ملف

سورية المستقبل كمشروعٍ وطنيٍّ شاملٍ طريق الحلّ لبناء الهويّة الجامعة من جديد

سورية التي ماتت، سورية التي يجب أن تعيش

جبر الشوفي

واقعياً دشّن السقوط المدويّ لمدينة حلب، وعملية تفريغها من سكانها التاريخيين، سقوط الوطنية السورية التي كانت، ثمّ تهالكت وانهارت هي وكلّ مرجعياتها السياسية والاجتماعية والثقافية، وأثبتت الوقائع أننا جميعاً على طرفي الصراع (نظام وقوى ثورية مضادة) لم نكن إلا قُرباً نُفخت في الهواء الحزين، لتغدو مساحةً للعبث والخيبة والمرارة والانكسار، فهل آن الآوان لإعادة بنائها من حجارتها نفسها؟ ولكن بهواءٍ جديدٍ وحرفيّةٍ مهنيةٍ تتطلّع إلى وطنيةٍ سوريةٍ أخرى، تبنى على أنقاض قرن (سايكس بيكو) وكل ما مثلته من تجارب الحبّ والحرب والبناء، التي كانت أساساً للتهالك والخيبات المتراكمة، حتى أفقدتنا كلّ نواةٍ صلبةٍ وضروريةٍ لبناء سورية المستقبل، في سبيل تحويل خيباتنا المتكررة حافزاً وعملاً يومياً، لمجاوزة التحّسر والندم على الماضي المهزوم، وفي سبيل بناء وطنيةٍ حضاريةٍ متقدمةٍ وجديدة!

نعم قد يقف النجاح في بناء الوطنية السورية الجديدة على قمةٍ من فشلٍ نوعي، تراكم حتى صار دالةً على غياب الإرادة الحرّة الموحدة للسوريين، وعلى ضعف إمكانياتهم في بناء عملٍ مؤسسيّ ممنهج خلف رؤيةٍ نظريةٍ متكاملة، رغم ما عُرف عن امتلاك شبابهم طاقاتٍ مهنيةٍ وعلميةٍ هائلة، وروحٍ شبابيةٍ خبيرةٍ فائرة، ولكنها وعبر التجربة ظلت طاقاتٍ فردية مهدورة، راحت تعبّر عن نفسها وتؤكد وجودها في محاولاتٍ للتسابق والتشاطر، ولذا لم تستطع أن تنهض بعمل الجماعة ولا بروحها، لتخرج من حالة التشتت والتنازع وتورُّم الأنا الفردية والفئوية الحزبية والطائفية والإثنية. على حين أجاد الغرب استغلال طاقاتهم وتنظيمها واستثمارها في ماكينته الإنتاجية، من دون أية مشكلاتٍ من هذا النوع الذي يظهر عندنا، مما يدلّ على أنّ غياب منهجية العمل المنظم وإرادة تنفيذه، لهما الدور الأكبر في هذه النتيجة المخيبة.

يسهل علينا أن نحمّل المسؤولية لطبيعة الأنظمة المستبدة، التي حوّلت المؤسسات الوطنية والعاملين فيها إلى أدواتٍ تابعةٍ وظيفياً وإدارياً لوظائفه الأمنيّة. ولكن هل يعفينا هذا من البحث الجادّ عن أسبابٍ ذاتيةٍ أخرى؟ قد تكمن هذه الأسباب في فساد معايير الشفافية الاجتماعية والسياسية وغياب روح المسؤولية في أسرنا ومدارسنا وجامعاتنا، التي ظلت تكرّر أجيالنا المتلاحقة على نفس وتيرتها ونمطيتها، من دون تربية وجدانها الوطني العام، إن لم يكن بالضدِّ منه، ثمّ أورثت كل أمراضها لنا كلنا، على تباين اصطفافاتنا، حتى في مؤسسات المعارضة التي يفترض أنها ثارت على نظام الاستبداد، وبنت بديلاً يتمتع بالكفاء والقدرة وروح التشارك والشعور بالمسؤولية العالية والتفاني في خدمة مصالح هذه المؤسسات على اعتبارها مؤسساتٍ ثورية، تنطوي على الأهداف الوطنية الديمقراطية العليا، ولكن الواقع أثبت أنها لا تقلّ استهتاراً ولا ضعف مسؤوليةٍ وفوضى وفساداً عن المؤسسات التابعة للسلطات المستبدة الفاسدة، إن لم تتفوق عليها، لعدم وجود أيّ ضابطٍ معياريٍّ وقيميّ، وجهاز مراقبةٍ ومحاسبةٍ يدقق في أعمالها ونتائجها وأخلاقية القيّمين عليها.

وإذا كان النجاح ضرورتنا الوحيدة، للنهوض الوطني الديمقراطي، فإنّ هذه الضرورة، لاتقوم إلا على مشروعٍ وطنيٍّ جامعٍّ وشامل، يُبنى على التشارك التام والمسؤولية والمرجعية الواحدة والنظر لكل السوريين أفراداً وجماعاتٍ إثنية ودينية، بوصفهم كوادر وطنية بنّاءة، ترتبط أهيمتها وتميّزها بما تمتلكه من إمكانياتٍ وقدرات، وبما تبذله من جهودٍ وتضحيات في سبيل ذلك.

