ملف

نحو مشروع وطني جامع أخذاً بالأسباب و الظروف الراهنة

نحو مشروعٍ وطنيٍّ جامع

في الأسباب والظروف

وسيم حسان

معلومٌ أنّ المشاريع السياسية الكبرى في مرحلةٍ تاريخيةٍ ما، لا تنبثق من الرغبات والإيديولوجيا، وإنما من حاجات الواقع الموضوعي، أي وفقاً لمستوى التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لمجتمعٍ محدد، واستجابةً لاستحقاق التاريخ وموجاته التي لاتحدث اعتباطاً بالتأكيد، يمكننا تلمّس المعطيات الراهنة في الواقع السوري، والتي تدفع السوريين اليوم للسير قدماً في بناء المشروع الوطني الجامع (موج) حيث نوجزها بما يلي:

1-الفشل التاريخي لأنظمة الاستبداد الشمولي في المنطقة وما حكم سورية خلال نصف قرنٍ، وما نجم عنه من تنافر ألوان اللوحة السورية المختلفة، وتناحر الهويات الجزئية التي كانت مقموعةً ومغيّبةً خلال عصر الاستبداد.
إن الهويات الجزئية العابرة للوطنية أوما تحتها (المناطقية، الطائفية، العشائرية، العرقية، القومية) شجّعت أقرانها في الإقليم للتواصل معها ومآزرتها وبالتالي إنعاش آمالها الضيقة. فالشيعة والعلويون في إيران وتركيا اصطفّوا لنجدة نظام الأسد، والدروز في لبنان وفلسطين أعادوا مدد دروز سورية، والأكراد في تركيا والعراق مدّوا أكراد سورية بالدعم، وكذلك نشط السنة في المحيط لنجدة إخوانهم، كما تعالت أصوات الترك لمدد تركمان سورية مما أثخن جراح البلد وفاقم فرص التقسيم.

2-الفشل الفصائلي والتحولات التي ابتلت بها الثورة السلمية المدنية بعد استثمارها الظالم من قِبل تشكيلاتٍ إسلاميةٍ مسلّحة، فضلاً عن اختطاف تمثيلها السياسي ومنذ الساعات الأولى من قبل تيار الإسلام السياسي وحلفائه في الخطّ المعارض الانتقامي من معارضةٍ تقليديةٍ منقسمةٍ ومتحاجزة.

3-انسداد الطريق أمام أيّ حسمٍ عسكري في ظل تعدّد الفصائل المسلحة وغياب وحدة ومركزية العمل العسكري الثوري، مع تراجع منسوب البندقية الوطني، ومع غياب الإرادة الدولية الداعمة لذلك البعد الوطني الموحّد، فضلاً عن تشتت مصادر الدعم وتعارضها المزمن، والذي ترجم اقتتالاً دموياً بين الفصائل في الميدان.

4-استغلال تنظيم القاعدة والجهادية التكفيرية لتطورات الأرض السورية وبتواطئٍ مكشوفٍ وترتيباتٍ من أجهزة السلطة الأسدية والباسيج الإيراني، إذ وقعت التشكيلات المسلحة المعارضة في حبال السلطة الأسدية الطائفية حين ارتدت ثوب النزعة الإسلاموية مبكراً فالمتشددة والإرهابية، وهذا ما سهّل شيطنة الثورة بعد أن حظيت بتأييدٍ عالميٍّ جديٍّ كبير في مراحلها الأولى السلمية.

5-جاء وجود “داعش” و”جفش” ليحقق المبرر الأهم في تدخل الدول في الأرض والمسألة السورية، بهذا المعنى كان تمدد “القاعدة” للأرض السورية ضرورةً تحتاجها الدول الصديقة والمعادية للتدخل وتمرير سياساتها ومصالحها في هذا الصراع.

6-كانت قوى المعارضة المتصدرة للمشهد (مجلس– ائتلاف..) والتي بنت تشكيلاتها على أسسٍ فرديةٍ وغير جامعة، فأخذت معظم شرعيتها بالاعتماد على الدعم الخارجي السياسي والمادي، الأمر الذي أصابها بالعبثية واللاعقلانية والعجز في الكثير من المواضع والمفارق، بالتوازي مع غياب الأداء الإعلامي الذي يتبنى الشفافية والحقيقة –وهي الثورية دوماً- وفقدانه الرؤية والدور الموجه للرأي العام والمرشد لعمل تلك البنى والتشكيلات والشخصيات الفاعلة السورية، حيث لم يكن إعلامنا المحسوب على الثورة يوماً موضع احترامٍ وثقة السوريين فضلاً عن غيرهم.

7-تشتت الخطاب مع غياب الرؤية الوطنية الجامعة لكل السوريين ترافقاً مع انقسام الشارع المبتلي بالاستبداد الأسدي المعبئ بالخطاب الممانع والمدعي حماية الأقليات، وبين فتاوى المشايخ المتنافرة والمتصارعة التي عززت دور الظلاميات التكفيرية الوافدة.

