ملف

ماجد كيالي:”ماهو المشروع السياسي للسوريين أو لأغلبيتهم؟”

مناقشة أولية في ماهية المشروع الوطني الديمقراطي

ماجد كيالي

ما المشروع السياسي؟ ثم ما هو المشروع السياسي للسوريين أو لأغلبيتهم؟

 في محاولة الإجابة على هذين السؤالين ثمة وجهات نظرٍ عديدة يتمّ تداولها في أوساط المعارضين والمثقفين السوريين، لذا فإنني في هذا الشأن أودّ التأكيد على المسائل الآتية:

أولاً، إن المشاريع السياسية الكبرى لا تتحدّد بناءً على ما تعتزم القيام ضده أو القيام بهدمه، على أهمية ذلك، بقدر ما تتحدد، أيضاً، بناءً على ما تنوي إقامته، أي مشروعها للمستقبل. بمعنى أن النظرة لأيّ مشروعٍ سياسيٍّ أو لأيّ معارضةٍ لا تتحدد بدلالة الموقف من النظام القائم، فحسب، بقدر ما تتحدد بدلالة رؤيتها لحقوق شعبها، والمستقبل الذي تعده به.

ثانياً، لا تنبثق المشاريع السياسية من رؤى رغبويةٍ أو ادعاءاتٍ إيديولوجية، وإنما من الواقع الموضوعي لمجتمعٍ متعيّن، في نظامٍ سياسيٍّ متعيّن، في مرحلةٍ تاريخيةٍ معينة، أي نسبةً إلى مستوى التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في البلد المعني.

ثالثاً، في المشاريع السياسية الكبرى لا يجوز لطرفٍ إقصاء أطرافٍ أخرى تجد نفسها معنيّةّ بالمشروع المطروح، مع تفهّم أن قوةً معينةً قد تفرض ذاتها، أو تعمّم خاصّيتها، كطرفٍ مهيمن، بحكم صدقيتها الفكرية والسياسية ومكانتها في المجتمع ودورها في عملية التغيير.

رابعاً، المشروع الوطني الديمقراطي، يتم تعريفه إزاء المشاريع الأخرى، مثلاً: القومي، الإسلامي، الطبقي، دون أن يكون على خصومةٍ معها بالضرورة، حيث كلٌّ منها له أجندته ورؤاه وأولوياته، لكنها كلها لا تضع المشروع الوطني الديمقراطي كأولويةٍ لها، أي أنها لا تضع مصلحة شعبها، في بلدٍ معين، على رأس الأولويات، من الناحية العملية.

في الإجابة على سؤال ما المشروع السياسي للسوريين يمكن القول، وفي نظرةٍ موضوعية، أي من دون إسقاطاتٍ رغبويةٍ أو إيدلوجية، بأننا إزاء ثورةٍ وطنيةٍ ديمقراطية، بمعنى الكلمة، دون أن يعني ذلك نفي طابعها الطبقي.

هذا المشروع في شقه الوطني يعني:

أولاً، إننا إزاء ثورةٍ سياسية، تبتغي استعادة الدولة والسيادة للشعب، وتأكيد حقوق المواطنة، أي أننا إزاء مشروعٍ تتموضع فيه مجمل مكونات الشعب السوري، في إطار هذه الثورة، بهذه الدرجة أو تلك، وتبعاً لعوامل أخرى، بحكم مصالحها، تُستثنى من ذلك الطغمة الحاكمة، والقوى المؤيدة لها، وهي قوى لا تقتصر على فئاتٍ أو مكوناتٍ بعينها.

نحن إذاً إزاء ثورةٍ وطنية، لأنها تواجه نظاماً جعل نفسه خارج الشعب، أو خاصم أغلبية الشعب، باعتبار سورية خاصته، وفقاً لشعاره: “سورية الأسد إلى الأبد”، أو “سورية الأسد أو لا أحد”، فهو لا يعترف بوجود شعبٍ له حقوق، ولا بمواطنين أصحاب حق.

