ملف

إشكاليات قابعة في الخلفية الهشّة للوطنيّة السورية

إشكاليات قابعة في الخلفية الهشّة للوطنية السورية

منير الخطيب

وضعت ثورة الشباب السوري في بداياتها السلميّة في أفقها المسألةَ الوطنية السورية، وما تنطوي عليها من مضامين عدّة: كالدولة الوطنية، الاندماج المجتمعي، سيادة القانون، إدارة التعدد والاختلاف المذهبي والإثني والطائفي وفق ثنائية (مجتمع مدني/ دولة وطنية) ..إلخ. وكان واضحاً في البدايات في أذار 2011 طموح الثورة السلميّة إلى إعادة الاعتبار للسياسة، بوصفها فاعليةً مجتمعيةً هادفةً لبناء مجالٍ وطنيٍّ عام، يتم في سياقه نقل سورية سلميّاً إلى وضعٍ ديمقراطي، ينفي وضعية الاستبداد المديدة.

وغنيٌّ عن القول: إن إغراق ثورة السوريين السلميّة باستدعاء الهويّات ما دون الوطنية، واستقدام إيران والنظام عناصرَ الحرب الداخلية الثاوية في البنى المجتمعية والثقافية والسياسية والعسكرية، بهدف القضاء على المنحى السلمي للثورة، أدّى إلى انبعاث قيعان المجتمع التقليدي، التي عبّرت عنه فوضى الفصائل الإسلامية المسلحة، التي لا تكترث للمسألة الوطنية السورية، وبالتالي طُردت الكتلة التاريخية السورية (الفئات الوسطى، التنسيقيات، الفئات المتعلمة، الطلاب، المهنيون، الفعاليات الاقتصادية….) إلى خارج المجال السياسي، إلى الهوامش، وهذه الكتلة هي حاملة المشروع الوطني السوري.

ولابد من القول أيضاً: لولا هشاشة “الاجتماع الوطني السوري”، لم يكن باستطاعة القوى الهوويّة المحلية، المنجدلة على حبال القوى الإقليمية والدولية المتصارعة في الجيوبوليتيك السوري، طرد تلك الكتلة المجتمعية حاملة الفكرة الوطنية إلى وضعيّة اللافاعلية والهامشية السياسية.

هناك حزمةٌ من العوامل تقبع في خلفيّة هشاشة الوطنية السورية، من أبرزها:

أولاً، ظل الكيان السوري الحالي، منذ تشكله بعد اتفاقات سايكس–بيكو، كياناً عابراً ومرذولاً. وأيضاً، ظلت “الوطنية” السورية المعبرة عنه وطنيةً جريحةً وهشة، لم تستطع التعافي من جرحها النرجسي، الذي صحت عليه لحظة تحوُّل الشام التاريخية التي كانت ترتبط بها مدن وموانئ الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط قاطبة، إلى دمشق العاصمة شبه الصحراوية التي تقف على حدود بادية الشام، وقد فقدت فلسطين ولبنان ولواء اسكندرون.

لم تتخلص دمشق، يوماً، من عقدة الحنين، الوهميّ بالطبع، للعودة إلى لعب الدور المتخيل عن الشام التاريخية. كما لم تتخلص غالبية السوريين من عقدة الكيان العابر والدولة العابرة، فظلّت تلك العقدة تزن بقوٍّة على وعيهم وعلى ضمائرهم، وكانت أحد أسباب نكوص الوطنية السورية الوليدة.

لقد تكونت النخب السياسية السورية قومياً واشتراكياً وإسلامياً، وبالتالي كان مصطلح “دولة ما تبقى”، يدغدغ العقل الأيديولوجي المنفصل عن الواقع لهذه النخب، كون تلك “الدولة العابرة” التي لا تكتسب شرعيةً قوميةً أو إسلاميةً أو يساريةً هي “دولةٌ قُطرّية” راحلة.

إن نزعة الازدراء تلك أضعفت فكرة الدولة وفكرة الوطن النهائي.

ثانياً، الانقلاب البعثي على مكتسبات المرحلة الوطنية في العهدين الكولونيالي والاستقلالي. حيث كان السوريون في هذين العهدين يتشكّلون كشعبٍ وكدولة، وأنتجوا “جنين دولةٍ وطنية”، وأيضاً أنتجوا “جنين مجتمعٍ مدني”. بعد الانقلاب القومي، عدنا إلى “الدولة التسلطية”، وإلى مجتمع الجماهير، وبالتالي تمّ اغتيال الفكرة الوطنية من تحتها ومن فوقها، من تحتها مذهبياً، ومن فوقها قومياً وشعبوياً.

ثالثاً، بعد تصفية آثار المرحلة الوطنية، أُعيدت هندسة “السوسيولوجيا” السورية وفقاً لمنطق “تراصف الملل والنحل” العثماني، بما يخدم آليات الإخضاع والغلُبة المذهبية للسلطة، فبقي “الإجتماع السوري” في مرحلة البعث في حالة تساكنٍ للهويات. ثم انقلب هذا التساكن إلى انفجارٍ بعد القضاء على الثورة السلميّة، حيث كانت العودة إلى ما قبل تاريخ سورية الكولنيالي بمثابة عودةٍ إلى ما قبل تاريخها الوطني، فنقص “الاندماج الوطني” في مرحلة البعث علامةٌ فارقةٌ على نقص الوطنية.

