جرن حنطة

ماذا عن غياب الديمقراطية

 

John-Stuart-Mill
الفيلسوف جون ستيوارت ميل

جمال الجميلي

إلى الروح الحرة التي كان جوهرها الحرية، وهمُّها الديمقراطية، روح ناجي التي لن ننساها.

إشارات نظرية أوليّة:

إشارة أولى: لا يمكن الحديث عن تطور النظرية الديمقراطية، دون متابعتها في الواقع السياسي والاجتماعي، وعبر الجدل والصراع  بين الفكر والواقع، من خلال تاريخٍ من الصراعات والكفاح من أجل تعميم حق الاقتراع، في صراع ونضال الطبقة الوسطى ضد امتيازات الأرستقراطية في أوربا القرن الثامن عشر، واستمرار هذا النضال عبر النقابات واتحادات العمال ضد البرجوازية.

إشارة ثانية: واكب تطور النظرية الديمقراطية، تطور النظرية الليبرالية، التي خاضت صراعاً مع القوى المحافظة والأرستقراطية، بالدفاع عن الحيّز الخاص للفرد من حرية اعتقادٍ وتعبير، واستقلال القضاء وفصل السلطات، وهي قيمٌ رفضتها القوى الديمقراطية، والتي اعتبرت أن حكم الأغلبية وقيم حق الاقتراع فقط هي الأساس في العملية الديمقراطية.

إشارة ثالثة: نستنتج أن النظريتان الديمقراطية والليبرالية، خاضتا صراعاً مستقلاً بدايةً مع القوى المحافظة  ومع بعضهما، من خلال النضال والممارسة، وعبر ديناميكياتٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ وفكريةٍ أنتجت مُركّباً من النظرية الديمقراطية الليبرالية، ويتبيّن للدارس والمتابع أن النظرية الديمقراطية الليبرالية في تقدّمٍ وتطوّرٍ مستمرين من خلال الممارسة والسلطة والعمل، لكن هناك قيماً وعناصر أولية وأساسية فيها، تتطور لكن لا تُلغى، مثل حق الاقتراع لكل مواطن، فصل السلطات، الحقوق الليبرالية للمواطن، كحق الحرية وحق الملكية.. إلخ، وهذا التطور يتم من خلال تعميق الثقافة الديمقراطية بالحوار والنقاش والممارسة والتجربة.

نبذة عن الأسس الفلسفية للديمقراطية: لن أعود إلى التاريخ الفلسفي اليوناني القديم، أو القروسطي  أو عصر النهضة للحديث عن جذور الديمقراطية وينابيعها وروافدها، لأن ورقتي ليست الغاية منها البحث الفلسفي في تاريخية الفكرة الديمقراطية، إذ سأكتفي بتقديم لمحةٍ من بدايات القرن العشرين، مع معلميّ الديمقراطية الكبار،  (جون ستيورات ميل)، و(جون ديوي)، و(كارل بوبر).

تقوم الفكرة الديمقراطية عند ستيورات ميل على مفهوم المنفعة العامة، القائل أن الأفعال هي خيرٌ بقدر ما تعزز السعادة لدى الفرد والمجتمع، أما بوبر فقد دفع بصيغةٍ جديدةٍ لمذهب المنفعة العامة هي عبارةٌ عن إضافةٍ لا نقصٍ له، وأطلق على هذه الصيغة “مذهب المنفعة السلبي” القائل: (إننا لا نعرف كيف نجعل الناس سعداء، لكننا نعرف جيداً وسائل لتقليل شقائهم ..)، وذهب الفيلسوف جون ديوى مؤكداً على حق الاقتراع العام، والانتخابات المتكررة.. إلخ، على أنها (وسائل ثبت نفعها في تجسيم الديمقراطية لطريقةٍ إنسانيةٍ حقّةٍ للعيش)، لكنها وسائل وليست غايات، لذلك علينا ألا نستبدل الوسائل ونجعلها غايات، فالشكل السياسي ليس غايةً في ذاته، بل هو وسيلةٌ للارتقاء بالشخصية الإنسانية التي هي الغاية.

