ملف

حسن النيفي:”أثر الإيديولوجيا على إخفاق المشروع الوطني في سورية”

أثر الإيديولوجيا على إخفاق المشروع الوطني في سورية

(ملاحظات أولية)

 حسن النيفي

ثمة ما يوجب الحديث عن أزمة (مشروع وطني سوري) يحمل تطلعات السوريين ويجسّد نزوعهم نحو التحرر ونيل الحقوق المهدورة، ويرسم لهم سبل العيش الكريم في وطنٍ يتمتع جميع أفراده بذات الحقوق والواجبات، ولعلّ من أهم هذه الموجبات مرور ست سنواتٍ على انطلاقة الثورة السورية التي كانت غنيةً جداً بكشوفاتها الثقافية والمعرفية، ولكن دون أن يكون لهذا الغنى المعرفي تفاعلٌ حقيقيٌ مع المسار الثوري،  بل ظلَّ في غالب الأحيان نشاطاً نظرياً محايداً خارج السياق الاجتماعي للواقع، ولم يتحوّل إلى حوامل حقيقية لمشروعٍ وطنيٍّ عام.

ربما تتعدد الأسباب التي حالت دون تأطير نضالات السوريين وتضحياتهم في مشروعٍ جامع، مما يجعل الحديث عنها مجتمعةً مُتعذراً في ورقةٍ كهذه، لعلّ هذا ما يجعلنا نفرد الحديث حول ظاهرةٍ واحدة، نعتقد أنها من أهم معوّقات المشروع الوطني في سورية، وهي:(الإيديولوجيا) بتجلياتها المختلفة والمتنوعة، وكما مارستها القوى والأطراف الحاملة لها، مع التأكيد الدائم على أن أزمة الإيديولوجيا ليست راهنة الولادة، بل هي امتدادٌ للأزمة ذاتها التي بدأت ملامحها بالتشكّل في بداية القرن العشرين، ثم تبلورت في ما بعد مرحلة الاستقلال، ومازالت تداعياتها حاضرةً حتى وقتنا الراهن.

ثمة بنى فكريةٌ أربع، شهدت سورية تجلياتها منذ بداية القرن العشرين، تتمثل بالآتي:

1- (الإسلاميون) لا يرون سبيلاً للنهوض إلّا ببناء دولةٍ قائمةٍ على الاحتكام للشريعة الإسلامية.

2- (القوميون) يعتقدون أن العائق الأكبر في طريق نهضة الأمة هو التجزئة، والردّ الأمثل على هذا العائق لن يكون إلّا بقيام الوحدة العربية الشاملة.

3- (الماركسيون) وجدوا في الاشتراكية التي تضمن حقوق المنتجين كما تضمن التوزيع العادل للثروة، سبيلا لبناء مجتمعٍ مثالي.

4- (الليبراليون) يرون أن الديمقراطية وحقوق الفرد هي المشروع المنقذ من القمع والتهميش والاستعباد والظلم.

ما يَسِمُ خطاب هذه البنى مجتمعةً هو نبرةٌ وثوقيةٌ يقينية لا تحتمل النسبية، تدّعي امتلاكها المطلق للحقائق، وهذا ما يجعلها لا تتأسس على بناءٍ معرفيٍّ فحسب، بل على إيمانٍ عقائديٍّ غالباً ما يستند إلى مرجعيةٍ نصّيةٍ مقدّسة. بل غالباً ما أدّى طغيان الجانب العقائدي على الجانب المعرفي إلى غياب أي حسٍّ نقديٍّ يتيح للمرء القدرة على المراجعة الذاتية وإعادة النظر في مجمل التصوّرات القارّة في الذهن.

أزمة (الآخر)

ثمّة رغبةٌ شديدةٌ لدى هذه المنظومات الأربع في تحصين الذات من أيّ مؤثّرٍ خارجيٍّ قد يؤدّي إلى اختراق النسق العقائدي الذي يرفض التفاعل والتلاقح إلّا بمقدار ما يخدم هذا التلاقح القناعات المسبقة لديها.

