ملف

رعد أطلي:”لماذا لسنا سوريين”

لماذا لسنا سوريين

رعد أطلي

كثُر الحديث في العام الماضي وما زال يطّرد في التوسع حول مفهوم المشروع الوطني الجامع، وأسس وحوامل وعوامل نجاحه، وكلّما أُشبع الحديث نقاشاً ظهرت فروقات أكثر بين جميع السوريين في تحديد ملامح المشروع الوطني ومبادئه ومرتكزاته الرئيسية، وترى الجميع يتفق على صياغاتٍ محددةٍ ومنمقةٍ ومثالية مرتبطةٍ بعموميتها بمفهوم دولة المواطنة المبنيّة على أساسٍ معرفيٍّ حداثي، ولكن يجري الحديث عن مبادئ توضّح دائماً مكتسبات دولة المواطنة، في حين يتمّ التغاضي عن استحقاقاتها حتى يبدو جليّاً الخلاف على تلك الاستحقاقات ما إن يحاول الجميع وضع الخطوات الإجرائية.

إنّ تجارب الشعوب على مرّ العصور، وخاصةً منذ الربع الأخير من القرن الثامن عشر وحتى اليوم تمنح المهتمين في بناء الدولة المناسبة لإمكانيات وملكات وقدرات ومستويات الجماعة على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية خميرةً واسعةً للمراجعة والدرس والتمحيص، ولكن في نهاية الأمر بناء الدولة هي تجربةٌ فردانيةٌ تعتمد على مواصفات الجماعة التي يتم السعي من خلالها لبناء دولةٍ ومجتمعٍ خاص بها وبظروفها، ولكن من كلّ التجارب عبر تاريخ تشكّل الدول بالمعنى الحديث كانت الهوية هي الأساس المركزي الذي يمكن أن تبني عليه الجماعات مشاريعها في قيام الدولة التي يسعون لأن يكونوا مواطنيها، وفي كلِّ المراحل التاريخية التي مرت بها سورية كانت هنالك أزمةٌ ما بين أفرادها حول هويتها، وتجلّت الأزمة بأوضح صورها وأبشعها في الثورة السورية التي انطلقت منذ ست سنوات، فالحرب بطبيعتها تستدعي البحث عن الأمان، أو في حال انعدامه تماماً عن الأقل خطراً، وبذلك لا تبرز الهوية باعتبارها حمائيةً فحسب، وإنما أيضاً باعتبارها تملك أولويةً لدى الفرد والجماعة الذين هم بطبيعة الحال مركّبٌ من هوياتٍ متعددةٍ على مستوياتٍ مختلفة، يحدد أكثرها تأثيراً على الفرد، وشعوراً بالانتماء إليها حالة التباين بينه وبين الآخر في تعريفه لنفسه، فيصنف نفسه سورياً، أو عربياً، أو كردياً، أو علوياً، أو مسيحياً، أو درزياً أو سنياً، إلى غير ذلك من الهويات التي تشترك في تركيبة الفرد. ولم يعد خافياً أنّ المجتمع السوري يعاني من حالة ضعف في الانتماء للهوية الوطنيّة السورية، أو من حالة غيابٍ كاملٍ لها إن تجرأنا على القول، ولا بدّ أن لذلك الغياب أسبابه الموضوعية والذاتية.