في الحقيقة قدمتُ هذه المقتطفات الفلسفية الحديثة، حتى أشيرَ إلى الأساس الفلسفي للمفهوم الديمقراطي الليبرالي، وأؤكد على الحاجة إلى تأسيسٍ فكريٍ وفلسفيٍ لآليات العمل السياسي الديمقراطي، والتي من شأنها أن تجعل المجتمع قادراً على حلِّ أغلب مشكلاته، وتصحيح أخطائه دون عنفٍ ودماء، ولكنها بالطبع ليست الوصفة السحرية لقيام مجتمعٍ نموذجيٍ مثاليٍّ خالٍ من كل المشاكل والآلام، بل أثبتت التجربة أن النظام الديمقراطي هو من أنجع النظم في التأسيس لعمرانٍ اجتماعيٍ سياسيٍ سائدٍ وناجحٍ على كافّة الأصعدة والميادين، وهو نظامٌ قابلٌ للتطوير والتعديل والنموّ من خلال الممارسة، لكن بالطبع الديمقراطية بحاجةٍ إلى مناخٍ لتنمو من داخلها جوهرتها “الحرية”، والحرية لا يمكن الحصول عليها دفعةً واحدة، والديمقراطية كنظام هي الطريق للوصول إلى الحرية.

ويبقى السؤال لماذا نتحدث عن الديمقراطية الآن، ويتردد لفظها كثيراً، ويتفاخر الفرد أو الحزب أو التيار أنه ديمقراطيّ، أعتقد لأن الحاجة لها بدت واضحةً للعيان، وأن مسألة الديمقراطية وغيابها لعقودٍ طويلة، أصابنا بالضعف والهزال والمرض، وإننا في ما حدث سابقاً وما يحدث الآن في مجتمعاتنا على كافة المستويات والأصعدة كنا منفعلين غير فاعلين.

إن تسليط الضوء على مجتمعاتنا وأنظمتنا وأحزابنا ومعارضتنا وثورتنا والثقافة السائدة وطرائق حياتنا وأساليب تفكيرنا، تجعلنا نشعر بمسيس الحاجة للنظام الديمقراطي على كافة مستويات حياتنا وفي كل الميادين التعليمية والقانونية..إلخ، فالديمقراطية رؤيةٌ ومنهجٌ وطريقةٌ ونظام، تتكامل فيه العناصر والعوامل، لبناء الفرد والمجتمع والدولة.

لقد اعتمدت الأنظمة والأحزاب الشمولية  والعقائدية في السلطة والمعارضة، على توجيه الناس إلى أن هنالك قضايا لها الأولوية، وأكثر إلحاحاً من المسألة الديمقراطية، ومن الأمثلة على ذلك (الهجمة الصهيونية  الأمريكية وواجب التصدي لها الآن، وكذلك الهجمة على الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية من الغرب، وفرض الدفاع عن الدين والإسلام، كما أن الديمقراطية مفهومٌ غربيٌّ وهو يناسب الدول والمجتمعات الأوربية، والسعي إلى أسلمة مفهوم الديمقراطية..)، وتم حصر المفهوم بشعوبٍ دون أخرى، والغرض من هذا كلّه كان استمرار حالة التسلّط لدى البعض وحالة الطوارئ لدى الأنظمة، والحفاظ على التردي والضعف والفساد الاجتماعي والتعليمي والقانوني، والمزيد من الهوان والمذلّة.

مع العلم أن الديمقراطية هي القضية التي تسمح بحلّ كل القضايا, والتخفيف من المساوئ وتصحيح الأخطاء والأفكار في كل الميادين والمنظومات.

