ملف

تاريخ المشروع الوطني السوري ومقوّمات الخطاب الوطني

المشروع الوطني السوري!

أحمد عيشة

يعود المفهوم بالنشأة إلى بدايات القرن العشرين، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وهزيمة الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تُعرف وقتها بالرجل المريض، كمبررٍ لتقاسم تركتها من القوى الاستعمارية وخصوصاً فرنسا وإنكلترا.

تركّز المشروع الوطني عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية في الاستقلال وبناء الدولة السورية المنشودة، والتي تُبقي على علاقاتٍ حسنةٍ مع الجوار، هذا المشروع كان موزعاً بين دعاة الاستقلال، وإعادة التوحّد مع تركيا عقب انكشاف ملفات الاستعمار واحتلال البلاد من جديد، بحيث لم تُعط البلاد فرصةً لبلورة مشروعٍ وطني عماده بناء الدولة السورية الجديدة، الذي أعلن عنها الملك فيصل عقب دخوله مع الجيش العربي إلى دمشق عام 1918، حيث أعلن سورية مملكة، وتم وضع الدستور السوري الأول عام 1920، لكن القوى الاستعمارية اجتاحت البلد عقب الاتفاق المعروف سايكس-بيكو، لتدخل البلاد في مرحلة النضال من جديد بغاية الاستقلال من الاستعمار الفرنسي.

استطاع السوريون بفضل نضالاتهم بعد عشر سنواتٍ من انتخاب جمعيةٍ تأسيسية (1928) تحت سلطة الاحتلال، التي قامت بتعديل الدستور (1930) والانتقال من الملكية إلى سورية الجمهورية، لكن تحت إشراف المندوب السامي.

تكثر في سورية الجماعات العرقيّة والدينيّة، رغم أن الغالبية العظمى من سكانها من عرقٍ ودينٍ واحد( حوالي 75-80 في المئة)، وتحضر حالة غياب الدولة الضامنة لحقوق الجميع، ناهيك إن كان هنالك استراتيجيةٌ تعتمد التفريق بين هذه الجماعات، وهو الأمر الذي اعتمده الفرنسيون للنجاح في تجزئة السوريين؛ خاصةً عند تأسيس ما عُرف وقتها ب (جيش المشرق) والذي بقي نواةً عند تأسيس الجيش بعد الاستقلال، الأمر الذي أعاق وخلق رواسب ما زالت مستمرةً إلى يومنا هذا تعرقل المشروع الوطني الذي يمكنه بناء هويةٍ جامعة لكنها تتيح كامل الحرية للخصوصيات وللجماعات القائمة، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى لدينا سيادة عقليةٍ دينيةٍ تنسب لجماعةٍ ما الأفضلية على الآخرين، مما يقلل من فرص التقارب.

ورثت البلاد بعد الاستقلال تركةً ثقيلةً أهمها الجيش المشكّل حديثاً والمعتمِد على جيش المشرق الفرنسي، حيث الدور المميز للأقليات، لكنها شهدت تجربة انتخاباتٍ برلمانيةٍ شاركت فيها شخصياتٌ مستقلةٌ ومن العشائر، إضافةً للأحزاب الحديثة التأسيس، حيث صاغت الجمعية التأسيسية حينها الدستور الشهير للعام 1950.

في ذات الوقت لم تتوقف حركة الانقلابات في سورية، حيث وقعت ثلاثٌ منها في العام 1949، والرابع عام 1951، والخامس عام 1954.

رغم الانقلابات العسكرية تلك، لكنها كانت فترة نشاطٍ وتأسيسٍ للأحزاب وحضور دورٍ واضحٍ للبرلمان والحكومة وغيرها من مؤسسات الدولة، حيث برز في تلك الفترة خطابٌ عروبي إيديولوجي، على يد ميشيل عفلق من طرف، ومن طرف آخر على يد أكرم الحوراني، والذي يعتبر بحق مهندس دخول الخطاب الشعبوي إلى الحياة السياسية، وعرّاب العسكر في الحياة السياسية.