أيضاً؛ هذه ثورةٌ وطنيّة لأن النظام تعامل مع ثورة السوريين كأنه خارج، أو كسلطة احتلال؛ إذ لم ينتهج طريق المساومة، أو الحلً السياسي، وإنما ذهب مباشرةً إلى أقصى الحلول الأمنية، باستخدامه الجيش، وسلاح الطيران. معلومٌ أن سلطة الاحتلال تكون غريبةً عن المجتمع، تقتل أو تقمع شعباً أخر، في حين يفعل النظام أكثر وأخطر من ذلك؛ لأنه يقمع ويقتل في شعبه، أو ما يُفترض أنه شعبه. مثلاً، وبحسب إحصاءات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، نحو 93 بالمائة من الضحايا المدنيين، منذ 2011، سقطوا على يد النظام، 50 بالمئة منهم تقريباً ذهبوا ضحية القصف بالصواريخ والبراميل المتفجرة وقذائف المدفعية والدبابات.

أخيراً، هذه ثورةٌ وطنيّةٌ بمعنى الكلمة؛ لأن النظام فتح البلد على مصراعيه أمام القوات الأجنبية، الإيرانية والروسية؛ ما يعني أن سورية أضحت تقبع تحت احتلالٍ من دولتين، هما روسيا وإيران، وهاتان الدولتان تتحكمان بمصير سورية وشعبها، وبقرارات النظام كذلك.

لذا فإنّ من مصلحة الثورة أن تخاطب جميع الفئات، بغضّ النظر عن انتماءاتها الطبقية أو الطائفية، أو الإثنية أو المناطقية أو السياسية أو الإيديولوجية، وأن تعبّر عن تطلعاتهم، في نظامٍ يكفل حقوقهم.

ثانياً، يفيد ذلك، أيضاً، أننا لسنا إزاء ثورةٍ ذات طابعٍ قومي، لأن الأمر يتعلق بسورية، والنظام والشعب والبلد. كما يعني ذلك أننا لسنا إزاء ثورةٍ إسلاميةٍ أو مذهبيةٍ كما يروّج البعض، عن حسن أو سوء نية، عن بساطةٍ أو عن تقصّد، لأن الأمر يشمل كلّ الشعب السوري، بكلّ مكوناته، وذلك من حيث المصلحة الموضوعية، بغض النظر عن أخذ هذا المكون أو ذاك إلى اتجاهاتٍ أخرى، مترددة أو محايدة أو موالية. لذا فإنّ من مصلحة الثورة استقطاب هذه المكونات، وتعزيز الثقة لديها بالمستقبل المشترك، لا تركها للنظام يتلاعب بها ويستثمرها لصالحه. وأخيرا فإنّ هذا يعني أننا لسنا إزاء ثورةٍ ذات طابعٍ طبقي، من حيث الأهداف المطروحة، والقوى المشاركة، وإن كان الوضع يتطلب الأخذ بالاعتبار واقع هيمنة النظام على الموارد، وإفقاره المجتمع، بسبب سياسات الليبرالية المتوحشة التي انتهجها بطريقةٍ مافيويةٍ وتخريبية، ما يتطلب وضع هدف العدالة الاجتماعية على رأس الأجندة.

ثالثاً، على نحوٍ خاصّ، فإن هذا المشروع بشقه الوطني يركّز على مفهوم المواطنة، إذ لا يمكن الحديث عن وطنيةٍ، بدون الاعتراف، في نص في الدستور، بالمكانة القانونية والحقوقية للمواطنين، الأحرار والمتساوين والمستقلين (عن أية انتماءاتٍ قبلية) واعتبار المواطنين كأفرادٍ يمثلون الشعب، بحيث يغدو شعباً بمعنى الكلمة، بالضد من مفهوم الجمهور أو الجماهير، الذي جرى ابتذاله ولا يفيد إلا بالطواعية والخضوع للسلطة وانتفاء المواطنة والتغطية على إطاحة الحق بالمشاركة السياسية. ومن نافل القول هنا؛ أن الوطن والوطنية يتأسسان على المواطنين، كما ذكرنا، وأن ثمة ابتذالٌ وديماغوجيا وتلاعبٌ في الحديث عن وحدة الأرض، أو وحدة سورية، من دون وحدة شعبها، الذي يتألف من مجموع المواطنين الأحرار المتساوين والمستقلين، من كلّ المكونات. لذا فهي ثورةٌ وطنية؛ لأن وحدة سورية، التي يتحدث عنها الجميع، تتأسس على وحدة السوريين، بكلّ تنوعاتهم؛ إذ لا وحدةً جغرافية بدون وحدةٍ مجتمعية؛ ولأن مهمة الثورة السورية صياغة الإجماعات الجديدة للسوريين، أي صياغة هويتهم، ورموزهم، ودستورهم، وروايتهم التاريخية.