نحن والديمقراطية: عرف المجتمع العربي عموماً والسوري تحديداً، مثقفين وسياسيين قوميين ويساريين يتماثلون مع أنظمةٍ دكتاتوريةٍ واستبدادية، وقد ناصبوا الديمقراطية الليبرالية العداء، على اعتبار أنها تمثل الإمبريالية وحكم رأس المال والبرجوازيات الجشعة المتمثلة بالشركات الكبرى، أو كما قال لينين (البرلمانات غرفٌ للثرثرة)، والصحافة خداعٌ وتضليل، وحقوق الإنسان كذبةٌ كبيرةٌ، والمؤامرة الْإمبريالية مستمرةٌ ودائمة. ومازال البعض منهم حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي متمسكاً بموقفه من الديمقراطية الليبرالية، ومازال القوميون يعتقدون بالمؤامرة على العروبة والعرب، فهو موقفٌ أيديولوجيٌ عقائدي من النظم السياسية والاجتماعية، يمتاز بعقلٍ سكونيٍّ مغلق. والبعض الآخر من المثقفين والمعارضين، انتقل مباشرةً إلى تبنّي الديمقراطية الليبرالية شعاراً وعنواناً رائجاً لمرحلةٍ سياسيةٍ جديدة، تعينه على الاستمرار وربما الوصول إلى السلطة، دون أية مراجعةٍ صادقةٍ وحقيقيةٍ لوضعه ورؤيته وأفكاره السابقة.

لقد كانت الانتفاضة الثورية لحظة (قياس حرجٍ) للأحزاب والقوى الديمقراطية والعلمانية، والتي أثبتت الثورة السورية ضعفها وهشاشة بنيانها التنظيمي.

أولاً: لم تستطع هذه الأحزاب والقوى الديمقراطية والتكتلات السياسية السابقة تقديم بديلٍ سياسيٍّ ديمقراطيٍّ ليبرالي، يتضمن برنامجاً لقيادة الثورة والوصول إلى السلطة.

ثانياً: لم تتمكن من إدارة كوادرها وأحزابها، وبدأت انقسامات جديدة، وفوضى سياسية وتنظيمية.

ثالثاً: أخفقت في إقامة تحالفاتٍ وائتلافاتٍ ناجحة، وتداول السلطة بين مكونات الائتلافات التي أقامتها، حيث خضع مبدأ التداول للتبعيّة والولاء الشخصي لفردٍ أو جماعةٍ أو مناطقيةٍ أو طائفيةٍ مستترة، وبتقديري أن السبب في ذلك يعود إلى أن الخيار الديمقراطي الليبرالي، لم يكن مطروحاً بشكلٍ جديّ كبديلٍ عن النظام الأسدي، كما أن ضعف تمثّلها للنظرية الديمقراطية الليبرالية على مستوى القيادة والقواعد ساهم أيضاً في عدم قدرتها على طرح نفسها وبرنامجها للداخل والغرب.

لقد استطاعت الحركات القومية الفاشية مثل البعثية، نسف كل المرحلة السابقة المتمثلة بحالةٍ ديمقراطيةٍ وطنيةٍ بدأت تتلمس نفسها وتحبو ببطءٍ باتجاه الديمقراطية في الخمسينيات، وبقيت الثقافة الديمقراطية الليبرالية محصورةً في نُخبٍ أو أفرادٍ قلائل، لا يؤمنون بالعمل السياسي وبعيدين عن الشأن العام.