لقد أبدى القوميون والماركسيون انفتاحاً ثقافياً على الغرب،  إلّا أن هذا الانفتاح كان مسكوناً بعداءٍ سياسيٍّ شديد، فالغرب هو الاستعمار الذي هو أصل البلاء والتجزئة بالنسبة إلى القوميين، وكذلك هو النظام الرأسمالي العدوّ الأول للاشتراكية عند الماركسيين. أمّا الإسلاميون فوجدوا في الموروث الإسلامي ما يغنيهم عن أية إضافةٍ خارجية، بل نظروا إلى أي وافدٍ ثقافيٍّ غربي نظرةً ملؤها الريبة والشك لأنه وباعتقادهم يهدف إلى اختراق وخلخلة بناءٍ ثقافيٍّ فكري يقترب من التقديس، فبات الدفاع عن الموروث دفاعاً عن الدين الذي هو المُستَهدف الأول من جانب الغرب وفقاً للإسلاميين، وعلى نقيض ذلك، يبدي الليبراليون مناهضةً شديدةً لمجمل البنى التراثية الفكرية والثقافية والدينية، ليقينهم أن معطيات الحداثة إنما انبثقت من مصدرين اثنين، الأول: اقتصاد السوق. والثاني: الديمقراطية، وكلا المصدرين هما من منتوج الغرب الثقافي والسياسي، فضلاً عن كونهما الضامنين الحقيقيين لبناء دولة التقدم والحضارة، أمّا الموروث العربي الإسلامي بمعظم جوانبه فوجوده أو استلهامه ليس أمراً نافلاً فحسب، بل عائقٌ أساسيٌّ من عوائق النهضة وفقاً لليبراليين.

الحوامل السورية للإيديولوجيا

لقد ظهرت هذه الإيديولوجيات الأربع في سورية على تفاوتٍ نسبيٍّ من حيث الأسبقية، إلّا أنها اتخذت درجة التبلور فيما بعد مرحلة الاستقلال، واستمرّت في مسارٍ تناحريٍّ حيناً، ومتهادنٍ حيناً آخر، وذلك بحسب المصالح والتحالفات السياسية التي تقتضيها مصلحة كلٍّ منها، موازاةً مع عدة عوامل أسهمت في استنباتها، ومن ثمّ استمرارها إلى بداية السبعينيات، ولعل من أهمّ تلك العوامل:

1- حدوث النكبة عام 1948، فالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين أحدث انعطافاً هائلاً على المستوى الفكري والسياسي لدى الشعوب العربية والإسلامية على السواء، إذ نظر إليه العرب على أنه تهديدٌ مباشرٌ للذات القومية، وخاصةً على ضوء السياسات الإسرائيلية التي أفصحت منذ بداياتها عن نزعتها الاستعمارية التوسعية (حدود اسرائيل من النيل إلى الفرات).أما المسلمون فقد كان احتلال فلسطين لا يعني لهم عدواناً على الأرض فحسب، بل عدواناً على الدين باعتباره عدواناً على المقدسات، فضلاً عن مجمل النصوص القرآنية التي تجعل من اليهود عدوّاً يجب قتاله.

2- ظهور الاتحاد السوفياتي كقوّةٍ عالميةٍ كبرى، ودعمها ومساندتها لحركات التحرر في دول العالم الثالث، جعل العديد يعتقدون بقدرة الإيديولوجيا الشيوعية بوصفها (نظرية كونية) على إيجاد حلولٍ لمجمل المسائل الوطنية والاجتماعية.

3- ظهور اتفاقية سايكس بيكو التي عملت على تجزيء الوطن العربي، وغذّت شعوراً قويّاً لدى العرب بضرورة الردّ الذي اتخذ شكل الدعوة إلى الوحدة العربية.

