ملف

المشروع الوطني السوري

المشروع الوطني السوري

مروان عبد الرزاق

        يُشير العنوان إلى أن السوريين لم يُنجزوا مشروعهم الوطني، بعد قرنٍ من استقلالهم عن الإمبراطورية العثمانية وحتى الآن، وأنه مازال مشروعاً قيد الإنجاز. والوطنية السورية التي عبّر عنها النضال الوطني السوري ضد الاستعمار الفرنسي، ورداً على التقسيم الطائفي لسورية، لم تنضج إلى حد اعتبار الهوية السورية بالحدود التي رسمها الاستعمار هي الحدود النهائية للوطن. وكانت هناك عوامل موضوعيةٌ وعوامل ذاتية شكّلت عائقاً أمام نموّ الولاء الوطني لسورية كوطن.

وكانت الفرصة الأولى عندما نالت سورية استقلالها عن الاستعمار الفرنسي عام (1946). حيث ورث السوريون “دولةً في كثيرٍ من النواحي، دون أن تكون أمّة. فكانت كياناً سياسياً، دون أن تكون مجتمعاً سياسياً”. كما لاحظ “نيقولاوس فان دام” في كتابه “الصراع على سورية”.

كذلك ورثت حكومة الاستقلال مجتمعاً متنوعاً دينياً ومذهبياً وقومياً وعرقياً. وهو مجتمعٌ تتوزّع أقلياته كجالياتٍ مغلقةٍ على نفسها، وكما وصفها “جاك ويلرس” بعقدة الأقليات بأنها “ذات حساسيةٍ جماعيةٍ مرضية، تجعل أيّ تحرّكٍ لجاليةٍ مجاورة يبدو وكأنه خطرٌ محقق، أو تحدٍّ لهذه الجالية، فتقوم بتوحيد كلّ مجموعةٍ بالكامل أمام أدنى هجوم، أو تعدٍّ يُرتكب ضد أيٍّ من أعضائها”.

بالإضافة إلى أن المدن مثل دمشق وحلب وحماه واللاذقية ودير الزور كانت تشكّل وحداتٍ شبه مستقلة، وكانت مراكز للنشاط السياسي. “وكان الاتصال بين هذه المدن ضئيلا للغاية”، و “إن الكثير من الأحزاب السياسية السورية قد عكست مصالح إقليمية، وتركّزت في مناطق معينة، مثل حزب الشعب الذي كان يمثّل وجهاء في حلب وحمص، ويقابله الحزب الوطني في دمشق، وأكرم الحوراني في ريف حماه. وقد تكوّنت هذه الأحزاب من خلال قنواتٍ اجتماعيةٍ تقليدية. وهذا الأخير بالأخصّ كان مسؤولاً إلى حدٍّ كبيرٍ عن استمرار وجود الولاءات الطائفية والإقليمية والعشائرية في الحياة السياسية السورية”.

وبالتالي كانت تتنازع الطبقةَ السياسية الولاءات تحت الوطنية الإقليميّة المناطقية، والدينيّة، والمذهبيّة، والعرقيّة، والولاءات ما فوق وطنية، مثل القومية العربية الداعية إلى وحدة الأمة العربية، والقومية السورية الداعية إلى وحدة الهلال الخصيب، إضافةً لولاء الاسلاميين للأمة الإسلامية، والشيوعيين للأمميّة العالمية، وهذا أعاق نموّ الوعي الوطني السوري.

يُضاف إلى ما سبق، أن الاقتطاعات والتقسيمات الفرنسية لسورية مثل، إعطاء لواء اسكندرون لتركيا، وفصل لبنان، ووعد بلفور الذي أعطى فلسطين للصهاينة، ثم قيام دولة إسرائيل بعد هزيمة العرب في حرب(1948)، جعل سورية مقصوصة الأجنحة، وبالتالي كان التوجّه نحو الهوية العربيّة لتصبح أقوى من الهوية السورية، كما تجسّد في دستور(1950) الذي نص للمرة الأولى على أن “سورية جمهوريةٌ عربية، والشعب السوري جزءٌ من الأمة العربية”. في حين كانت الدساتير السابقة، منذ دستور(1930)، ودساتير الانقلابات العسكرية كلها تنصّ على “الجمهورية السورية” دون الإشارة إلى العروبة أو الاسلام. وبعد ظهور جمال عبد الناصر، وقيام الوحدة السورية-المصرية تمّ إجهاض الوطنيّة السورية الجنينية، والحياة السياسية السورية بالكامل.