إن القوى السياسية اليسارية والقومية والإسلامية التي كانت تناهض الفاشية البعثية، لم تكن أيضاً قوى ديمقراطية، فلا الأنظمة كانت ديمقراطية، ولا المعارضات التي كانت تناهضها كانت ديمقراطية نظراً وعملاً، والأغرب أن هذه المعارضات القومية واليسارية والليبرالية المستحدثة، تريد محاسبة النظام على طغيانه واستبداده ورفضه للديمقراطية، وهي أي المعارضة غير ديمقراطية ولم تقدم البديل السياسي الديمقراطي الليبرالي للآن، لذلك لم يستطيعوا حشد الناس وراءهم، وكذلك لم يُقنعوا الغرب بتمثيلهم السياسي للشعب. أما الإسلام السياسي المتمثل بتشكيله الإخواني، والذي يتعامل مع الديمقراطية من خلال الوعظ والدعوة للديمقراطية من غير ديمقراطيين، محاولاً تقديم نفسه للغرب بكلِّ سذاجةٍ على أنه البديل الديمقراطي المقبول من الناس، وقد أثبتت تجربة مصر أنهم غير مقبولين، وأنهم غير قادرين على إدارة البلاد وفق نظامٍ ديمقراطيٍ يؤمن بالمساواة بين المواطنين على كافّة الأصعدة والميادين، وكذلك تجربة جبهة الإنقاذ في الجزائر. وإن انتقلنا إلى سورية لوجدنا أن الأخوان المسلمين في سورية وكثيرٌ من الأحزاب الهجينة والمطعّمة، لا تشكّل الديمقراطية همها ولا تندرج في برنامجها، فما هي إلا وسيلةٌ للوصول إلى غايةٍ هي السلطة، وهم ضامنون لذلك من خلال انعدام الثقافة الديمقراطية، لدى مجتمعٍ تغيب عنه كل محاسن وفضائل الديمقراطية، مجتمعٍ دفع في الثورة كلفةً بشريةً هائلة، وهو يريد وقف هذا الاستنزاف الإنسانيّ والبشري.

في الحديث عن المشروع الديمقراطي: قبل الحديث عن المعوقات لقيام مشروعٍ ليبراليٍّ ديمقراطي، لابد أن يكون هناك مشروعٌ ليبرالي تحمله قوى منظمةٌ فكريةٌ وسياسيةٌ واقتصادية. عندما يكون مثل هذا المشروع قائماً، ويقدم برنامجاً عملياً للتواصل مع الناس والقوى الشعبية المتنوعة، لا أعتقد أنه سيُجابَه بعداءٍ من الثقافة الشعبية، لأن الأمر يتعلق بحق الفرد والمواطن في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتوسيعها، وحمايته من تعسف السلطة والدفاع عن حقوقه، إنما سيواجه عداءً من النخب العسكرية والأجهزة الأمنية والمشيخية، والتي ستعمل على إجهاض المشروع الديمقراطي على كافة المستويات، وسيكون النضال الحقيقي للديمقراطيين في تعميق الثقافة الديمقراطية في الأوساط الشعبية، والاستناد إليها في الدفاع عن الفكر الديمقراطي والمشروع السياسي، وقد يشكل الدين عائقاً قوياً في محاولة تعميق الثقافة الشعبية الديمقراطية، ولكن على الديمقراطيين أن يفرقوا بين الدين المجرّد والمقدّس والخارج عن سياقه التاريخي، وبين التديّن كممارسةٍ أخلاقيةٍ ونشاطٍ اجتماعي للفرد، مثل الصوم وعيد الفطر وما شابه. لكن الخطورة تكمن في استغلال التدين سياسياً من قبل الإسلام السياسي، عندما  تقوم تيارات الإسلام السياسي بحمل لواء الأصولية والعودة بالوعي إلى السلف، ولحظةٍ في الماضي ترسم مستقبل شعبٍ وإدارة بلدٍ ودولة.

إن الإسلام السياسي من المعوقات الأساسية في تقدم الوعي الشعبي نحو الديمقراطية، فهو يكرّس حالةً زمانية ماضوية، يتوقف فيها الزمن والتاريخ عند الخليفة الأول والسلف الأول والتابع الأول، فيعيش الفكر الإنساني تبعيةً وتكراراً يمنعانه من التقدم وتقصيه عن الجديد في الفكر والعيش، ورغم تنوع أشكال الإسلام السياسي ومحاولة بعضٍ من تياراته اتخاذ لبوسٍ ديمقراطي، إلا أن جوهرها الأصولي وتمسكها بالنص المقدس مرجعيةً ثابتةً ودائمة، لا يسمح للفكر الديمقراطي الليبرالي وحرية الفرد ومواطنية المجتمع، بالتبلور والتقدم، من هنا تظهر الحاجة الاجتماعية والسياسية لعلمنة الدولة.