كما يمكن التأكيد على أن مجمل العوامل السياسية التي تلت الحرب العالمية الأولى لم تسهم فقط في دفع هذه الإيديولوجيات إلى الظهور، بل أسهمت أيضاً في توفير الطاقة التعبوية والدعوية لها أيضاً، ذلك أن نشوء الأحزاب القومية وحصولها على المدّ الشعبي آنذاك قد حصل نتيجةً لحالة تماهي تلك الأحزاب في حركة التحرر العربي ومقاومة الاستعمار الغربي، وهذا ما جعل المشروع القومي في اعتقاد أنصاره مشروعاً مزدوجاً من الناحية الوظيفية، فهو يهدف إلى التحرر من الاستعمار من جهة، كما يهدف إلى نهضةٍ عربيةٍ شاملة من جهةٍ أخرى. في حين وجد الإسلاميون أن الخطاب الديني النهضوي الذي ظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر انتهى إلى الفشل بسبب نزعته الإصلاحية وافتقاده الجانب الثوري، وبخاصة أن الغرب المسيحي صاحب الحضارة التي نادى الإصلاحيون باستلهامها والتصالح معها، بات هو مصدر خطرٍ وتهديدٍ وجوديّ في نظر الإسلاميين، وبهذا يكون الردّ الأمثل على هذا الخطر هو ما سنّه (سيّد قطب) وقبله (أبو الأعلى المودودي) في مفهوم الحاكميّة، ومن ثم إقامة الدولة الإسلامية وتحكيم شرع الله في وقتٍ أصبح العالم كله سوى سيد قطب ومن تبعه في جاهليةٍ عامة.

هذا النزوع الحاسم في الخطاب الديني وازاه نزوعٌ لا يقل حسماً في الأوساط الشيوعية التي لم ترَ في جهود الإسلاميين سوى خطابٍ ماضوي ذي مرجعيةٍ ميتافيزيقيةٍ ليست باطلةً فحسب، بل يجسّد وجودها والالتزام بها إحدى العوائق الهامة لعملية التقدّم. ولا يختلف الأمر كثيراً وفقاً للشيوعية حين لم ترَ كذلك في الدعوة القومية سوى تكريسٍ لسلطة البرجوازية التي يجب التخلص منها للانتقال إلى الاشتراكية. في الوقت الذي أصرّ فيه الليبراليون على وضع الدين والعلم في (ثنائيةٍ ضدّية) لا بدّ أن تنتهي بانتصار العلم.

لقد عبّر هذا الصراع الإيديولوجي عن ذاته أنصع تعبيرٍ في نهاية الأربعينيات، وحتى قيام دولة الوحدة بين سورية ومصر عام 1958،  وذلك من خلال قوىً سياسية باتت واضحة التأثير على الواقع السوري وهي(جماعة الإخون المسلمين- الحزب الشيوعي السوري- حزب البعث العربي الاشتراكي- بالإضافة إلى قوىً أقلُّ تأثيراً كالحزب القومي الاجتماعي، والحزبين التقليديين كالحزب الوطني وحزب الشعب).

يرى الكثيرون من الشيوعيين خاصةً أن قيام دولة الوحدة بين مصر وسورية قد أوجد مخرجاً لأزمةٍ سياسيةٍ حادة في سورية، وهذا المخرج كان نافذة الخلاص للبعثيين الذي قبلوا حلّ حزبهم لقاء قيام الوحدة، ولكن مهما كانت صحة هذا الرأي أو بطلانه، فإن قيام دولة الوحدة لم يُسهم في تخفيف حدّة الصراع الإيديولوجي، بقدر ما كرّس هذا الصراع، ذلك أن قرار قيادة دولة الوحدة بمنع نشاط الأحزاب لا يعني قناعة معتنقي هذه الأحزاب بالتلاشي والتماهي مع ما تريده السلطة، بقدر ما كان شعوراً بالإقصاء والاستفراد بالقرار، ومصادرةً للحياة السياسية.

وكما لم يكن قيام الوحدة مصدر حلٍّ للصراع الإيديولوجي في سورية، كذلك لم يكن الانفصال الذي وقع بعد ثلاث سنوات 1961 وما تبعه من أحداث، إلا عاملاً آخر في تأجيج الصراع وبلورته، إذ كان انقلاب الثامن من آذار 1963 إيذاناً شديد الوضوح باستمرار نهجٍ سياسي لم يكن مقطوع الصلة بمرجعياته الإيديولوجية. أعني أنه من الضروري جدّاً التأكيد على أن مصدر العقم والخطأ في الإيديولوجيات التقليدية التي سادت في سورية لا يكمن في ممارساتها أو تجلياتها السياسية فحسب، بل في منظوماتٍ وبنىً فكرية كانت قد تكوّنت ليس نتيجةً لتراكمٍ معرفيٍّ حاول استقراء الواقع، بل نتيجةً لهواجس سياسية ربما كان لها ما يبررها في ذلك الحين، ولكن العمل على استمرارها وتأبيد مفاهيمها فيه الكثير من إلغاءٍ للتاريخ والفكر ولسنن التطور البشري.