أسس الخطاب الإيديولوجي العروبي لسلوكٍ عدائيٍّ تجاه الأقليات الأخرى في المجتمع عبر أجهزة الدولة والأحزاب القوموية وقتها، فكان ردُّ بعض الأحزاب وخاصةً الشيوعي متجاوزاً للمشكلة نظرياً بطرحه فكرة الأممية، كنظيره في الجهة المعاكسة (الإخوان المسلمون) حيث وجدوا حلّها ضمن (الأمة الإسلامية)، وباختصار كانت تلك المشاريع بمجملها ما فوق واقعية، بمعنى  أنها تجاوزت الواقع والحاضر لتطرح تصوراتٍ مستقبليةٍ مغرقةٍ في الوهم، وتستند لإيديولوجياتٍ شتى، مما أسس تماماً لغياب المشروع الوطني السوري.

الانقلاب الأخير في سورية على يد حافظ الأسد عام 1970، استثمر الحالة بمجملها، لكنه أسس جدياً لتفتيتٍ وطنيٍّ حقيقي، فاعتمد على شبكات المحسوبية لدى الجماعات والطوائف غير الطائفة العلوية، التي اعتمدها كقاعدةٍ اجتماعيةٍ ومن ثم اقتصاديةٍ في حكمه المخابراتي.

بعد ثلاثين عاماً من حكم الأسد الأب، وعشرة أعوامٍ من حكم الابن-الوريث، كانت سورية شظايا متفرقة تجمعها قوة المخابرات وقوانينها الاستثنائية، فبمقدار التبعية لهذه السلطة الخفية، تبرز الجماعة أو الطبقة، وأصبح مقدار الولاء معادلاً لحالة الصعود، لدرجةٍ صار واضحاً وحقيقياً أن سورية هي مزرعةٌ لآل الأسد وزبانيته المقربة، فالمجال الاقتصادي صار مستملَكاً بنسبةٍ كبيرة، والنسيج الاجتماعي ممزقٌ لحد الرماد، أما الحياة السياسية فتشبه الغيتوات، إلى أن انفجرت الثورة السورية، كحالة رفضٍ لكل هذا البؤس والاستعباد من دون حسابٍ لأية نتائج، سوى الرغبة الشديدة بالخلاص من آل الأسد وزبانيتهم.

ساهم الرد المفرط في وحشيته سواء بالاعتقالات أو بالنار وبالمعاملة المهينة لكلّ من تمرّد في وجه الطاغية، في تفتيت الجماعات السورية، وأبرز إلى السطح مسألة الهويات من جهة، كدلالةٍ على أزمةٍ عميقةٍ تنخر جسد المجتمع، تفرض من جهة أخرى على الجميع ضرورة العمل من أجل مشروعٍ وطنيٍّ يجمع السوريين.

فمن الجهة الأولى، أدى هذا الاستقطاب نتيجة العنف وانسداد أفق الانتقال نحو نظامٍ ديمقراطي، إلى تشكّل هويةٍ جديدةٍ لجماعاتٍ مذهبية، وأقصد الجماعة الشيعية التي استطاعت إيران عبر مسيرةٍ طويلةٍ من اقتلاعها من هويتها الأصلية، وربطها فقط بمصيرها، بحيث أصبحت إيرانية الهوى والعقل، ومستقبلاً لربما في اللسان.

كما كان لانكفاء الجماعات الأخرى، ووضع مصالحها الخاصة أولا، (وهو ما يُعتبر بداية الطريق نحو الهاوية)، السبب الذي دفع الجماعة التي تلقت الاضطهاد الأكبر، إلى مواقف معادية تجاه الجماعات الأصغر، ناهيك عن الأساس العقائدي الذي يبرر مثل هذا التمايز، فاكتسبت العلاقة بعديها: السبب والنتيجة، مما حول الجماعة الأكثريّة إلى أن تنتج خطاباً طائفياً متوتراً في كثيرٍ منه، وهو ما يشكّل الخطر الأكبر على البلد.

