ملف

قراءة في مسار الثورة السورية من أكرم حسين لمجلة حنطة

قراءة سريعة في مسار الثورة السورية

أكرم حسين

لا يخفى على أيّ متتبعٍ لمسيرة الثورة السورية وخاصةً عند انطلاقتها، العفوية والاندفاع والتسرّع في مطالبها وأهدافها، وتجاوز حجمها لكثيرٍ من القوى السياسية الكلاسيكية المعارضة وتوقعاتها، وبالتالي لم تتمكن هذه القوى نفسها من الإحاطة بها أو قيادتها، ولاقت صعوبةً كبيرةً في الانخراط والتفاعل معها، فبرزت مخاطر جدية وحقيقية في انحراف هذه الحركة ضمن الظروف القائمة آنذاك، وتوزّعت خريطة الثورة بين قومياتٍ مختلفةٍ وعقائد دينية منغلقة وطوائف مبعثرة، رغم أن بداياتها لم تشهد أو تتخذ أيّ مظهرٍ من مظاهر الطائفية أو الصراع السياسي التقليدي، فجماهير الثورة لم تكن تطمح إلا في بعض التنازلات من النظام الاستبدادي كحرية العمل السياسي، وإلغاء قانون الطوارئ والاحكام العرفية وحرية التظاهر والتعبير، لقناعتها التامّة بصلابة هذا النظام وتماسكه، والكلفة الباهظة لإسقاطه بالتالي، حيث كانت تجربة الثمانينات وما فعله بحقّ الإخوان ماثلةً في الأذهان وأمام الأعين، واستنادا لكلِّ ذلك لم تكن الشعارات الأولى للانتفاضة تتجاوز المطالبة بالحرية والكرامة ووحدة الشعب السوري، ودعم درعا والمدن الثائرة، لمعرفة الثوار بأن تغيير النظام أو اسقاطه يتطلب مشاركةً أوسع وفعاليةً أكبر تتجاوز المئات ممن يخرجون للتظاهر، كما يحتاج في الوقت نفسه إلى موقفٍ داعمٍ من القوى الإقليمية والدولية. ومع ارتفاع الأعداد المشاركة وارتفاع منسوب التصريحات الإقليمية والدولية، بعد مشاركة السفير الأمريكي والتركي في مظاهرات حماة، ارتفع سقف الشعارات ووصل إلى المطالبة بإسقاط النظام دون أن تعي بأن هذه المشاركة قد تكون كافيةً لإحداث تصدّع أو شرخٍ في بنية النظام السوري المتفسّخ أصلا، لكنها لن تكون كافيةً لتأمين القوة اللازمة للاستمرارية والاتساع بالمقدار الذي يمكّنها من إسقاط النظام، والإتيان بالبديل الوطنيّ الديمقراطي، كل ذلك أدى إلى ذعر النظام وخوفه من نشوء حركةٍ ثوريةٍ قادرةٍ على تغييره، والزج بقياداته في السجون والمعتقلات. وسرعان ما عمل على ضبط الأوضاع وإعادة الثوار إلى “الصف” وإلى الصراع التقليدي مما جعل رأس النظام يستقبل وفوداً شعبيةً من أغلب المحافظات السورية، لتجديد ولائها وتحميلها رسالة تهديدٍ ووعيدٍ واتهام لكلّ من يخرج للتظاهر بالإرهاب ومعاداة الوطن، ورفع شعار “الأسد أو نحرق البلد ” لكن لا السلطة ولا المعارضة كانتا تعيان أن ما يحدث في سورية يشير الى بدء مرحلةٍ جديدةٍ من الصراع، اخترقت فيه للمرة الأولى الإطار التقليدي الذي كان يتحرك فيه، ويشترط قواعد جديدة للاشتباك، ومهماتٍ تتناسب مع حجم المشاركة الشعبية الواسعة في طابعها التغييري، لجهة بدء عملية الانتقال السياسي وإقامة البديل الوطني الديمقراطي، ولهذا كان على المعارضة إن تتوحد وتعمل في إطارٍ جديدٍ ومغايرٍ لما كانت عليه في الماضي. حركةٌ جديدةٌ في شعاراتها وأدواتها ودرجة تمثيلها لأوسع الفئات والقطاعات الشعبية، بمعنى آخر كان على المعارضة أن تتوحد في حركةٍ جديدةٍ تختلف كليّاً أو جذرياّ عمّا كانت عليه السلطة السابقة، وما مارسته من موبقاتٍ وفسادٍ واستحواذٍ واستفرادٍ وفئوية. إلّا أن هذه المعارضة واجهت منذ البداية خطراً يهدد وجودها ويلغي كيانها، تمثَّل هذا الخطر في العفوية وغياب التنظيم والقيادة، وضعف تماسكها السياسي والإعلامي والإيديولوجي، فانتشرت الأطر والهيئات التي ادّعت تمثيلها وقيادتها للثورة دون أن تكون في حقيقة الأمر كذلك، الأمر الذي مكّن النظام من النجاح في خلق عوائق بينيةٍ ورئيسيةٍ بين مكونات الشعب السوري، وتعامل مع كلٍّ منها بطريقةٍ مختلفة، ورسم لكلٍّ منها سياسةً خاصة، ففي البداية حاول استمالة الكرد بتجنيسهم وإعطاء مزايا ومكاسب لبعض القوى، ودعوتهم إلى لقاء رأس النظام، كما استطاع استمالة الطائفة التي ينتمي إليها من خلال تخويفها وترويعها من خطر الإرهاب، وبأن جوهر الصراع هو صراع وجود أو لا وجود. وقد سهّلت المعارضة مهمة النظام في توجهاته الطائفية هذه من خلال خطابها الذي استعدى المكونات، وافتقد إلى اللغة الوطنية الجامعة، واصطدم بعائق القومية والطائفية والإسلام الجهاديّ مما وضع قسماً كبيراً من السوريين في خدمة الثورة المضادة وأدّى إلى خروجهم من دائرة المواجهة، وتكشّفت المواجهة بين القوميّ والطائفي في أكثر من مكانٍ وموقع، وتعمّد النظام تكريس هذه المواجهة في محاولةٍ منه لكسب الأقليات وإظهار نفسه كحامٍ لها من التيارات الأصولية والجهادية، وعمل في الوقت نفسه على إبقائها أسيرةً لعلاقات الولاء والتبعيّة السابقة.