إن مفهوم العلمانية المُحارب بشدّة من التيارات الدينية جميعها، ليس سببه الفهم الخاطئ للمفهوم، بل ببساطة لأنه يباعد ويفصل الدين عن مؤسسات الدولة وبنيتها وهيكلتها ووظائفها، أي إبعاد الإسلام السياسي عن الدولة، وليس إبعاد المجتمع عن الدين، ولا الدعوة إلى دولةٍ إلحادية، بل إنّ الدولة العلمانية الديمقراطية هي التي تحمي الديانات جميعها من التسلّط السياسي والاستغلال الديني لها، وتسلّط دينٍ أو مذهب على آخر، بل على العكس، إن تأمين حق المواطن في العبادة وفي التعددية الدينية لا يقوم إلا في دولةٍ علمانيةٍ ديمقراطيةٍ لكل المواطنين المتمتعين بالمساواة بالامتيازات السياسية والاجتماعية تحت سلطة القانون والقضاء المستقل.

ولكن الوصول والارتقاء إلى هذا الموقف الديمقراطي، يتطلب من القوى السياسية مشروعاً ديمقراطياً بديلاً عن الحالي والسائد، تُحشد له القوى الاجتماعية القادرة على حمله، ولا يُكتفى بترديد العنوان الاستهلاكي

(الديمقراطية هي الحل)، الموازي لشعار (الإسلام هو الحل). لابد للمعارضة أن تشكل الديمقراطية همّها، وأن تُوضع على جدول أعمالها، وتُمارس الديمقراطية نظراً وعملاً، من خلال إستراتيجيّةٍ واضحةٍ تعتمد التدرّج ولكنها ثوريةٌ في آنٍ واحد، تتمتع بالجرأة الاجتماعية، والفكر النقديّ التجريبي المتطور من خلال ممارسة النضال الديمقراطي، الكاشف عن القوى العصبوية والطائفية المرتدية زياً ديمقراطياً، الطارحة لشعاراتٍ توفيقيةٍ تحاول من خلالها ربط الفكرة الديمقراطية بنصوصٍ انتقائيةٍ خارج سياقها التاريخي، ولا تلبي الحاجة الإنسانية للمجتمعات الحديثة، ولذلك تُحرِّف الفكر الديمقراطي وتستلب قدرته على حلِّ القضايا السياسية والاجتماعية لصالح أجندتها وتطلعاتها السياسية، ونموذجاً على ذلك ما يُطرح الآن في السوق من عناوين  مثل الإسلام والديمقراطية، والعدالة والمساواة والديمقراطية في الإسلام وما إلى ذلك من عناوين جذابةٍ للجمهور، وتقوم المشيخية السلطانية، أو المشيخية الثورجية  بهذه المهمة التزويريّة للفكر الديمقراطي.