للأسباب السابقة، كانت الطبقة السياسية هشّة، أفسحت المجال للانقلابات العسكريّة المتتالية بعد الاستقلال، ومن جهةٍ ثانيةٍ كانت عاجزةً عن الاستجابة لاستحقاقات الداخل السوري وأهمها؛ المسألة الزراعية، والانتقال من مجتمعٍ واقتصاد إقطاعي، أو شبه إقطاعي، إلى مجتمعٍ برجوازيٍّ ديمقراطي، ومن كيانٍ سياسيٍّ إلى دولةٍ وطنيةٍ ديمقراطية.

وأمام هذا العجز، ومع انهيار تجربة الوحدة، أصبح الجوّ ملائماً لنجاح انقلاب (1963) الذي وضع الأساس لنظامٍ شمولي، “اشتراكي” على طريقة أوروبا الشرقية التي التحقت بالاتحاد السوفيتي، مستنداً إلى “الشرعيّة الثوريّة”، ثم الانقلاب العاشر بعد الاستقلال في (1970)، وتصفية كلّ الأعداء وحلفاء الأمس، والتأسيس لنظامٍ أمنيٍّ وعائلي، مستنداً إلى “الشرعية الدستورية”، ووضع دستورٍ تم تفصيله ليضفي الشرعية على سيطرة (حافظ الأسد) المطلقة على الوطن. وأصبح الولاء للقائد بدلاً من الوطن، وأصبحت الوطنية السورية مرهونةً بهذا الولاء، وتحوّل الجيش من جيشٍ وطني، إلى جيشٍ عقائدي لحماية “الثورة” كما تمت تسميتها، وأغلقت الأبواب أمام الحياة السياسية بالكامل.

وأضافت سيطرة الطاغية (المأساة)، ومن بعده ابنه (المهزلة) خلال نصف القرن الماضي، إلى الوطنية السورية إسفيناً جديداً ذو حدين، مزّق النسيج الاجتماعي السوري، أولهما: تأسيس الطاغية لنظامٍ أمنيٍّ طائفي، علوي، بعد أن اعترف المجلس الشيعي بالعلويين كفئةٍ من الشيعة. وهذا استثار بطبيعة الحال الطائفة “السنية” النقيضة تاريخياً “للشيعة”، ومهّد الأرض لصراعٍ طائفيٍّ مذهبي، كما حدث في أحداث (1964)، ثم في الثمانينات والصراع المسلح الأخطر بين النظام و”الإخوان المسلمين”، حيث استباح النظام بأجهزته الأمنية الطائفية مدينتي حلب وحماه، و قتل عشرات الآلاف من الشعب. وبدون شكٍّ يتحمل النظام والإخوان مسؤولية اختراق الطائفيّة للوطنية السورية، والشرخ الاجتماعي العميق الذي حفروه في الجسد السوري، وأيضا بعض الأحزاب الوطنية التي وصفت حركة الإخوان آنذاك بالحركة الشعبية الوطنية. وثانيهما: الاضطهاد القومي للأكراد، والذي تجلّى في العديد من ممارسات النظام مثل: نزع الجنسيّة، والحزام الأخضر، ومنعهم من استعمال لغتهم وممارسة طقوسهم، وعدم قبولهم في المراكز الحساسة في السلطة. الخ. وهذا أدى إلى صراعٍ عربي-كردي، انفجر في (2004)، وتوضّح أكثر بعد انطلاقة الثورة في (2011).

بعد فشل المشروع القومي، وابتلاء الأقطار العربيّة بسلطاتٍ استبداديّةٍ حولت الأوطان إلى مزارع متحاربة خاصةٍ بهم. اقتنع الجميع بأن سورية بالحدود المرسومة حالياً هي الوطن النهائي لهم. وجاءت الفرصة الثانية للسوريين، أقصد الثورة السورية، لاستعادة الوطنيّة السورية التي احتكرها النظام الاستبدادي لمدة نصف قرن. هي مشروعٌ لإعادة بناء الوطنية السورية على أسس الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية. وقد تجسّد الشعار “واحد، واحد، الشعب السوري واحد” على الأرض في الأشهر الأولى من انطلاقة الثورة، ليعبّر عن وحدة الشعب في وجه الطاغية. لكن عنف النظام ضد الثورة، ثم تحوُّل الثورة إلى الكفاح المسلح، عمل على انفجار المجتمع على كافة الأصعدة، الذي أفرز مكوناته التاريخية ما قبل الوطنية. وكان الانقسام الديني والمذهبي هو الأخطر، إضافةً للانقسام الكردي-العربي. وظهرت الى السطح مفرداتٌ، مثل: العلوي، والسني، والدرزي، والاشوري، والتركماني، والمسيحي، والكردي، والتي عبّرت بعمقٍ عن الانتماء للجزء أي (الطائفة)، وليس للكل(الوطن). وبرزت عقدة “الأقليات” من جديد، والأكثرية، والمكونات، بدل الشعب السوري الواحد.