أمّا المشروع الوطني في شقّه الديمقراطي، فهو ينطلق من:

أولاً، أن الديمقراطية ليست هوية، أي أنّ معنى عبارة (لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين) أن هؤلاء يتمثلون ذلك في الممارسة في السياسة وفي المجتمع، لأن الديمقراطية هي رؤيةٌ لإدارة العلاقات والتوازنات في المجتمع، وبين المجتمع والدولة، أي أنها جملة تصوراتٍ تُحدد ممارسات وسلوكيات وآليات عملٍ معينة.

ثانياً، أن المقصود تحديد مستقبل سورية في الانتقال إلى نظامٍ سياسيٍ يكفل مشاركة المواطنين بتقرير مصيرهم، والمشاركة في القرارات المصيرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإدارةٍ أفضل للعلاقات بين مختلف المكونات والأحزاب بغض النظر عن اختلافاتها الإيديولوجية والسياسية.

ثالثاً، الفكرة هنا أن النظام الديمقراطي، الليبرالي الطابع (من ناحية الحقوق السياسية وحقوق المواطنين)، هو البديل لنظام الاستبداد، فهو الذي يكفل أوسع حقوقٍ وحرياتٍ للمواطنين، وأوسع مشاركةٍ لهم وللقوى التي تمثلهم، وفي هذا النظام لا تغدو الانقسامات في البلد ذات طابعٍ عمودي (أي: هوياتي إثني أو طائفي)، وإنما تصبح انقساماتٍ ذات طابعٍ أفقي، أي على الحقوق والمصالح، بغضّ النظر عن الاختلافات الهوياتية والإيديولوجية، وفي هذا النظام لا يعود ثمة أكثرياتٌ وأقليات من نوعٍ هوياتي، وإنما من نوعٍ سياسي، وتبعاً للمصالح والرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية. هكذا، ففي النظام الديمقراطي يجري حلّ الخلافات بالوسائل القانونية، وفقاً للدستور، وعلى أساس الفصل بين السلطات، واحترام إرادة الشعب في الانتخابات، وليس بالقوة والعنف والتسلط.

رابعاً، في النظام الديمقراطي، نظام المواطنين الأحرار المتساوين، لا تغدو الهويات أحاديةً وإقصائية، وإنما تغدو مركّبةً وتكاملية، فالفرد يمكن أن يكون عربياً أو كردياً وبنفس الوقت يمكن أن يكون يسارياً أو قومياً أو متديناً مثلاً. كما يمكن أن يكون متديناً، وفي ذات الوقت قومياً ويسارياً. فالإنسان في الحقيقة كائنٌ معقدٌ ومركّبٌ من هوياتٍ عديدة، وفقط فإن الصراعات على السلطة، وعلاقات القوة والسلطة، هي التي تبرز مكوناً هوياتياً معيناً دون غيره، وهذا ما يحول دون تحّول شعوبنا إلى شعوبٍ حقاً، يفاقم من ذلك غياب الدولة، أو تحوّلها إلى سلطةٍ قهريّة؛ وهذا ما يحاول المشروع الوطني الديمقراطي تغييره.

خامساً، ما يجدر التنويه إليه أن المشروع الوطني الديمقراطي لا يعني التقليل من الطابع الطبقي المتضمّن في الثورة السورية، التي قامت ضد نظامٍ انتهج الليبرالية المتوحشة، في نظام مافياوي، اعتمد الفساد والإفساد، وامتلك موارد البلد، وهيمن على قطاعاتها الاقتصادية، وهشّم بناها الإنتاجية (بدعوى التأميم)، وعمّق تبعيتها للخارج، وأعاق تطورها. والمعنى أن هذا المشروع هو المعبَر إلى أيِّ تغييرٍ مقبل؛ لأنه يفترِض تكاتف معظم قطاعات الشعب لإنجاز هذه المرحلة الضرورية، التي لا بد منها، للولوج بعد ذلك، وفي إطار النظام الديمقراطي، في المهمات التالية التي تتعلق بالبناء الاجتماعي، وشكل النظام الاقتصادي، وكيفية إدارة البلد، ما يتطلب وضع هدف العدالة الاجتماعية ضمن محددات العمل من أجل سورية المستقبل، أي سورية الأفضل لجميع مواطنيها.

