل المستضافين ليتحدث باستفاضةٍ عن دور “صحافة المواطن” وأهميّتها وأبعادها، تلك الصحافة التي نمت وترعرعت في ظلّ الثورة السورية، وامتلاك جيل الشباب لناصية التكنولوجيا الحديثة.

لتنعم روحك بالخلود يا ناجي، وستبقى تلك الشمعة التي أنرتَها تتوهّج في وجه القتلة، متحديةً ظلم الظلاميين وأنفاقهم المعتمة.

مازال الحب يملكني يا أمي، جاهدت ضده طويلاً لكنه صرعني، مازال بريق عيونهم في تلك المظاهرات

يملأ رئتي بالكثير من الأمل

كلمة تيار مواطنة

رغم أن الموت بات على ناصية العمر للسوريين جميعاً، إلاّ أنه ينغرز في كلّ مرةٍ كنصلٍ باردٍ غادرٍ في أعماق القلب، ويرمينا عراةً من دفء الأحبّة، بلا أملٍ أو عزاء. كذلك كانت تلك الطلقة الغشيمة الغادرة منذ أربعين يوماً، وكأنما أصابتنا وأحرقت ركناً واسعاً من أرواحنا جميعاً، بلا أملٍ ولو ببقيّةٍ عابرةٍ من ضحكة قلبك التي لم تنطفئ يوماً، تلك الضحكة التي كانت تغمر بمودّتها وحنوّها حتى المارة والعابرين.

وككل الشهداء كانت وصيتكم الأخيرة هي عمركم كلّه، والحلم الذي يوقده رحيلكم أبداً، وغيابكم نجومٌ شاهقةٌ في سماء البلاد، وسطراً طاهراً في كتاب الكلمة الحرّة التي كنتم شهداءها الأبطال.

قد لا يعرف الجميع سلميّة التي أنجبتك سورياً أصيلاً، وعاشقاً للضوء والحرية والإنسان، لكن مدينة الحالمين والشعراء أورثتك البساطة العميقة الجميلة لناسها، والحنوّ الشاهق لقلعة شميميس، والنقاوة الآسرة للبلعاس.

ناجي الثائر، ناجي الصحفي، ناجي صاحب الهمّ السياسي، ناجي الابن والزوج والأب والصديق، كلّها ترانيم قوس القزح لناجي الإنسان، السوريّ الذي حمل الراية منذ اللحظة الأولى لثورة الحرية والكرامة مع كل الشباب السوريّ الثائر، حملها بحبٍ وشغفٍ واندفاع، وقد كانت تلك الطلقة الفاجرة أبلغ تعبيرٍ عن المدى الذي ذهب فيه ناجي بإيمانه وإخلاصه لثورة شعبه.

وعندما نرثيه اليوم، وفي كلِّ يوم،  لسنا نرثي الإنسان فيه فحسب، بل بعضاً من سطور الكلمة الحرةّ التي تحاول كل قوى الاستبداد والطغيان والظلام أن ترجمها برصاصةٍ أو سكينٍ أو حجر.

طوبى لك يا ناجي شهيداّ جميلاّ، وطوبى لكلِّ من لامس قلبك وضحكتك الحنونة، والسلام لروحك ولمحبّيك الصبر على الوجع، طوبى لكل شهداء الثورة السورية، ولسورية الحرية والمجد والكرامة.

وأغتال اليأس حيناً لأعتني بالأمل أحياناً

كلمة الأستاذ زكريا الصقّال

أذكرُ أنّها ثورةٌ، والمساحات تغلي وتفرز وتعطي، وكنت أنتَ عطاء، وهذا ما قرّبنا وجمعنا وجمّر مجالسنا. أيّة حيوية فيك تجعلك قريباً ومحبّباً. سمعت عن الظلِّ الخفيف، الظلّ الذي يحيطك بسياجٍ تحبه، تفضّله، لا تمل منه على صمته، لكن لعينيه شرودٌ ومساحاتٌ لشيءٍ لا يُدرك من البُعد والتوغّل والصفاء المضني المتعب، نعم متعبٌ وكلٌّ صفاءٍ متعبٌ لأنه يحمل قلق تفجُّرِهِ.

اغتيل ناجي، اغتيل الفرح، وشردت عيون الأصدقاء، لا تعي جواباً لأسئلتي القلقة المفجوعة، وغيّمت سماءٌ من الحزن وأشرقت بالنحيب. لم يكن بكاءً لفقدك فقط، كنت أبكي الطريق والرحلة والهمسة الدافئة، ووشوشاتٍ حالمة، والكلمة القصيرة المفعمة من مسند ظهرك الذي لم يُسند، وأنت جميلٌ جميلٌ جميل، وقاسٍ اغتيالك يا ناجي، طعنةٌ بالطريق الذي لم نخمّن ولسنا بواقع التخمين، أهو طويلٌ طريقنا، أم باغتيالك يطول، استكثروا بسمتك وعطاءك فاغتالوك، نم يا صديقي نحن على الطريق.

قصيدة الشاعر عبد المجيد فريج

ألقتها الأستاذة منى فريج

لأنّك لم تمت ما زلت حياً           كأنّك بيننا نبكي سويّا

نقاتل كلَّ من راموا فسادا            وما تركوا لنا فجراً نديّا

حضنت الموت مقتبِلاً ضحوكاً      كأنّك ما حسبت الموت شيّا

أتتك قوافل الأحداقِ فينا            تصبُّ الدمعَ شلّالاً قويّا

ليروي كلُّ شبرٍ في بلادي            يضمُّ بقلبه قلباً نقيّا

نكرت حياة ذلٍّ بات فيها             خسيسُ القوم مفضالاً نبيّا

فلا رقدت على الإذلال عينٌ         ولا نالت قلوبُ الشرِّ ريّا

فما عاش الكرام بأرض عزٍّ          وبينهم نرى طفلاً شقيّا

ألا يا أيها التاريخ سجّل             سأبقى رغم أنف الخبث حيّا

وأنفثُ من رماد الروح ناراً           على من جاء جباراً عصيّا

سأرجع والفرات ليَ ابتسامٌ           على شطّيه تلحظهُ جليّا.

إيماني بالثورة أهمُّ من أي رمز، الثورة هي التي تصنع الرموز، الرموز لم تصنع ثورةً يوما

IMG_8967

ومن بين الكلمات التي رافقت الحفل كلمة السيد عمر الجرف عن أسرة الشهيد ألقاها الأستاذ ربيع الرواي، وكلمة الأستاذ محمد ملاك، وكلمة للدكتور علاء الزيات، وتضمن الحفل أيضاً كلمةً صوتيةً من الإعلامي علي سفر، وكلمةً صوتيةً من تنسيقية مدينة سلمية.

لم يغب ذكر الوطن في الحفل، في المنفى، إذ كان لنشيد “موطني” موقع الخاتمة من الحفل، ولو أنّ الإنشاد كان بكاءً ونداءاً لمن غابوا.

ناجي الجرف، كنت تردد دائماً: “سأحاربهم بحلمي وأملي.. وقلمي”

وكان حلمك الحريّة كما هو حلمنا جميعاً، لكن قلمك كان أقوى من صوت الرصاص، وصوتك كان قيثارةً يعزف عليها الجميع، وبرحيلك حاربتهم.

برومو الشهيد ناجي الجرف