إن انتشار ظاهرة الديمقراطية  المشيخية  والديمقراطية الشعاراتية يعود إلى جملةٍ من الأسباب، لكن قبل الحديث عن بعض هذه الأسباب، تُفترض العودة إلى الحالة الأوربية التي تطورت فيها الديمقراطية تدريجياً، إذ أن العملية الديمقراطية اقتصرت بدايةً على النخب، ثم تعمّقت ونمت عبر ارتباطها بالعمل النقابي والحركات النسوية، وتوسّع الطبقة الوسطى، والتقدم التكنولوجي، ونمو التعليم وامتداده، وصعود مفهوم المواطنة وارتقائه إلى مستوى إنسانيٍّ عالٍ، وارتباطه بمفهوم حقوق الإنسان، ومبدأ سيادة القانون، وتقبُّل قواعد اللعبة الديمقراطية بين الأحزاب السياسية الحديثة والقديمة، واعتمادها في التقاليد الحزبية والسياسية. هذا هو التوصيف العام للحالة الأوربية، أما المتتبع للحالة الديمقراطية في بلدنا، حيث تم تبني النتائج الجاهزة والمطوَّرة، والتي لا يمكن تجاهلها لأنها من نتائج العولمة والانتشار السريع الذي تساعد عليه وسائل الاتصال التكنولوجي، فقد تمت عولمة الوعي بالديمقراطية والحقوق الليبرالية دون أن تُعمَّم معها القيم الديمقراطية والليبرالية في الممارسة، ودون أن تُعمَّم هذه القيم على القوى الاجتماعية والسياسية والتي لها مصلحةٌ في الدفاع عن هذه القيم، مما حجب القيم الليبرالية والديمقراطية عن الأغلبية الساحقة من الطبقة الوسطى، ولم تنتشر أو تُعزز الثقافة الديمقراطية عند الشرائح والبنى الشعبية، وكذلك لم تتبنى الأحزاب في ممارستها وتجربتها السياسية الديمقراطية طريقاً وفكراً.

وفي الحقيقة إن الواقع لم يكن منصفاً لنشوء الديمقراطية، فهذه المجتمعات والدول المشوهة بنيوياً، والطبقة الوسطى لم تأخذ فرصتها بالتبلور والتقدم، بل تعرّضت للتذويب الطبقي، وكذلك ضعف التعليم من حيث المحتوى والانتشار، ورغم كل ذلك فرضت الضرورة التاريخية والسياسية والعالمية على هذا المجتمع وغيره من المجتمعات العربية، التوجه للديمقراطية لحل مشاكله والتخلص من الاستبداد وطغيان الأنظمة، من هنا تبرز أهمية القوى السياسية والنخب في النضال من أجل الديمقراطية، وفي إنتاج المشروع السياسي الليبرالي الديمقراطي، والبرنامج الاجتماعي الذي يشمل التعليم والمرأة وتحديث القانون، وعدم الانتظار إلى ما بعد انتهاء مرحلة إسقاط النظام للتقدم، لأنه حينها ستكون قوى الثورة المضادة صاحبة المشاريع اللاوطنية  والفاشية قد استحوذت على النفوس والعقول، وسيطرت على ميادين التعليم والقضاء، وعندها سيكون من الصعب جداً الوصول إلى الناس، وممارسة النضال الديمقراطي وبناء الدولة الحديثة، التي تقوم على مبدأ العقد الاجتماعي، والديمقراطية العلمانية.

