خاص حنطة

الوعر لا زال.. وقد يزول

أسامة محمد علي

يعيش مدنيو حي الوعر في حصارٍ مطبقٍ وخانق، فرضته قوات النظام والميليشيات الموالية له، بعد تجميد اتفاق الهدنة، وإغلاق كافة معابر الحي في العاشر من شهر آذار الماضي.

يُعدُّ الحي المحاصر البوابةَ الغربية لمدينة حمص وآخر الأحياء التي تسيطر عليها قوات المعارضة في المدينة، ويبلغ عدد المدنيين في الحي ما يقارب 100 ألف مدني بمن فيهم المدنيين المهجّرين من باقي أحياء المدينة.

حصار تام

waar
waar

تحيط بالحي عدة قرى “شيعية” موالية للنظام، حيث شكّل أبناء هذه القرى ميليشياتٍ مسلحة “محلية” باتت تُعرف فيما بعد ب “قوات الرضا” أو “حزب الله السوري”، وتحت قيادة ضباطٍ من ميليشيا حزب الله اللبناني، تقوم بالتنسيق مع قوات النظام في عمليات القصف والأعمال العسكرية ضد المدنيين وقتال فصائل المعارضة، بالإضافة إلى عدة كلّياتٍ وثكناتٍ عسكريّة في محيط الحي هي موجودةٌ سابقا، مما سهّل عملية إطباق الحصار بالكامل، مع عدم وجود طرق إمدادٍ أو أنفاقٍ إلى داخل الحي؛ والذي يعيش منذ بداية الثورة انفصالاً تامّاً عن محيطه الجغرافي بسبب حواجز النظام ونقاطه المحيطة بالحي بشكلٍ كامل.

تمّت إعادة فرض الحصار مؤخراً نتيجةً لتعرقل المفاوضات بين لجنة التفاوض عن حي الوعر والنظام لعدم التزام الأخير بشروط الاتفاق، قيامه بالتهرّب المستمر من تعهداته، ولا سيما حول العمل بتطبيق تنفيذ بند المعتقلين “بيان وضعهم- إطلاق سراحهم” والبالغ عددهم 7365 معتقلاً من محافظة حمص، مع المطالبة وبشكلٍ صريح من قِبل النظام بتهجير أهالي الحي.

علماً بأن اتفاق الوعر؛ والذي تم التوقيع عليه بين النظام والمعارضة في بداية كانون الأول العام الماضي كان قد جرى برعايةٍ و “رقابة” أممية، ممثلة بحضور السيدة خولة مطر رئيسة المكتب السياسي للمبعوث الدولي الخاص في سورية السيد ستيفان ديميستورا والسيد يعقوب الحلو سفير الأمم المتحدة في سورية.

ويُعتبر اتفاق الهدنة حاجةً إنسانية “بحتة” لإيقاف ممارسات قوات النظام بحقّ المدنيين المحاصرين بالقصف والقتل والحصار والتضييق، ورفع المأساة التي يعاني منها مدنيو الحي منذ 2013، عندما فرضت قوات النظام أول حصارٍ في الشهر العاشر من نفس العام.

هذا ويعاني مدنيو الحي من وضعٍ إنسانيٍّ ومعيشيٍّ هو في غاية الصعوبة، خاصةً مع عدم توفر أية مقوماتٍ للحياة اليومية، حيث قامت قوات النظام بعد تجميد اتفاق الوعر بمنع إدخال المواد الغذائية والخبز والطحين بشكلٍ كامل، مع نفاذ كافة المواد التخزينية مثل الأرز والبرغل والتي تم استخدامها كبديلٍ في صنع الخبز.

مع قطع كافّة الخدمات ومنها الكهرباء، باستثناء ساعةٍ واحدةٍ فقط يتم تزويد الحي خلالها بالكهرباء، ومنع إدخال مصادر الطاقة مثل البنزين أو المازوت.

مصيدة الفرن الآلي

وبعد مؤتمر مجموعة الاتصال الدولية الخاص بسورية “فيينا” في الشهر الماضي، سمح النظام بتوزيع الخبز عند حاجز الفرن الآلي على مدخل الحي لمن يستطيع الوصول إلى هناك من المدنيين، وخرجت أعدادٌ قليلةٌ منهم غالبيتهم نساءٌ ورجالٌ كبارٌ في السن، ويتم توزيع كمياتٍ قليلة من الخبز لهم، وتم من خلال ذلك اعتقال حوالي 15 مدني حتى الآن، من بين المعتقلين طفل، وتوفيت امرأة، وهنالك حالات إغماءٍ بشكلٍ يومي، بسبب الإجراءات التي يتّبعها عناصر الحاجز من أجل افتعال الازدحام، بالإضافة لقنص سبعة مدنيين بعد استهدافهم من قبل حواجز النظام أثناء محاولتهم الحصول على الخبز.

