جرن حنطة

يوم قال لي ناجي: “الوجهة إلى الأمام … دائماً”- لونا صفوان

على قصاصة ورقٍ مربعةٍ كتب ناجي الجرف “الحرية آتية.. ولو بعد حين” خلال انتظاره لقاءنا في مقهىً تركي في اسطنبول. لم يكن اللقاء الأول على الرغم من أن جلساتنا لم تكن كثيرة. يومها حدّثني ناجي أو “النوج” أو “الخال” كما كان يحب أن نناديه، عن مجلة “حنطة” التي كان يترأس تحريرها، عن إعلام ما بعد الثورة، وعمّا ينقصه من خبراتٍ وإصلاحات. أزاح شعره عن جبينه وأعاد تكرار الحركة مع كلِّ رشفة نسكافيه الذي يُعتبر ملازماً له، حتى أنهُ اعتبره من أفضل الاختراعات على مَرّ العصور.

حصل ذلك قبل أشهرٍ قليلةٍ من اغتياله في تركيا، وربما أكثر، لم أعد أذكر التواريخ التي جمعتننا، ولكن أكثر ما أذكره عن ناجي، هو إصراره على أن أشارك جزءاً من قصتي يوماً ما، أمرٌ لا بدّ من إنجازه قبل فوات الأوان. قالها لي ناجي مراتٍ عديدة: “أن تكون مختلفاً يعني أن تملك ما يكفي من الشجاعة لمناقشة اختلافك” ولكنني لم أفضّل يوما تسليط الضوء على اختلافي، لأن التهم قد تتعدد، من “محِبَّةٍ للشهرة” إلى “مندسّة” لتصل حد التخوين واستخدام صفة “شيعة السفارة” وربما أكثر. إلا أن ثقل الانتماء لفئةٍ أو طائفةٍ أختلف عنها كلّ الاختلاف أنهكني وأنهك كُثراً، أولائك الذين يختارون الصمت يمنحوننا غالباً ما يكفي من القوة لصياغة نصوصٍ قد تصلح لشرح تحدياتٍ لا تظهر للمجتمع المحيط بهم وبنا.

أنا شيعيةٌ من لبنان، ولو أنني لم أعرف ما تعنيه عبارة “شيعية” قبل عام 2005. أذكر جيداً أنني سألت والدتي فور بلوغي العاشرة من عمري عن سبب ذهاب أصدقائي إلى قراهم وإلى الأرياف كلّ صيف، في حين أننا نقضي عطلتنا في بيروت، يومها قالت لي “نحنا من بعلبك، بس ما منطلع كتير”. ومنذ ذلك اليوم صرت أردّد تلك العبارة الشهيرة عند السؤال عن “أصلي وفصلي” في لبنان. عُرفنا بمواليد وسكان بيروت طوال سنوات الدراسة، إلا أن كل شيءٍ تغيّر بعد عام 2005، وموجة الاغتيالات التي بدأت باستهداف رئيس مجلس الوزراء يومها، رفيق الحريري.

بعد عام 2005، لم أعد ببساطة من مواليد وسكان بيروت، اتسعت دائرة الأسئلة المطروحة، “من وين الأصل”؟ .. “من بعلبك بس ما منطلع كتير” .. “ليش؟” .. “لأنو.. رأيي مختلف عن الآخرين”

والحقيقة كانت ببساطة أننا مختلفون كعائلةٍ، ليس فقط بمفهوم الموروثات والتقاليد، وليس لأننا عائلةٌ مسلمةٌ بالاسم، غير متدينة، تحترم أديان ومعتقدات الآخرين ولكنها تفضلّ عدم زجّ تفاصيل الدين في عقول أولادها، وليس لأننا من داعمي الزواج المدني والمدافعين الشرسين عنه، بل لأننا ببساطة، لا ندعم سياسة الطائفة التي تحدّرت منها عائلتيْ أمي وأبي. نحن مسلمون شيعة، ولكننا لا نشبههم في شيء، على الصعيدين الديني والسياسي.

مرت السنون والايام، وبين أعوام 2005 و2010 تغيرت حسابات الجميع في لبنان، إلا حساباتي، فنحن، عائلتي وأنا، كنا قد أثبتنا تمسّكنا بأن أفعال وقرارات وسياسات حزب الله والطائفة المنضوية خلفه، لا تمثلنا كلبنانيين. كثيرةٌ هي التحديات التي رافقت ذلك الموقف، الخوف من الاغتيالات السياسية، التقلّبات و”الخضّات” الأمنية في لبنان، خسارة سياسيين وكتاب وصحافيين بسبب آرائهم المعارضة، بالإضافة إلى المضايقات المدرسية، وخسارة أصدقاء في سنّ المراهقة، إلى إيجاد صعوبةٍ في تكوين صداقاتٍ جديدةٍ تشبهني. كل ذلك حصل، بالإضافة إلى الانفصال عن حبيبٍ كان قد اختار القتال إلى جانب ميليشيا من الميليشيات اللبنانية التي هاجمت بيروت في أيار 2008، ناهيك عن التهديد والوعيد اللذين اختبرتهما بعد اختياري وضع علم لبنان على شرفة منزلي خلال وبعد تلك الأحداث.