لم تعد الدعوات الإيديولوجية في عقدي الخمسينيات والستينيات في سورية مجرّد نشاطٍ إعلاميٍّ يهدف إلى حيازة حاضنةٍ جماهيريةٍ فحسب، بل حاول التعبير عن نفسه من خلال جهدٍ فكريٍّ نظري وذلك من خلال نمطين:

1- نمطٌ مؤسَّس (بفتح السين): ويتمثل في مجمل النتاج الثقافي الذي اعتمد على مرجعياتٍ سابقة باعتبارها (نظريات كونية) قادرة على تقديم إجاباتٍ وحلولٍ مستدامة لكل مستجدّات الواقع، فالإسلاميون لا يرون في الدين طقوس عبادةٍ فحسب، بل دستوراً حياتياً متكاملاً، صالحاً لكل زمان ومكان. إلّا أن انهماكهم الفكري واشتغالهم على القضايا والمستجدّات السياسية والاقتصادية المعاصرة كان محكوماً بسلطة النصوص المرجعية المقدّسة، ممّا جعل معظم جهودهم تنصرف نحو التأصيل الذي استنفد منهم الكثير، وانتهى في حالاتٍ كثيرةٍ إلى نتائج فيها الكثير من العسف والخلط، كما أنّ جهودهم الفكرية التي تحمل في ملامحها نزعةً اجتهاديةً كانت تصطدم على الدوام بمنظومةٍ فقهيةٍ تنتمي إلى عهودٍ سحيقة، قلّ من استطاع من المفكرين الإسلاميين خلخلتها أو إعادة إنتاجها وفقاً للمعطيات الحياتية المعاصرة، الأمر الذي يجعل رجالاً كأبي الحسن الأشعري والغزالي وابن تيمية، ثم من بعدهم أبو الأعلى المودودي وسيد قطب، تخوماً مرجعيةً يصعب أو يستحيل تخطّيها. ثمة إشكاليتان مازالتا موضع جدلٍ و وخلافٍ دائمين في أوساط التيار الإسلامي في سورية، وهما (الخلافة وأصلها الشرعي، الحاكمية) وغالباً ما يتم الالتفاف عليهما دون صدور موقفٍ واضحٍ وناصع، أمّا على المستوى الضمني للخطاب الإسلامي في سورية فغالباً ما يطغى الزخم السياسي دون عنايةٍ كافيةٍ بالشأن الاقتصادي أو التنموي أو الاجتماعي كشؤون المرأة وسوى ذلك.

يكاد يكون مبدأ (الحتمية) قاسماً مشتركاً بين الإسلاميين وخصومهم الماركسيين، وذلك وفقاً لشمولية وكونية النظريتين، فالماركسية وفقاً لمعتنقيها، منظومةً شاملةً غير مرتبطةٍ أو مقرونةٍ بتجربةٍ تاريخية محددة، وعلى هذا الأساس يمكن استلهامها وتطبيقها في أيّ حيّزٍ كونيٍّ من الأرض، وهذا ما أدّى إلى معاينة الواقع من جانب القوى الشيوعية معاينةً ذهنيةً أدت في كثيرٍ من الأحيان إلى تفصيل الجسد على الثوب وليس العكس. فلم تظهر في سورية برجوازيةٌ وطنيةٌ كما كانوا ينتظرون،  وكذلك لم تظهر طبقة (بروليتاريا) لتقوم بمهمة الانتصار على رأس المال.