عامان وأكثر

waar2
waar2

الوضع الطبي والصحّي يصل حدّ الكارثة حاله كحال الوضع الغذائيّ والمعيشيّ بسبب الحصار، فقد نفذت كمياتٌ كبيرةٌ من الأدوية في الصيدليات والمستشفيات الميدانية، مثل الأدوية والمواد الضرورية “مضادات الالتهابات والمسكنات وأدوية الضغط والأمراض المزمنة”.

ويتم الاعتماد حاليا على أدويةٍ منتهية الصلاحية، واستعمال الأقمشة كبديلٍ عن القطن والضمادات الطبية بعد منع قوات النظام إدخال الأدوية والمواد الإسعافية والمعدات الطبية منذ أكثر من عامين حتى عندما كان العمل سارياً باتفاق الهدنة، وأثناء دخول قوافل المساعدات الأممية ومنظمة الصليب الأحمر في فتراتٍ سابقة، بحجّة عدم الحصول على موافقةٍ أمنيّةٍ من النظام. يُضاف على ذلك معاناة المدنيين في الحيّ من نقص الأطباء بأكثر الاختصاصات، ومنها القلبية والعصبية، ومنع النظام دخولهم مع الطواقم الطبيّة، ومنع مرضى السرطان وأمراض الكلى من الجرعات اللازمة لهم، فهنالك حوالي 1500 حالة مرضية، كأمراض القلب والأمراض المزمنة وأمراضٍ أخرى بحاجةٍ لعلاجٍ طبيٍّ وبشكلٍ دائم، وقد سُجّلت عدة وفياتٍ بسبب الحصار الطبيّ وعدم تلقي العلاج اللازم من بينها لطفلين في الشهرين الماضيين.

بالتوازي مع حملة التضييق والحصار، يشهد المدنيون المحاصرون حملةً من التصعيد العسكريّ، حيث تقوم قوات النظام والميليشيات الموالية له بقصف المناطق المدنيّة بالصواريخ والأسطوانات المتفجّرة، وكافّة أنواع الأسلحة، مما أدى إلى سقوط أعدادٍ من الضحايا المدنيين طوال الفترة الماضية، كنوعٍ من الضغط والقبول بمطالب النظام وتنفيذ مخططاته.

سيناريوهات العجز

حتى اليوم لم توجد أية إرادةٍ في التدخّل أو حتى الضغط على النظام من قِبل الأمم المتحدة والمبعوث الدوليّ الخاص بسورية تجاه ما يجري من أحداثٍ وتطوراتٍ خطيرةٍ في الحي، وتحُّمل مسؤولياتهم لكونهم الطرف الراعي والمراقب لاتفاق الوعر، على الرغم من كل الاتصالات والمناشدات من قِبل لجنة التفاوض والمجلس المحليّ والنشطاء، فكان الجواب المعتاد أنهم يقومون بإجراء اتصالاتٍ مع ممثلي النظام لمنع تدهور الأوضاع في الحي، وظهر عجز الأمم المتحدة واضحاً في عدم القدرة على إدخال قافلةٍ من المساعدات الإنسانية الشهر الماضي، بحجّة عدم حصولهم على الموافقة الأمنيّة من قبل النظام، ليسمح النظام للهلال الأحمر السوري والجمعيات الإغاثية في بداية شهر حزيران الحالي من إدخال مساعداتٍ إنسانيةٍ “محدودة” وبكمياتٍ قليلةٍ جداً، ضمن مسرحيّةٍ صوَّرها إعلامُ النظام، وقام بالترويج لها عبر وسائله تقول بأنه قد تم السماح بإدخال المساعدات الإنسانيّة والغذائيّة للمدنيين المحاصرين.

إن الضغط والحصار المفروضين على أهالي حيّ الوعر؛ خاصةً في الأشهر الثلاثة الماضية يثير مخاوف جديّة حول نوايا النظام المتعلقة بمصير الحي وقاطنيه، على غرار ما حصل في أكثر من ثلاثة عشر حيّا من أحياء حمص المدمرة في فتراتٍ سابقة، من تجويع السكان والضغط عليهم ومساومتهم على حاجاتهم الإنسانيّة الأساسيّة لتحقيق مكاسب سياسية وميدانية، وصولاً إلى تهجيرهم من الحي لإفراغه من سكانه بشكلٍ كاملٍ تمهيداً لتغيير التركيبة الديموغرافية لمدينة حمص.

وسوم

برومو الشهيد ناجي الجرف