من أهمّ الأسباب الموضوعية هو الطريقة التي نشأت فيها الدولة السورية والمراحل التاريخية التي مرّت بها، وليس المقصود هنا ترسيم الحدود دون مراعاة التداخل العرقيّ والإثني؛ خاصةً في ظلّ ظلمٍ تاريخيٍّ وقع على الكرد أثناء تقسيم الدول ومنحها صفاتٍ قوميةٍ على الأساس العرقي، وإنما المراحل التاريخية وأنظمة الحكم التي مرّت بها الدولة السورية؛ مما منعها من التطور الطبيعي لبناء مواطنيها هويتهم السورية الخاصة بهم كما جرى مع التجارب المماثلة في الغرب، فمفاهيم الوطن والمواطن بمعناه الحديث وسيادة الدول والدولة القوميّة كانت قد توضّحت وترسّخت في العالم مع ثبات الحدود في أوروبا المتحاربة إثر صلح (وستفاليا) الذي رسم حدوداً سياسيةً واضحةً لها حرمة “سيادة الدولة” لأوّل مرةٍ في التاريخ، وكما أنّ الدول في شرق أوروبا والشرق الأوسط نشأت عن سقوط السلطنة العثمانية واضمحلالها، كان الأمر كذلك في أوروبا بعد اضمحلال الإمبراطورية المقدسة والملكيات الإقطاعية لصالح الدولة القومية، ولم تولِ معاهدة (وستفاليا) أية قيمةٍ سياسيةٍ خارجية للتكوين الديموغرافي أو الانتماء الديني والقومي، فمن الممكن أن ترتبط مجتمعاتٌ عدّةٌ بروابط قومية أو دينية أو إثنية، ولكنها باتت تعيش في كياناتٍ منفصلةٍ سياسياً، وبذلك لم يعد الدين أو العرق روابط ذات جدوى ومعنى سياسي، ولعل بلجيكا وهولندا أكبر مثالٍ على ذلك. تطورت الدولة القومية التي تشكّلت حينها، والتي ساهم توالي المراحل التاريخية عليها في تكوين خبراتٍ واحتياجاتٍ معينة من الدولة القومية الشمولية إلى القومية الإصلاحية فالديمقراطية، ومن ثمّ دول المنفعة العامة، لتصل إلى دولة المواطنة والرفاه الاجتماعي، وترسّخت فكرة علاقة المواطن بالوطن التي انطلقت منذ الثورة الفرنسية وقبلها الأمريكية وإلى اليوم على مجموعة الحقوق والواجبات الدستورية التي تشكّل العقد بين المواطن والدولة التي ينشأ فيها،

ونمت تلك العلاقة على حساب الإيديولوجيا الناتجة عن البنى الطبيعية الدينية أو العرقية، أو فيما بعد المبنية على السيادة الشعبية “إرادة الأمة” ليكون للقانون سيادته، وللعمل والأداء الركيزة الأساسية في بناء الهوية. في سورية نرى أن الأمر كان مختلفاً منذ البداية، فقد نتجت الدولة السورية أولاً نتيجة سيطرة القوات العربية على دمشق وإعلانها استقلالها عن الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى، وكان الدستور الأول للمملكة العربية السورية يحدد هوية الدولة السورية بالعربية، ووضحت رغبة سياسيةٌ بإيجاد دولةٍ واحدةٍ تضمُّ كل الولايات العربية وتشكل دولةً قوميةً عربية، ولكن جاء الفرنسيون ونفذوا مع البريطانيين “سايكس-بيكو”، فنشأت دولة سورية بحدودها السياسية الحالية، ولكن باضطرابٍ في الهوية يعتبر الكيان السياسي القائم ليس سوى نتيجة مؤامرة، ومن ثم مرحلةً مؤقتة في الوصول للدولة القومية، ومن ثم وبعد تقسيم الدولة السورية ذاتها إلى دول “حلب، دمشق، اللاذقية، جبل العرب، لبنان” وعودتها عدّة مراتٍ في ظل الوجود الفرنسي خلق ذلك أيضاً تمايزاً أكبر لدى الجماعات الإثنية رغم تشكّل ملامح هويةٍ وطنيةٍ سوريةٍ في مهدها بدت واضحة في دستور 1928، ولكن وبعد الاستقلال وبتأثير النكبة عادت القومية العربية كردِّ فعلٍ قوي على سرقة المجتمع الدولي لفلسطين وتنحيلها باسم اسرائيل، ترافق مع ذلك ظهور استراتيجيةٍ جديدةٍ في التعامل مع المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، ففي فترة الاستعمار حرصت الدول الأوروبية على السيطرة على المنطقة والاستثمار في الاستقرار، في حين تستثمر الولايات المتحدة الزعيم الجديد للعالم حينها في التوتر[1]، وبذلك بدأت تظهر بقوةٍ وبدعمٍ دولي مشكلة الأقليات في العالم عموماً، وفي الشرق الأوسط خصوصاً. هذان السببان أدّيا إلى انتكاسةٍ في الهوية الوطنية السورية وظهور هويات ما فوق أو ما دون تلك الهوية.