رابعاً، الانقسام العامودي في بنية النظام السياسي بعد تصفية “جنين الدولة الوطنية”، وإعادة إنتاج العلاقات الطائفية والإثنية في الأطر والمؤسسات “الحديثة”، وذلك بعد أن عقد النظام مصالحةً إيديولوجية مع التقليد، وأسقط، كلياً ونهائياً، العلمانية والديموقراطية من فكره وممارسته، وأسس متعمداً، ابتداء من انقلاب 1966، نظاماً يستند إلى شكلٍ من “المحاصصة” القسرية، زاوج فيه ما بين “ثوريته القومية والاشتراكية” شعاراتياً، وعصبويته الطائفية فعلياً، كعصبويةٍ مقررةٍ لنظامٍ متعدد الصفات والوجوه. فرضت هذه “المحاصصة القسرية” انشطاراً في بنية “الدولة التسلطية”، حيث احتكر الضباط العلويون الهيمنة على وسائل العنف المادي (الجيش والأجهزة الأمنية)، فيما تركوا وسائل “الهيمنة الناعمة” (مؤسسات الدين الوضعيّة، الحزب القائد، المؤسسة الإعلامية، النقابات والاتحادات والجبهة الوطنية التقدمية…) لباقي طوائف “المجتمع” السوري وفئاته.

لم يكن بمقدور هذا النظام المنشطر توليد علاقاتٍ ذات طابعٍ وطني، إن كان في حيّز السلطة أو في المستويات المجتمعية الأخرى، فبات السوريون أمام بنيةٍ سلطويةٍ مولّدة للعلاقات الطائفية من الأعلى إلى الأسفل. ولم يكن بمقدور “قوى الهيمنة الناعمة” أو “قوى الهيمنة الرمزية” في النظام التأثير على نواته الصلبة، حيث كانت في موقع التبعيّة الذليلة والانقياد التام لتلك النواة. كذلك حكمت هذه البنية على النظام بعدميّة القابليّة للإصلاح في مرحلتي الأب والابن. والبنية ذاتها خيبت آمال المراهنين على تغييرٍ سياسي ينتهي إلى وضعٍ ديموقراطيٍّ في المرحلة السلميّة للثورة.

لم تقتصر الإشكالية الطائفيّة المتولدة من هذا التركيب القسري لبنية السلطة، على اختلال موازين القوى اختلالاً ساحقاً لمصلحة هيمنة “قواها العنفية” ذات الطابع الطائفي الصارخ، بل تعدتها إلى توليد بنى وعلاقاتٍ طائفيةٍ في قيعان “المجتمع” السوري. فالأكثرية السنيّة التي وُضعت في موقعٍ أقلوي سياسياً، وشعرت بالاستلاب الوجودي إزاء تواطؤ نخبٍ دينيةٍ ومدنيةٍ سنيّة بإعطاء شرعيةٍ زائفة لنظامٍ متعدد الصفات، لكن الصفة الطائفية هي الحاكمة على صفاته الأخرى، انسحبت كتل وازنةٌ منها إلى الظلّ لتحتمي بالتقليد وما يفرزه من إيديولوجياتٍ سلفيّة. إذ بدأت تتشكل على مدى عقود أرضيةٌ موضوعيةٌ لنمو قوى الإسلام السياسي المتطرفة، بفعل آليات اشتغال الاستبداد ذاته، الذي لم يكن له من هدفٍ سوى الاستمرار في السلطة.

خامساً، الدور الإقليمي لسورية المستند إلى الإيديولوجية القومية، أولاً. وإلى الحنين الوهمي لدور الشام التاريخي ثانياً. وثالثاً، إلى التماهي ما بين الاستبداد والدور الإقليمي وكريزما القيادة التاريخية. لقد كان دور سورية الإقليمي الذي مارسه النظام في لبنان وفي العراق ومع الفلسطينيين، متعارضاً مع المشروع الوطني السوري. فكرة الدور الإقليمي فكرةٌ طاردةٌ للفكرة الوطنية السورية، الدور الإقليمي متمحورٌ حول الخارج، فيما الوطنية السورية متمحورةٌ على الداخل: على قضايا التنمية الاقتصادية، الديمقراطية، قضية المرأة، الدولة، المجتمع المدني…

لقد عانى السوريون مرتين: مرةً أثناء صعود دور سورية الإقليمي، ومرةً أثناء سقوطه الذي حولها إلى “الوطن– الساحة”، إذ أن التدخّلات الإقليمية الحالية في سورية تأتي على أنقاض دورها الإقليمي المنهار.

وأخيراً، فإنني أعتقد: هناك لحظتان في تاريخ سورية الحديث يجب استعادتهما لإعادة تأسيس الوطنية السورية، اللحظة الأولى هي اللحظة الليبرالية قبل الانقلاب البعثي، واللحظة الثانية هي الثورة السورية السلميّة آذار 2011. الوطنية السورية خيارٌ ليس حتمياً، لكنه ممكنٌ وواجب.

اللوحة من تصميم الفنان”أنس سلامة”.

برومو الشهيد ناجي الجرف