لقد رعى النظام الإرهاب والتطرف، وتحوّل من شكله الديكتاتوري إلى شكله الفاشيّ، حين عجز عن استمرار سيطرته وتأمين هيمنته الكاملة على المجتمع بالطرق التقليدية في نظام ديمقراطيته الشكليّة، لذلك ارتدّ ضد هذه الديمقراطية الجوفاء، وعمل على تعميم القمع والإرهاب مستنداً إلى قطاع الجيش والدولة والفئات الشعبية البسيطة، وإلى دعم إيران وروسيا وميليشيات حزب الله وبعض الدول الأخرى، وحاول تحويل الصراع القائم إلى صراعٍ طائفي، وسعى إلى ضرب المكونات ببعضها، معتمداً الحلّ الأمني والعسكري، بتشجيعٍ ودعمٍ من القوى الإقليمية المتحالفة معه وخاصةً إيران.
أخيراً يجب الإقرار بفشل قوى الثورة في إظهار حقيقة الصراع القائم كصراعٍ بين موقعٍ وطنيٍّ تمثّله هذه القوى، وبين موقعٍ فاشيٍّ تمثله قوى السلطة والإرهاب والفساد، وفي فهم حقيقة الثورة السورية التي كانت ستشكّل انعطافاً ونقطةً مفصليةً في تاريخ سورية والمنطقة والعالم.

برومو الشهيد ناجي الجرف