أما عن الأسباب الذاتية، فهي تلك الأسباب الناتجة عن رغبة أنظمة الحكم العسكريّة التي مرّت على سورية في تفعيل إيديولوجياتٍ وسياساتٍ ترسّخ سيطرتها وتمنح خطابها الديماغوجي شرعيةً ومتلقين، وكان أكثرها ثقلاً وتأثيراً فترة حكم نظام الأسد، الذي عمل على تشويه كل الحوامل والعوامل الدافعة لبناء الهوية السورية الجمعية، بل ووفر كل العوامل التي تؤدي إلى خلق ردات فعلٍ عدوانية للجماعات المكونة للشعب السوري، فالمنطلق الرئيسي لأيّ جماعةٍ في تحديد هويتها هو تاريخها، وهذا التاريخ ليس مجموعة تلك الأحداث التي حدثت في فترةٍ سابقة، وإنما رؤية الجماعة لتلك الأحداث، وهنا تأتي مهمة الدولة في بناء تاريخ الجماعة، وبالتالي تحديد مرتكزات هويتها، فالدولة لا تكتب تاريخاً، وإنما خطاباً تاريخياً يتناسب والحاجات الراهنة والموضوعية لمجتمعها القائمة عليه، من يقرأ تاريخ الولايات المتحدة في كتبها المدرسية، ليس كمن يقرؤه من كتب حتى مؤرخين أمريكيين على سبيل المثال، وبنظرةٍ سريعةٍ للتاريخ الرسمي لسورية يمكن للمرء ملاحظة مركزة التاريخ حول الأسد باعتباره الأمين ليس على الأمة السورية، وإنما الأمة العربية، وتجاهل كل الرموز الوطنية التي من شأنها أن تشكّل عاملاً آخر في تدعيم الشعور بالهوية، حيث أن فقدان الجماعة للزعامة الكاريزمية التي تحقق للجماعة وحدتها وتماسكها في السعي لهدفٍ مشترك يؤدي إلى إصابة الهوية الجمعيّة في مقتل[2]، وقد قضى النظام على تلك الزعامة إما من خلال تجاهلها والتعتيم عليها تاريخياً، فلا ترى تركيزاً على زعماء الاستقلال كرموزٍ مشتركةٍ للجماعة السورية، فترى على سبيل المثال تأريخاً للشهيد عمر المختار بشكلٍ أكبر من شكري القوتلي أو أحمد مريود أو سطان باشا الأطرش، وعمل النظام أيضاً على ضرب أية محاولةٍ لظهور زعيمٍ ورمزٍ وطنيٍّ أثناء سيطرته، ولعل هذا أكثر ما تعاني منه الثورة السورية.

يلعب التبخيس أيضاً دوراً مهماً في تفسّخ الهوية الجمعية، فتقدير الذات يأتي في صلب الشعور المركزي الخاص بالقوة الحيوية للشعور بالهوية، وبذلك يجعل التبخيس الجماعات ذات طابعٍ عدوانيّ[3] وفي حالة حساسيةٍ وتعبئةٍ مسبقة، وقد عمل النظام على ذلك دائماً من خلال تبخيس جماعاتٍ على حساب جماعاتٍ أخرى في المجتمع السوري من خلال توزيع المهام وصناعة القرارت في الدولة أو عمليات الاستلاب الثقافي من خلال تغليب ثقافةٍ على ثقافةٍ أخرى عبر الهيمنة والإكراه، الأمر الذي نتج عنه ردُّ فعلٍ ظهر واضحاً في الثورة ولكن ليس تجاه النظام فحسب، ولكن تجاه المكونات بعضها البعض، وحتى على الناحية الاقتصادية اتبعت دولة الأسد سياساتٍ في العمل أدّت إلى عدم تنظيمه وانتشار البطالة، وقد أكّدت الدراسات السيكولوجية حول البطالة والعنف على أهمية الاندماج المهني في تكوين الهوية.[4]