أهمية الديمقراطية في حياتنا: ليست السياسية وشكل الحكومات وآلية النظام الانتخابي هي الحياة الديمقراطية، فالحكومات لا تنتج العلم والفلسفة والموسيقى والأدب، ولا تَربي الأبناء, فالسياسية هي جانبٌ من جوانب بناء الحضارة وقد تكون شرطها الأساسي، ولكن السياسية لوحدها لا تبني مجتمعات ولا تُكمل بناء حضارةٍ ولا ارتقاءٍ إنساني، من هنا نلمس أهمية الديمقراطية وما تحققه لنا من كيفياتٍ مثل الحرية، والوعي للذات، والتنوع، والتعددية، والاختلاف، أي الموقف الديمقراطي نفسه تجاه العديد من القضايا والمشاكل، فالديمقراطية تذيب الفوارق الطبقية بسرعة، وتحطم الرموز الاجتماعية الجاهزة، كما أن المجتمعات الديمقراطية توفر للأفراد والمواطنين كمّاً أكبر من خبرات الحياة وفرصها, وتخلق الإنسان المشارك, وتحافظ على الخصوصية الشخصية، واحترام المزاج الفردي، وتتيح للفرد حق الانتقال من الجماعة الحاكمة إلى أخرى دون الخوف من العواقب، أو من جماعةٍ دينيةٍ إلى ثانيةٍ مختلفة، فالديمقراطية هي النظام الذي يسمح بشكلٍ سلميٍّ بتحول المكونات الدينية والطائفية إلى وضعٍ اجتماعي جديد يجعلها بمصاف الثقافات المتوارثة اجتماعياً، أي أنها منتجٌ إنسانيٌّ أرضي وليس سماوياً استثنائياً، مُكونٌ يبحث عن نفسه ضمن مكوناتٍ اجتماعيةٍ عديدةٍ بعيداً عن أي نزوعٍ شموليٍّ أو تطلعٍ لاستحواذٍ سياسي, وتقوم مؤسسات الدولة العلمانية بحماية الحقوق الفردية والشخصية والاجتماعية، لأن استقلال القضاء عن أية مرجعيةٍ سلطويةٍ أو دينية، واعتماده المرجعية الإنسانية يدعم الحياة الديمقراطية وقضايا الحريات. لاشك أن الحرية ليست مطلقة، وأن هنالك في المجتمعات الديمقراطية مراكز قوى، ولكن المجتمع الديمقراطي يمنح مساحةً للأفراد للتحرك والتعبير عن خصوصيتهم وأرائهم، وبالطبع هذه المساحة من الحريات تتفاوت في المستوى بين المجتمعات الديمقراطية نفسها، ولكن المهم أن النظام الديمقراطي العلماني هو في صيرورة تقدمٍ وتطورٍ مستمرين بما يتعلق بقضايا الإنسان، (ونحن هنا نتحدث عن المجتمعات التي انتهجت الطريق الديمقراطي في بناء نفسها وحياتها، ولا نتحدث عن حكوماتها وسياساتها الخارجية).

إن الحرية قيمةٌ جوهريةٌ في هذه المجتمعات، لذلك هي تحاول دائماً تطوير حياتها الديمقراطية، رغم أنها تمر بنكوصٍ أحياناً، لكن طبيعة النظام الديمقراطي تسمح بتجاوز هذا النكوص ونقده، من هنا نرى أن مفهوم المصلحة العامة في سياقه الديمقراطي لا يُلغي حرية الاختيار لدى الأفراد، عكس ما يجري في النظم اللاديمقراطية. حيث أن مفهوم المصلحة العامة يلغي حرية الاختيار لدى الأفراد، ولكن ماذا يعني هذا الكلام؟ ببساطة إنّ الخير الذي يختاره الأفراد يكونون مسؤولين عنه لأنه خيرٌ ينتمي لهم، خيرٌ لا يتلقونه بطريقةٍ سلبيةٍ أو قسرية. من هنا نرى أن الناس في المجتمعات الديمقراطية أو المفتوحة على الحياة تفكر وتقرر، إنهم ليسوا حكماء ولا خارقي الذكاء، لكنهم يمارسون حق الاختيار في الشأن الخاص والعام، مما يسمح للفرد في المجتمع المفتوح التعرف على الآخر، وإدراك التنوع والاختلاف في الآخر واحترامه لأنه في النهاية هو من المصلحة العامة، التي أنا مشتركٌ بها كفردٍ أو أفرادٍ من خلال حرية الاختيار، وترفع هذه الحرية الفرد إلى قبول الجديد والمختلف.

ولكن علينا أن ننتبه إلى أن الديمقراطية لا تقدم أجوبةً نهائيةً أو حلولاً مثاليةً للحياة البشرية، بل هي تجسيدٌ للمبدأ العلمي القائم على أن الأسئلة قائمةٌ ومفتوحة، ولا إجابات جاهزة وبيانات مقدسة، غير أن مؤسسات الديمقراطية الليبرالية تمتاز بأنها لا تطلب من الأفراد أن يعتقدوا اعتقاداً نهائياً في أي شيء، عدا منهج النقد الحر، والتغيير السلمي، والأخلاق التي يقوم عليها هذا المنهج.

برومو الشهيد ناجي الجرف