والإشكالية ليست في التنوّع في المجتمع، وهو جميلٌ ويعبّر عن الثراء الثقافي للمجتمع، إنما في الصراع الوجودي الدموي لهذه المكونات، والذي أصبح محكوماً بالصراعات الإقليمية والدولية على سورية. ولم يعد للسوريين، معارضة ونطام، أيّ قرارٍ مستقلٍّ على أرضهم. إنها عودةٌ لما تحت الصفر بكثير، بل وانتكاسةٌ عميقةٌ نحو الوراء، والغوص في الوحل التاريخي الغميق.

ورغم كلّ المآسي التي تعيشها “مكونات” الشعب السوري، وفظاعة عنف النظام، وأغلبية فصائل المعارضة العسكرية، وعقم المعارضة السياسية، تبرز الأسئلة من جديد حول الخروج من النفق المظلم، ومن أهمها: من نحن؟ وكيف نستعيد الوطنية السورية المبعثرة؟ ماهي الأسس التي ترتكز إليها، وآليات تحققها؟ إلخ لأسئلةٍ وأجوبةٍ لا تُحصى!

صحيحٌ أن المشروع الوطني يتحقق بإقامة الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة (دولة المواطنة). لكن هذا الترحيل للمستقبل ليس مفيداً، وإن هذه الدولة لن تهبط علينا من السماء، ودولة المستقبل ليس شعاراً نزيّن به جدران المنزل. صحيحٌ أيضا، أن الحرية هي البوابة الكبرى للعبور نحو المشروع الوطني السوري، وعودة الحياة السياسية والمدنية للمجتمع، هو الأساس الأوليّ لبناء الوطنيّة من جديد. لكن الواقع الموضوعي العياني يغلق كل المنافذ، في أرض النظام، وأرض المعارضة، الذين يحكمون الشعب بالحديد والنار، بالإضافة إلى تشرّد نصف الشعب داخل وخارج سورية. وسورية مقبلةٌ على مرحلةٍ خطيرةٍ حتى عندما يتوقف إطلاق النار، سمتها ليس التقسيم، إنما شىرعنة نظام محاصصةٍ طائفية، على الطريقة اللبنانية، أو العراقية، وهذا يجعل الوطنية السورية في مهبّ الريح، لعقودٍ طويلة.

رغم هذا الانغلاق، تكثر المبادرات الوطنية، والمشاريع الوطنية، وهي بالعموم متشابهةٌ على الورق، والداعية “للإجماع الوطني”، أو”التجمع الوطني” الشامل، أو الجامع. إلّا أنه على الأرض لا يوجد فعلٌ حقيقي. والأسباب عديدةٌ أهمّها؛ أولاّ: عدم وجود الإرادة للعمل الجماعي، ومازالت الشخصانية، والتسلّط الفردي من السمات العامة للأفراد العاملين في الحقل السياسي. وثانياً: عدم تقدير أهمية البناء التنظيمي على الأرض. وثالثاً: محاولة الجمع بين المتناقضات، وهي محاولةٌ فاشلةٌ منذ انطلاقتها (الجمع بين المتصارعين في سلةٍّ واحدة).

إذاً فالقوى المضادّة للثورة لم تعد محصورةً في النظام فقط، إنما تمتد للعديد من قوى المعارضة التي لا تؤمن بالديمقراطية، ولا دولة المواطنة، وتدعو إلى الدولة الدينية. أيضا هناك قوى تعمل على تقسيم سورية مذهبيا وقومياً، وبالتالي ليس المطلوب الجمع بين قوى الثورة، التي تؤمن بالديمقراطية، وأن سورية موحدةٌ أرضاً وشعباً، ودولة المواطنة التي تعبر عن هذا الشعب بكل تنوعاته، والقوى المضادة للثورة، بتعدد أشكالها الدينية، والمذهبية، والقومية، إنما المطلوب هو الفرز بين هذه القوى.

والملاحظ بأن قوى الثورة هي الأكثر ضعفاً وتبعثراً، ولذلك يجب العمل على تأسيس الحامل السياسي للوطنية السورية، وبلورة تيارٍ أو تجمعٍ لقوى الثورة، في الداخل والخارج، وفي أرض المعارضة، وأرض النظام، ليكون العمود الفقري للحامل الاجتماعي المدني للمشروع الوطني السوري. وأمام هذا التيار صراعاتٌ حادّةٌ وطويلة، وتحتاج لكوادر شجاعة تحمل لواء الثورة وأهدافها، إذا لا تتحقق دولة المواطنة ودولة الحرية بدون أحرارٍ وديمقراطيين على الأرض، وأن يكونوا منظّمين ويعملون وفق برنامجٍ عمليٍّ يجعلهم قريبين من الشعب وتعميم المصالح الوطنية فوق مصالح “المكونات” المغلقة.

برومو الشهيد ناجي الجرف