كان لسلوك الجماعة الكردية ووفقاً لحساباتٍ مصلحيّةٍ ضيقة، بعد أن انخرطت بشكلٍ مباشرٍ في عملية النضال من أجل حرية المجتمع، وكردٍّ طبيعيٍّ لكنه خاطئ على سلوكٍ قومي عصبوي لأحزابٍ سلطوية، أن اتخذت موقفاً سلبياً بأن جعلت الاعتراف بحقوقها وتميُّزها شرطاً لانخراطها ومشاركتها في الكفاح المشترك من أجل الحرية وزوال الاستبداد، الأمر الذي وضعها في موقفٍ تشارك فيه في عملية قهر السوريين، عبر القوة العسكرية الأكثر تنفذاً بين الجماعة الكردية ككل، ومساهمتها في طرد السكان وتهجيرهم وفرض أنظمةٍ بوليسية، مما وضعها في حالة عداءٍ مع جيرانها وشركائها في البلد.

هذا التشظي المرعب، والحال الذي وصلت إليه الثورة بعد سنواتها الست المرعبة، حيث سادت خطاباتٌ طائفيةٌ وأخرى عرقية، كما أن حال البلد المدمر بنسبة تصل إلى نصفه، وارتهان قضية السوريين والسوريين ذاتهم لمصالح الدول المختلفة، جعل من العودة إلى الناس ومشاركتهم في البحث عن مصيرهم ومصالحهم أمراً يقع في أعلى قائمة الأولويات، بمعنى أن تكون العودة للمشاركة المدنية السياسية متركزةً حول تشكيل مشروع خطابٍ وطنيٍ يقوم على التركيز على بناء الدولة التي تساوي بين مواطنيها وتكفل حريتهم، ومن جهةٍ أخرى يقوم على العدالة والتسامح ومحاسبة المجرمين أياً كانوا، وخلق مجالٍ تسوده الحرية بحيث تستطيع الجماعات والأفراد تقرير مصيرهم دون اللجوء إلى نزعاتٍ انتقاميةٍ وعدائية، الأمر الذي يؤمّن الأرضية المناسبة لعملٍ سياسيٍّ مدني، و بمثابة هو نزع فتيل التطرف والحدّ من لهيبه الذي إن استمر سيحرقنا جميعاً.

الخطاب الوطني شرطه الأول التسامح وتحقيق العدالة، وهدفه خلق المجال العام الذي يكفل للجميع المشاركة في تطويره والدفاع عنه، ومهامه تحفيز الجميع على العمل والمشاركة في بناء الدولة بديلاً لدولة المخابرات، ووضع دستورٍ يكفل حريّات الناس جميعها، من حريّات الرأي والمعتقد والتظاهر وغيرها، بحيث ننتقل من حالة التنافر والاقتتال إلى حالة الحوار، وبالتالي التوافق، مما يفسح المجال للشريحة الكبرى لممارسة حقها والدفاع عنه وعن مصالحها وفق الآلية الديمقراطية اللازمة للعملية السياسية السورية.

لا شكّ أنّه يبدو من الصعب حتى مجرد التفكير فيه، ولكنه بالتأكيد ليس مستحيلاّ، إذ لا يوجد طريقٌ آخر لإنقاذ البلد، دونه لن يكون هنالك إلا مزيدٌ من الاقتتال المذهبي والعرقي والدمار.

التقارب نحو التسوية التي تنسجم مع الطموحات الوطنية وأكثرها أهميةً الخلاص من الاستبداد، والانتقال لحالةٍ من الحريات، مهما بدت صعبةً على البعض إلا أنها هي المطلوبة نحو نهوضٍ وطنيٍّ حقيقي.

برومو الشهيد ناجي الجرف