هذه إذاً ثورةٌ وطنيةٌ ديمقراطية، وكونها كذلك؛ فهي تحتاج إلى تضافر كل القوى المعنية كما تحتاج إلى كياناتٍ وخطاباتٍ وحوامل سياسية تتلاءم مع ذلك، بيد أن طرح الرؤية وتوضيحها هو ضروري، مع فهمنا أن أيّ هدفٍ قد لا يتحقق دفعةً واحدة، وأنه يحتاج إلى تدرجات، وإلى مزيدٍ من التطورات والمعطيات المواتية.

على الصعيد العملي يتطلب الأمر الاشتغال على جانبين:

أولهما، بناء كيانٍ سياسيٍ جمعي–جبهوي للسوريين، تعترف الكيانات المشكّلة له ببعضها، بمشتركاتها واختلافاتها، وتجتمع على الهدف الأساسي للثورة، بغضّ النظر عن الخلفيات الفكرية، وبعيداً عن العصبيات الإيديولوجية أو الهوياتية أو الدينية. والمعنى أن على هذه الكيانات أن تشتغل في الإطار الجمعي كجبهة، على أساسٍ تكامليٍّ وتعاضديّ، وليس على أساسٍ تنافسيّ أو ضديّ، على ما جرى في تجربة كيانات المعارضة، من المجلس الوطني إلى الائتلاف الوطني.

وثانيهما، بلورة تيارٍ وطنيٍّ ديمقراطي، بحسب طبيعة الثورة، خاصةً وأنّ هذا التيار يكاد يكون غائباً أو مفتقَداً، إذ على الرغم من وجوده حالةً، إلا أنه لم يستطع العمل بوصفه كتلةً صلبة، أو بوصفه تياراً بمعنى الكلمة، باستثناء وجود شخصياتٍ ديمقراطيةٍ مؤثّرة، لها تاريخها ومكانتها، عبّرت عن مواقفها النقديّة بصراحةٍ في وسائل الإعلام، وحتى في بعض هيئات المعارضة.

الفكرة الأساسية هنا:

أولاً، إن مجرد وجود ديمقراطيين لا يكفي؛ لأن المسألة ليست هوياتية، إذ على التيار الوطني الديمقراطي، أن يؤكد على طابعه هذا من خلال أطروحاته أو رؤاه السياسية، بحيث يفرض ذاته من خلالها، أي من خلال قوة أفكاره، التي تحوله من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، أي أنها تضعه في حيّز الممارسة.

ثانياً، حتى يمكّن هذا التيار ذاته ويعزز وجوده، يفترض أن يشتغل على فرض ذاته من خلال تمثُّله للديمقراطية في علاقاته البينية، وعلاقاته مع مجمل الكيانات السياسية القائمة، ومع مجتمعات السوريين في الداخل والخارج، وفي إيلائه حقوق ومصالح شعبه الأولوية على أيّ شيءٍ آخر.

ثالثاً، هذا التيار لا يقوم على أساسٍ إيديولوجي، وإنما على أساس الأفكار التي تجيب على أسئلة الواقع، وتهتمّ بحقوق ومصالح وأولويات السوريين، وتأخذ في اعتبارها طابع الثورة الوطنية الديمقراطية.

رابعاً، هذا التيار يقوم على الاعتراف بأن المنتمين إليه لديهم مشتركاتهم، كما لديهم اختلافاتهم، التي تفرضها تعقيدات القضية والثورة والمعطيات المحيطة، وأن ما يجمعهم هو الهدف المشترك.

خامساً، إن إقامة التيار الوطني الديمقراطي هي عمليةٌ لا تتأسس على الاحتكار، أو الوصاية، أو ادعاء القيادة، وإنما تحتاج إلى كلّ الجهود، وإلى الإخلاص للفكرة، بعيداً عن الحسابات الفصائلية والشخصية، كما تحتاج إلى التدرّج وتوليد الديناميات التي من شأنها بلورة هذا الاتجاه وتعزيز مكانته في مجتمع السوريين وثورتهم.

 

برومو الشهيد ناجي الجرف