مرت سنوات المراهقة، وكانت العشرينيات بعدها، يوم انطلق الربيع العربي. إلا أن انطلاق ربيع سورية لم توازهِ انطلاقة أيّ ربيعٍ آخر بالنسبة لنا. مطلب إسقاط نظامٍ أحكم سيطرته ليس فقط على شعبه، بل على الشعب المجاور له، كان بمثابة حلمٍ يتحقق بالنسبة لي، أنا التي ترسّخت في ذاكرتها لحظات مغادرة قوافل الجيش العربي السوري منطقة “البوريفاج” ومحيطه عام 2005. يومها، تخلّت المخابرات السورية عن وجودها الجسديّ في لبنان، إلّا أنها لم تغادر فعلاً، وكان ربيع عام 2011 السبيل الفعليّ لتثبيت مغادرتها ليس لبنان فقط، بل لبنان وسورية والحدود التي تفصلهما.

كلّ ما سبق عام 2011 بدا لي بسيطاً، مضحكاً، غير معقّد، وكلّ ما تلا ذلك منذ بدأت تظاهرات درعا ودمشق الأولى قلبَ حياتي، حياتنا وحياة الجميع، رأساً على عقب.

الأصل والفصل

أن تكون من عائلةٍ بقاعيّةٍ يعني أن تألف أذنك مصطلحاتٍ معيّنة خلال سنوات المراهقة، حتى بلوغك سناً معيناً فيه ما يكفي من الوعي الذي يَسمح لك بمناقشة تلك المصطلحات، وبدورك تترتب عليك الإجابة عن عدة تساؤلاتٍ قد يطرحها عليك المجتمع المحيط بك في بيروت، حيث قد يعتبر البعض أن مجرد الانتماء إلى عائلةٍ بقاعية، يعني أن المعايير والمفاهيم بعناوينها العريضة تتشابه، ما يُحوّل المساءلة إلى نوع من التحدي الذي يُحاول المُجيب من خلاله تغيير وعكس الصورة النمطيّة الموجودة.

بعد ربيع دمشق اتضح للجميع أنني لبنانية، مسلمة، شيعية، من البقاع، ولكنني لا أؤيد حزب الله. انطلقت الثورة السورية ودعم المعارضين للنظام لم يكن أمراً قيد المناقشة حتى، أذكر جيداً يوم دخل والدي إلى المنزل أوائل عام 2011 خلال انطلاق التظاهرات في سورية، كنت أتابع مباراة كرة السلّة اللبنانية، انتزع جهاز التحكم من يدي، واختار قناة العربية قائلاً “هي سورية.. عن جد عم تصير!” وكانت يومها الشاشة منقسمةً إلى أربع أقسامٍ تنقل تظاهراتٍ مباشرة تحصل في عدة مدنٍ سورية.

التحدي الجامعي

عام 2011 كان عامي الثاني في كلية الإعلام الميّالة سياسياً بمجتمعها الطلابي إلى فريق الثامن من آذار، وعلى الرغم من اندماجي في عالم الصحافة في بيروت منذ اليوم الأول، وحضور تدريباتٍ عديدة، كان موعد التخرج المنتظر محدداً بعام 2014. لكنني لم أتخرج ذلك العام، بل ولم أحصل على شهادتي الجامعية إلا في صيف 2016. ست سنواتٍ من الدراسة الجامعية أمرٌ يصعب تبريره لأرباب العمل، ست سنواتٍ صقلت شخصية كل من تابع أخبار سورية. مواقف سياسية لم تساعدني على الاندماج في الجامعة حتماً، مواقف قد تكون سبباً من أسباب استغراقي كل تلك السنوات للتخرج، مواقف أكدت أنني مختلفة، وهو أمرٌ لم يعجب الكثيرين.

رسبتُ في المادة عينها في الجامعة أربع دوراتٍ متتالية، في المرة الثانية للرسوب اكتشفت أن السبب هو أنني أرسلت للأستاذ المحاضر العمل التطبيقي عبر بريدي الإلكتروني الذي كان يحوي يومها رابط مدونتي التي كنت أخزّن معظم مواقفي السياسية الداعمة للثورة السورية عليها. بعد ذلك بأيام استدعاني الأستاذ إلى مكتبه وشرح مدى “خيبة أمله” بالمسار الذي اخترته لنفسي، قائلاً أنني “لا أمثل طائفتي” وأنه يستغرب وجودي في الجامعة اللبنانية لأنني لا أشبهها بشيء. كل ذلك لم يشكل حينها رابطاً منطقياً قد يمنعني من التخرج، لأستنتج لاحقاً أنه سببٌ من أسباب تأخّر حصولي على إجازتي الجامعية.