8-تراجع وفقدان الثقة بإدارة الفصائل للمناطق التي خرجت عن سيطرة الأسد، والتي استمرت ترزح تحت ضربات القصف الأسدي والروسي المتوحش من جهة، وقمع وإرهاب عناصر ومحاكم القاعدة وشقيقاتها من الجهة المقابلة.

9-تدهور الحالة المعيشة والأمنية لعموم السوريين في كافة المناطق، وتراجعها إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ سواءً للمحاصرين في الداخل أم المهجّرين في المنافي، وانسداد آفاق الحلِّ القريب أو الفرج.

10-فقدان السيطرة على القرار الوطني والسيادة السورية لدى طرفي الصراع (لا سيما بعد الآستانة)، إذ تبدّت سيطرة الدول على السيادة السورية فوضع ذلك أتباع كلا الطرفين في استحقاقٍ واحدٍ وهو الرغبة في استعادة السيادة المسلوبة، وهذا من شأنه مآلاً أن يجمع مناصري الفريقين السوريين المتصارعين في معركةٍ واحدةٍ جوهريةٍ ومصيرية سمّتها استعادة السيادة المسلوبة.

وفي قراءةٍ سريعةٍ أيضاً لمحيط المسألة السورية السياسي نجد أنه:

1-لم يقدّم “أصدقاء الشعب السوري” أية حلولٍ جديّةٍ قابلةٍ للتطبيق بسبب اندماج معظم تلك الحكومات خلال الأعوام السابقة باللاموقف الأمريكي خلال إدارة “أوباما” المنقضية، ومن غير المرجح التغيّر في هذا المستوى.

2-على المستوى الإقليمي فإن إيران ومليشياتها الطائفية متعددة الجنسيات التي تدعم بلا حدود سلاح بشار الأسد وتوحّشه باسم الممانعة والشرعية القانونية (حيث جاء حضورها بزعم تقديم استشاراتٍ للـ”الجيش العربي السوري”) راحت تواجه متغيراتٍ مهمة في الموقف الأمريكي الجديد بعد صعود “ترامب”، والتفاهم الروسي التركي المستجد.

3-لا زالت روسيا تدعم النظام السوري ولكن من منطق الدولة العظمى التي قد تقبل أخيراً وليس الآن بتغييراتٍ تطال رأس السلطة، لكن مع تأمين وجود البديل الذي يحقق مصالحها، وبالطبع يمكن المراهنة جزئياً على التفارق النسبي بين الموقفين الإيراني والروسي واحتمالات تناقضهما في بعض المفارق.

4-فقدت أوروبا القدرة على التأثير الجديّ الفاعل في الحل السوري على الرغم من تضررها المباشر من تداعيات هذه القضية وليس أقلّها تفاقم أعداد اللاجئين ومشاكلهم، وانعكاسات التطرف والإرهاب على الأرض، وتضررها المحتمل من التفاهمات الروسية الأمريكية المحتملة، وتبقى المراهنة على تفعيل دورٍ ما للاتحاد الأوربي المتضرر من واقع الحدث السوري لرفع فاعليتة في صالح قضية السوريين الوطنية.

5-لم تكن الولايات المتحدة الأميركية (الدولة العظمى الأقوى) حليفاً جدياً للشعب السوري، وتطلعاته نحو الحرية وبناء الدولة الوطنية، واستمرت سياساتها غير مهتمةٍ بإيجاد حلٍّ جذريّ للقضية السورية، بل تركت المنطقة حلبةً للصراعات، تستنزف الآخرين خلال الحقبة الأوبامية، ولكن الرئيس الجمهوري “دونالد ترامب” جاء ليفرض تغيراتٍ نوعية على السياسات الخارجية عموماً والشرق أوسطية خصوصاً، مما يقتضي الإعداد المناسب لتلقي هذه المرحلة بالجدية والمسؤولية المطلوبتان.

ختاماً: إن حالة فقدان ثقة السوريين بالطرفين المتقاتلين بسبب ارتهانهما لإرادة الخارج، بينما تسدد الفاتورة من دماء السوريين في صراعهم المأجور والمفتوح، دفعت السوريين واقعياً للمطالبة بوجود بنيةٍ سياسيةٍ مدنيةٍ جديدة، تكون وطنيةً جامعةً تتجاوز أمراض المعارضة فتسقطها مع إسقاط الأسد، وتردّ على جناحي الموت والطائفية (الأسدي الإيراني المستبد والقاعدي الإسلاموي الظلامي) مع استمرار الدعوة إلى حلٍّ سياسيٍّ وتسويةٍ تغلِق مرةّ وإلى الأبد شلالات الدماء وتلك الفظائع، بل تصوغ عقداً اجتماعياً جديداً يعيد ثقة السوريين بسورية ويضمن فصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية وحتى الإعلامية، ويسمح باستدامة التداول السلمي للسلطة وبقاء السوريين بنسيجهم المتعدد الثري في وطنٍ يضمن نماءهم فيه كمواطنين أحرار كرماء متساويين.

اللوحة من تصميم الفنان أنس سلامة

برومو الشهيد ناجي الجرف