متابعات يومية

نشطاء الثورة السورية في تركيا عرضة للاعتقال والاغتيال، فمن هو التالي؟

عماد نجم حسو

كانت تركيا هي الوجهة الأولى التي شكّلت ملاذاً آمناً  للكثيرين من نشطاء الثورة السورية، ومركزاً لنشاط المعارضة السياسيّة منذ بدايات الثورة السورية, إذ لعب الموقف التركي الداعم للثورة آنذاك دوراً هامّاً في جعل تركيا قاعدةً للمنظمات الإنسانيّة والوكالات الإعلامية والصحفيين الذين اتخذوا منها ممراً للدخول إلى الأجزاء المحررة من سورية, فضلاً عن لجوء أكثر من مليوني سوريٍّ على الأقل إليها بحسب ما أوردت دراساتٌ رسميةٌ تركية؛ وبالتالي تحوّلِها إلى أكبر حاضنةٍ للسوريين في بلاد الجوار أو الاغتراب على حدٍّ سواء, ومركزٍ لعمليات النشطاء السوريين الذين استفادوا من القرب الجغرافي بين البلدين، فعملوا على التنقل الدائم بين نشاطهم وأعمالهم في الداخل السوري، وبين مسكن ذويهم ومكاتب المنظمات والوكالات التي يعملون لصالحها.

لم تعد تركيا اليوم ذاك البلد الذي يؤمّن الحماية للناشطين السوريين، فقد تحوّلت مدنها إلى ساحاتٍ لتنفيذ عمليات الاغتيال بحقهم, وأيقن الناشطون بأن شبح الموت بات يلاحقهم في كلّ المدن التركية, بالإضافة إلى الاعتقالات التي نفذتها السلطات التركية مؤخراً لبعض العاملين في مجال الإعلام.

في ال29 من أغسطس للعام 2011 اختفى الضابط السوريّ المنشق المقدم حسين الهرموش على الأراضي التركية؛ إذ كان يقوم من هناك بإدارة عمليات لواء الضباط الأحرار, حينها تمّ طرح أكثر من سيناريو لاختفائه، إلا أن السلطات التركية قدمت فيما بعد وحسب صحيفة” تايم تورك ” بأن رجلاً سابقاً في المخابرات التركية يدعى”أندور سيغرغيك أوغلو” هو من كان وراء اختطاف الهرموش، وتسليمه للنظام السوري بعدها, على الرغم من الصدمة الكبيرة التي شكّلها اختطاف الهرموش، إلا أن كشف ملابسات هذه الحادثة وعدم تكرّرها خلق نوعاً من الاستقرار والراحة لنشطاء الثورة المتواجدين على الأراضي التركية.

ال30 من أكتوبر للعام 2015  كان تاريخاً مفصلياً للسوريين في تركيا, إذ تعرّض الناشطان “إبراهيم عبد القادر” و”فارس الحمادي” وهما عضوان في حملة “الرقة تذبح بصمت” إلى عملية اغتيالٍ في شقتهما الكائنة في مدينة أورفا التركية، وقد تبنّى عملية الاغتيال “تنظيم الدولة الإسلامية” نسبةً لتغريدات بعض عناصره على”توتير”, الأمر الذي شكّل صدمةً كبرى لكلِّ من يعيش على الأراضي التركية من الناشطين, فنجاح التنظيم في تنفيذ عملية الاغتيال في الداخل التركي ترك الكثير من الاستفسارات والمدلولات على مدى استطاعة عناصر التنظيم تنفيذَ عملياتهم هناك.

إذاً فقد أصبحت تركيا ملعباً مفتوحاً لشبكات تنظيم الدولة الإسلامية وعناصرها, عزز ذلك التهديد الذي تلقاه الصحفي السوري “ناجي الجرف” مخرج فيلم “داعش في حلب”, ومن ثم قيام التنظيم بتنفيذ هذا التهديد في ال27من ديسمبر للعام 2015 قبل يوم واحدٍ من سفره إلى فرنسا, إذ تعرض ناجي للاغتيال في النهار بمسدسٍ مزودٍ بكاتم صوت أمام مبنى “الأوغور بلازا” وسط عنتاب, كذلك اغتيال الإعلاميّ الشيخ “زاهر الشرقاط” في العاشر من شهر إبريل الفائت بنفس الطريقة.