2- النمط المؤسِّس (بكسر السين): على الرغم من التأثّر الواضح لروّاد الفكر القومي العربي بنشوء القوميات في الغرب، وبخاصةٍ النظرية الألمانية في نشوء الأمة، إلا أن ثمة جهداً كبيراً قد بذله بعض المفكرين القوميين العرب من أجل تكييف المعطى الثقافي الغربي مع الواقع العربي الراهن، بغية إنتاج تصوّراتٍ حاضنةٍ لنهضةٍ عربية مأمولة. وهذا ما مارسه بحق أبرز مثقفي التيار القومي بشقيه البعثي والناصري في مرحلة ما بعد الخمسينيات، ولئن كان ميشيل عفلق في قد أرسى في كتابه (في سبيل البعث) دعائم الفكر الانقلابي، فإن نديم البيطار في كتابه (الإيديولوجيا الانقلابية) مضى ليؤكد على هذا النهج من التفكير، إذ يرى كلاهما أن الثورة إنما تعني عمليةً سياسيةً جامحةً تقوم بأدائها مجموعةٌ من(الصفوة) وتكون هي القائدة للمجتمع، ولم تكن عملية التغيير لديهما قائمةً على وعيٍ اجتماعيٍّ حقيقي يدرك طبيعة المعوّقات الكابحة للتغيير المنشود. فالثورة هي فعلٌ برّانيّ يقوم به أناسٌ معدودون وليست حراكاً اجتماعيا ينبثق من داخل المجتمع، وربما هذا ما أجاز من وجهة نظرهم لمن يقوم بالعملية الانقلابية احتكار السلطة، باعتباره (الصفوة) التي نهضت بالانقلاب. ولعلّ هذا التفكير المُستساغ هو ما دفع نديم البيطار إلى طرح نظريته المعروفة حول الوحدة العربية في كتابه -من التجزئة إلى الوحدة-( الشخصية الكارزماتية – إقليم القاعدة).

وعلى امتداد عقودٍ من الزمن، يبقى الحديث الزاخر بالعنفوان عن الوحدة العربية الشاملة مقروناً بتحرير فلسطين ومقاومة الاستعمار وهموم الأمة، هو الخطاب المهيمن على منطق الإيديولوجيا القومية، موازاةً مع غيابٍ شبه كامل للحديث عن مفهوم الدولة، وغياب الحريات وضرورة الديمقراطية ووجوب البحث في سبل التنمية الاجتماعية، وحقوق الأفراد ومسائل تداول السلطة سلمياً، الأمر الذي أدى بهذا الخطاب إلى أن يكون مهاداً نظرياً مناسباً للحكم الشمولي والاستبداد.

لقد انتهت معظم هذه الإيديولوجيات إلى الانفجار، وعوامل انفجارها كانت من داخلها في الغالب الأعم (الماركسية- القومية)، وما بقي منها فإنه في حالة تشظٍ وانفلاتٍ فكري لا تخفى على أحد (التيارات الإسلامية). لقد آذن فشل هذه الإيديولوجيات جميعها إلى ظهور مجمل موبقاتها ولوثاتها التي انعكست على الثورة السورية، فالقوميون(الممانعون) الذين رفعوا شعار الوحدة العربية الشاملة انتهوا إلى تحالفٍ مع ميليشياتٍ طائفيةٍ لقتل شعوبهم في سبيل البقاء في السلطة، والماركسيون مصرّون على إفراغ الثورة من مضمونها القيمي وجعلها ثورة جياع ليثبتوا حتمية انتصار البروليتاريا، والليبراليون ماضون في ممارسة ترفهم الثقافي والفكري الذي لا يقبل النزول من برجه العاجي ليستبصر تجليات الواقع كما هو، أما الإسلاميون فقد عاجلوا إلى افتراس الثورة من بداياتها، فأزاحوا بالقوة كل ملامح الحراك الثوري الشعبي لتحلّ محلّها تنظيمات وفصائل(القاعدة ومشتقاتها).

إنّ نقد الإيديولوجيا التقليدية لا يعني بحالٍ من الأحوال، أنها لم تقدّم أو تراكم كمّاً معرفياً أو إرثاً ثقافياً يمكن الاستفادة منه، بل ما قدّمته فيه الكثير من الفائدة لو أنه جاء في نسقٍ تكامليٍّ يُكمل بعضه بعضاً ولا يتصادم معه أو ينفيه. لقد برعت كلُّ منظومةٍ فكريةٍ في جانبٍ معرفيٍّ محدد، ولو كانت أبواب ونوافذ هذه المنظومات الأربع مفتوحةً على بعضها البعض لأنتجت بناء معرفياً جليلاً يمكن الركون إليه، واعتباره مدخلاً نهضوياً حقيقياً إلى عالم الحداثة والديمقراطية، وهذا ما ندعو إليه ونتمناه.

برومو الشهيد ناجي الجرف