يرى ميكيشيللي أن الشعور بالهوية ينطوي على مجموعةٍ من المشاعر المختلفة منها؛ الوحدة والتكامل والانتماء[5]، ويحدّد عالم الاجتماع جورج جرفيتش الجماعة بأنها تقوم على أساس مواقف جمعيّة مستمرة ونشطة، وتسعى لتحقيق هدفٍ مشترك. فما هو الهدف المشترك للجماعة السورية؟ إن ما سبق من معايير ومرتكزات للهوية من خلال الوحدة والتكامل والانتماء يعطي مفهوماً وتعريفاً واضحاً لقوى وجماعات فاعلة في سورية، ولكن ضمن مكوناتها الفوق أو التحت سورية، وبالتالي ضمن محيط هويتها الذي تعرّف من خلالها نفسها، وليس من خلال الهوية السورية، وبذلك تتباين وتتضارب الأهداف في ظل ضعف الهوية الوطنية أو انعدامها.

مشكلة الوطن السوري أنه في نظر الكثير من أبنائه ليس سوى كيانٍ سياسيٍّ مؤقت، فهو قطرٌ من أقطار الوطن العربي، أو يحوي على جزءٍ من الأرض التاريخية للشعب الكردي، أو أرضٍ مسلوبةٍ من قبل المسلمين العرب، أو ولايةٍ من ولايات الخلافة، وليس وطناً نهائياً لكل السوريين، هو في أحسن الأحوال نتاج “مؤامرةٍ” حيكت من مائة عام، ولم يكن يوماً لدى كثيرٍ من السوريين وطناً نهائياً لهم جميعاً.

مما سبق كيف يمكن للمشروع الوطني أن ينجح في غياب المواطنين، المواطنين المنتمين إليه والمعنيين به. نعم قد ينجح إذا ما وقف السوريون أمام أنفسهم مرةً وأدركوا أنهم يملكون هدفاً مشتركاً وعناصر وطاقاتٍ حيويةٍ يمكنهم الاعتماد عليها، تلك الطاقات التي لم يمض سنواتٌ على تهجير السوريين من أوطانهم وهاهي تبرز وتتميز في مختلف أنحاء العالم.

علينا جميعاً حتى ننجح أن ندرك أننا لا نمتلك الركيزة الأساسية التي يمكن أن ننطلق منها في بناء مشروعنا الوطني، الهوية الوطنية الجمعية، وأن ننطلق من خلال معطيات واقعنا، أي أن ننطلق من ذواتنا وإرادتنا في بناء تلك الهوية، من خلال بناء خطابٍ تاريخيٍ جديد، ونظامٍ ثقافيٍّ ومعرفيٍّ للسوريين يكوّن هويتهم الوطنية في الدولة القادمة، وأن نعي أن أحلامنا الإيديولوجية قد ترضينا حيناً، لكنها لن تصل بنا إلى ما يهدف له كل السوريون في نهاية المطاف “الأمان، الحرية، الكرامة، المساواة”، لذا علينا أن نرمي بكل ما آمنا به سابقاً بعيداً مقابل الإيمان بإمكانية بناء هويةٍ وطنيةٍ من خلال المشروع الوطني، وليس البحث عن تلك الهوية لبناء ذلك المشروع، لأنها غير موجودةٍ أو ضعيفة مقابل المستويات الهوياتية الأخرى، مما يستدعي تغييراً في الخطاب والمواقف وبنية التفكير لدينا جميعاً.

[1]  الشرق الأوسط الكبير: حقيقة أم اختراع؟ الدكتور هشام قروي

[2]  الهوية، اليكس ميكيشيللي

[3]  المرجع السابق

[4]  المرجع السابق

[5]  المرجع السابق

برومو الشهيد ناجي الجرف