Naji & sherqat

لذلك ليس من المبالغة في شيء القول بأنّ المدن التركيّة باتت مرتعاً لعناصر “تنظيم الدولة الإسلامية” إذ اتضح نجاح التنظيم في تنفيذ عمليات الاغتيال على مستوى الدقة والتنظيم والتواجد بقوةٍ على الأراضي التركية، وإمكانية التحرّك والتخطيط؛ وبالتالي القدرة على الوصول إلى أيّ شخصٍ يعتبره التنظيم هدفاً له, وبذلك بات شبح الاغتيالات يلاحق كل من يقف في وجه أفكار هذا التنظيم، ليس فقط في المناطق التي يسيطر عليها من سورية، إنما وفي المدن التركية أيضا, يرافق ذلك تكتّمٌ على الجهات التي تقف وراء هذه الاغتيالات من قبل السلطات التركية, إذ لم يتم الكشف بعد عن تفاصيل الأشخاص الذين يقفون وراء عمليات الاغتيال هذه.

ومطالعةً لوجهٍ آخر من هذه المسألة شهدنا بدء الاعتقالات لبعض الناشطين العاملين في مجال الإعلام، والمفاجئ في ذلك تعرّضهم للاعتقال من قِبل السلطات التركية دون توجيه اتهاماتٍ واضحة, والملفت للانتباه أن كلّ من تعرّض للاعتقال هم من الإعلاميين الذين حضروا الاجتماع الذي أجراه الرئيس التركي طيب رجب أردوغان في ال23 من يناير الماضي، مع مجموعةٍ من الناشطين العاملين في مجال الإعلام، بهدف مناقشة الصعوبات التي يواجهها الصحفيون خلال عملهم، ورؤيتهم لتطوير هذا العمل، كما بيّن بعض الصحفيين الذين حضروا الاجتماع يومها. ومازال الغموض والتساؤلات يلفان الرابط بين اجتماع الرئاسة التركية بالناشطين، واعتقال كلّ من حضر منهم عند مراجعة أية مؤسسةٍ رسميّةٍ في البلاد حتى وقتنا هذا! إذ تمتنع السلطات التركية عن تقديم أية مبرراتٍ أو تفسيراتٍ لما يحدث!

ar

أربعة صحفيين ممن حضروا هذا الاجتماع تعرضوا للاعتقال من قبل قوات الأمن التركية كان آخرهم “عبد السلام حاج بكري”، الصحفي الذي يعمل مراسلاً لموقعي “الجزيرة نت” و”زمان الوصل” والمعروف باسم “عمر أبو خليل”, إذ تعرّض حاج بكري للاعتقال في ال21 من مارس لدى مراجعته مديرية الهجرة في مدينة عنتاب، نقلاً عن زوجته بحسب ما أوردت “الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان”, كما لم يتم توجيه أية تهمةٍ واضحةٍ له، إذ بقي محتجزاً لمدة 22 يوماً في مركز “شعبة الأجانب” ليفرج عنه بعدها.

اعتقالاتٌ ضبابيّة التهم وبأسبابٍ غير مفهومةٍ من قِبل السلطات، واغتيالاتٌ بهدف الانتقام وإسكات صوت الحرية من قبل “تنظيم الدولة الإسلامية” الذي استطاع اختراق الإجراءات الأمنية التركية بوضوحٍ شديدٍ حتى الآن. لقد أصبح الترقّب هاجساً يعيشه الناشطون فيما يظهر على وجوههم سؤالهم اليوميّ “من هو التالي؟”.

برومو الشهيد ناجي الجرف