الخوف المبطّن

لم أستطع يوماً تحديد ما يخيفني في لبنان، هل هو كوني غير راضيةٍ دائماً عن أفعال وسياسات حزب الله في لبنان وفي سورية؟ أم هو خوفي من ردود فعل المحيط المُقرّب؟ أم هو خوفي من عائلتيْ أبي وأمي، على الرغم من وجود حدودٍ واضحة بيني وبينهم بسبب اختلافنا العقائدي والسياسي، أم هو خوفي من ردّ فعل أحدهم على المقربين مني، أو الإحراج الذي قد يسببه موقفي السياسي لعائلتي المقربة، أم هو ببساطة خوفي من طغيان صوتي المعارض على صوتي العقلاني المتزن، رغبتي بالصراخ والتعبير عن امتعاضي من تدخّل طائفةٍ لم أختر الانتماء إليها، في حربٍ أتت تبعاتها لتكون قاتلةً على شعبها وكل ما يحيط بها.

أن تتفقّد السيارة يومياً، أو أن تهاف من أن يباغتك أحدهم خلال سيرك في الشارع، هل هو جزءٌ متعارفٌ عليه في العشرينيات؟ في حين يعيش آخرون حياةً عاديةً مليئة بالرقص والأفلام والسفر، نعيش نحن، الراغبون بتغيير العالم وإسقط الديكتاتوريات، حروباً أخرى قد تطيح بنا أرضاً في أيةِ لحظة، حتى لو لم نكن شخصياتٍ عامة، يكفي أن صدى آرائنا هو عالٍ ومسموع.

 

الرقابة الذاتية

الكتابة بعد عام 2011 بدت سهلة، في أوائل عاميْ 2012 و 2013 كان الجميع يغني، ينشد، يشتم، يصرخ، يلوّح بالعلم الذي يناسبه من دمشق إلى ساحة الشهداء في بيروت. البداية كانت ثوريةً بامتياز ولم تكن إعادة الحسابات مطروحةً على الطاولة، إلا أن التغيرات الجيوستراتيجية ظهرت منذ عام 2014 وترسّخت عام 2015 لتصبح الرقابة الذاتية مفروضةً علينا. “اليوم معك بكرا ضدك” عبارةٌ من العبارات التي ردّدها أبي مراراً على مسمعي عند تنبّهه أنني أهمّ بكتابة منشورٍ يعبّر عن امتعاضي من موقفٍ في لبنان أو سورية، وكان يضيف في بعض الأحيان “لم نعد نثق بأنفسنا.. السياسة دوّارة”.

التوقف عن زيارة مخيمات عرسال

بعد اختطاف مسلحين تابعين لتنظيمٍ متطرفٍ عدداً من العسكريين في الجيش اللبناني في بلدة عرسال القريبة من الحدود السورية في آب 2014، باتت زياراتي إلى عرسال محدودة. ضرب الجيش اللبناني طوقاً أمنياً محكماً وبعد عددٍ من الحوادث والصدامات والخلافات، بات الصحافي في حاجةٍ لإذنٍ أمنيٍّ خاص يسمح له بالدخول إلى عرسال لنقل وقائع ما يحصل، أو للكتابة عن المنطقة الحدودية. وبعد أشهر قليلة من اختطاف العسكريين، ومع إعلان مجموعاتٍ أكّدت أنها تابعةٌ لتنظيم “داعش” مسؤوليتها عن عملية الخطف، توقفت زياراتي إلى عرسال بشكلٍ نهائي. وجدتُ نفسي في دائرةٍ جديدةٍ من التخوّف والحظر في ظل تكرار عمليات الاختطاف، لم يكن “مستحبّاً” أن أزور عرسال بشكلٍ علني لأنني “شيعية”، حيث أن الشرخ المذهبي الحاصل في عددٍ من المناطق البقاعية كان يهدد سلامة وأمن الجميع، لتعود الطائفة إلى الواجهة وأجد نفسي سجينةً بسببها، مرةً أُخرى.

ولكن، وعلى الرغم من كلِّ ما حصل خلال السنوات الماضية، وكلّما وجدتُ نفسي سجينة تلك الدوّامة المليئة بالخوف والأسئلة والاضطرابات، تعود بي الذاكرة إلى عام 2015، إلى اللحظات التي أعقبت مغادرتنا ذلك المقهى التركي في إسطنبول، يومها سألت ناجي إن احتفظ بالورقة المربعة، لأكتشف بأننا نسيناها على الطاولة، وقبل شروعي بالعودة لإحضارها، قاطعني وقال لي: “الوجهة دائما إلى الامام، ما تطلعي لورا”، ولم أفعَل، فكان ذلك أثمن الدروس.

برومو الشهيد ناجي الجرف