إذ لم يعد مقبولاً أن يصنِّف العالم المتحضر الفردَ المواطن باعتباره رأس المال الوطنيّ الأثمن والأهمّ، ويظل عندنا أداة ابتزازٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ وثقافي، وأن نربط تميّزه وارتقاءه،بمقدار ما يقدّمه من خدماتٍ للسلطة أو لهذه الجهة المستبدة الفاسدة أو تلك!

يفترض بالسوريين المعنيين ببناء الهوية المستقبلية الجامعة اليوم، أن يتوحّدوا خلف مشروعهم الوطنيّ الجديد، بعد أن أيقظتهم سكاكين الطغاة والمحتلين، وفرّغت مدنهم من سكانها، وهم بنية استقرارها وتوازنها وقوة صمودها، في وجه التغيير الديمغرافي والخضوع السياسي لصالح مشروعٍ فارسيّ، أداته نظامٌ لم يعد يخجل من إعلان تابعيته الكاملة لإيران، ودفع ثمن هذه التابعية من حقوق السوريين في أمنهم واستقرارهم وظروف عيشهم وثروات بلادهم، حتى جرّدهم من كل عوامل صمودهم المادية والمعنوية والنفسية، فوجدوا أنفسهم عراةً في الساحة الدولية بين أيدي دولٍ تتنازعهم، وتستثمرهم كرؤوس أموالٍ خاصة في ماكيناتهم الإنتاجية، وأوراق ابتزازٍ في بازارها السيسيو دبلوماسي، من دون أيّ حسابٍ لمصالحنا الوطنية، حتى بات دم السوريين مادةً للمقايضة الرابحة في أيديهم الماكرة.

لقد بات واضحاً أنّ الردّ الوحيد والممكن على كلّ ذلك، يكمن في وضع سورية المستقبل كمشروعٍ وطنيٍّ شاملٍ وجامعٍ أمام أعيننا، وأن نلتف ونتشارك عرباً وكرداً وآشوريين وتركمان وغيرهم، وأن نتفاعل جميعاً في سبيل إنجاحه، لأن في نجاحه نجاح إعادة انتمائنا لسوريتنا كهويةٍ جامعةٍ مانعة، ومن أجله بل من أجلنا يجب أن نعيد بناء استراتيجياتنا الوطنية بمشاركةٍ فاعلة من جميع المؤمنين بسورية وطناً للتشارك القومي والديني والاجتماعي، وأن يترافق ذلك مع خطةٍ منهجيّةٍ مبرمجةٍ للتحوّل السياسي نحو الديمقراطية، بكل ماتحتاجه من بنى وأسس بناء اقتصادية وثقافية تنويرية، تحقق إزاحة (التابو) الاجتماعي والديني والسياسي الأمني، عن مناقشة قضايا الفكر في مشكلاتٍ لا زالت تتحدى وعينا وإرادتنا وتقف عقبةً في طريق نهوضنا، وأهمّها في المرأة والدين والسياسة، وبما يقيم أود الاجتماع الوطنيّ الحداثي، على أقانيم الحرية والديمقراطية في دولة المواطنة، بوصفها هويةً سوريةً يتشارك في صيانتها وتعزيزها الجميع، على تنوع ثقافاتهم ومعتقداتهم، وبممارسة حرياتهم الشخصية والعامة، برعاية الدولة الحداثية الحيادية والمحتكرة الوحيدة للعنف المبرمج، في خدمة المصلحة العامة للمجتمع.

كان غياب هذا المشروع الوطني الجامع من الأسباب الرئيسية التي أضعفت القوى الثورية السياسية، فبعد أن ذهبت القوى العربية إلى تأسيس المجلس الوطني السوري 2011، التفّت كثيرٌ من القوى الكردية حول مشروعهم الكردي الخاص لفترةٍ من الزمن، فلحق الضرر الكبير بالمشروع الوطني المشترك، كما لحق بمشروعهم الخاص بنفس القوة والإضعاف، وإن غيابه أو تأجيله في الوقت الحالي، ينعكس سلباً على الانتماء الوطني، إذ لا وطنية حقيقة بلا مشروعها الوطني أو خارجه أو بديلاً عنه، ذلك لأن غيابه وتمييعه أو احتكاره من فئةٍ تدّعيه دون غيرها، لا يصبّ إلا في خانة الأعداء الداخليين والخارجيين، ولا يعبّر إلا عن فشل السوريين في معركة التحدي الشرس الذي يواجهونه، إذ أن بديله هو أن يتحول السوري إلى غجريّ هذا العصر، ويتجول منبوذوه في الأصقاع والبلدان بلا هويةٍ ولا انتماء.

برومو الشهيد ناجي الجرف