حصيدة

مخيمات النزوح.. معتقلاتٌ في الهواء الطلق

مخيمات النزوح.. معتقلاتٌ في الهواء الطلق

أغيد الخضر

تميل النفس البشرية للسكينة، وربما من هنا أطلقت تسمية “مسكن” على المكان الذي يهرب إليه الإنسان ليحصل على السكينة والراحة. وبالطبع لم يكن نازحوا المخيمات السورية قبل أعوام يستطيعون تصور حياتهم دون منازل، لكنهم اليوم سجناء الخيمة وما تفرضه عليهم من قوانين لا تمت للحياة الكريمة بِصِلة.

وحدها الشدائد دفعت السوريين لترك ديارهم هرباً من الموت إلى مخيماتٍ تبعد عن مدنهم وقراهم عشرات الكيلومترات، لتصبح العودة إلى مسقط الرأس حلماً يرافقهم على مدى عدة سنوات، في مخيماتٍ كان الهدف منها حمايتهم من الموت وحفظ كرامتهم من ممارسات نظامٍ قمعي لم يتردد عن إظهار وجهه الوحشي الوحيد للعالم أجمع.

انتظارٌ عبثي

مازن، ربُّ أسرةٍ من محافظة إدلب، نزح مع عائلته إلى إحدى مخيمات النزوح في الشمال مع بداية عام  2013، هرباً من القصف اليومي على قريته، وبحثاً عن مكانٍ مؤقتٍ يحميه معهم، ريثما يعود إلى داره، يقول: “حقيبةٌ وثلاث أكياس سوداء هي مختصر ثمانِ سنواتٍ قضيتها في منزلي مع عائلتي المكونة من زوجتي وطفلين، حملت معي الحاجيات الأساسية التي تخدمنا لبضعة أشهر ريثما نعود، لم أكن متفائلاً جداً بالعودة، فقلت في ذلك الوقت أننا سنمكث عدّة أشهرٍ وليس عدّة أسابيع كما قال غيري، وماهي إلا أيامٌ قليلةٌ تفصلني عن إتمام الأربع سنواتٍ في مخيم النزوح”.

تُقسم المخيمات إلى مخيماتٍ نظاميةٍ تكفّلت منظماتٌ محليّةٌ ودوليّة برعايتها، وتقديم الحاجيات الأساسية لها، وتجمعاتٍ عشوائيةٍ أقامها الأهالي نتيجة الحاجة لتواجد مكانٍ آمنٍ يختبئون فيه، بعيداً عن دائرة المعارك والقصف، فاعتمد بعض الأهالي على الخيم القماشية، ومنهم من اتخذ المرافق العامة كالمدارس وغيرها ملاذاً له.

 والأغرب من ذلك ذهاب الكثير من العوائل إلى المناطق الأثرية والكهوف للعيش فيها، خوفاً من غارات الطيران التي لحقت بهم حتى بعد نزوحهم، وليكون الكهف هو المأوى الجديد، ليدحضوا مقولة أن القرن الواحد والعشرين هو عصر التطور والتكنولوجيا، وليعود بهم الزمن إلى أيام  وظروف رجل الكهف!

السجن ليس ذلك المكان الذي تحدّه أربعة جدران، وترى فيه قضبان حديدية على شكل نافذةٍ تُسرّب لك صوت الجلاد، فالمخيم سجنٌ أيضاً ولكن دون جدرانٍ أو قضبان، والبرد والحر والجوع جميعهم جلادون. أن تحفر حفرةً لتخزّن بها الماء ذلّ، وأن تنسى معنى كلمة كهرباء هو أيضاً شكلٌ من أشكال الذلّ. أن تبحث لابنك عن طبيبٍ لعلاجه ولا تجد، لهو ذلٌ يدفعك للتفكير مجدداً حول صواب قرارك بالنزوح بهدف حمايتهم، إذ أنا عاجزٌ الآن عن تأمين الطبابة أو التعليم لهم”.

قماش أم صاج؟ لا فرق

يتألف العدد الأكبر من المخيمات من خيمٍ قماشيّة، ونادراً ما تجد في مخيمات النزوح كرفاناتٍ مصنوعةً من مادة الصاج، وكلا النوعين لا يمنع حر الصيف وبرد الشتاء. أما المساعدات القادمة للمخيمات، فالنسبة الأكبر منها تتم بطريقةٍ غير دورية، فقد تمرّ أربعة أشهرٍ وأكثر دون دخول أية قافلة مساعدات لتلك المخيمات. كما تكون فرص العمل شبه معدومةٍ هناك، وتقتصر على بعض الأعمال البسيطة كبيع الخضار وجمع الأعشاب وبيعها، أو الأعمال اليدوية، وقد تدفعهم الحاجة إلى الأعمال غير الشرعية كالتهريب عبر الحدود؛ الأمر الذي يعرضهم لخطر الموت برصاص حرس الحدود.

“دخلتُ المعتقل عام 2012، كنا أربعين رجلاً نتقاسم الحمّام، لم يختلف الأمر كثيراً الأن، فنحن الآن 25 عائلةً نتشارك ست دورات مياه، ونستخدم الحطب لإشعال النار لتدفئة الماء للاستحمام في الشتاء. تأتي بعض الجمعيات بشكلٍ متقطّع وبمددٍ متفاوتة لتقديم المساعدات، وهي عبارةٌ عن سلّةٍ غذائية تكفي لأقلَّ من شهر، ومن ثم يختفون لعدة أشهر. أعمل أنا في بيع الحطب، وتعمل زوجتي على بيع خبز التنور، وتُعتبر حالتي أفضل بكثير من معظم النازحين”.

دولياً لا جديد

يركّز المجتمع الدولي على قضية النازحين في الخارج السوري، والذين بلغ عددهم ثلاثة ملايين لاجئٍ حسب المفوضية السامية لشؤن اللاجئين، مع إهمال قرابة خمسة ملايين نازحٍ سوري، يتوزعون في أماكن متفرقة من الداخل السوري. الأعذار بشأن إهمال هؤلاء غالباً ما تتعلق بالوضع الأمني، والحرب الدائرة، ومخاطر إيصال المساعدات للداخل، مما أدى لنشوء وضعٍ مأساويٍّ في أماكن النزوح.

كما عمدت الأمم المتحدة لتقديم بعض المساعدات عن طريق نظام الأسد، الذي كان هو المسبب الأوّل لنزوح القسم الأكبر من هؤلاء النازحين، والذي حرمهم من هذه المساعدات حسب عدّة تقارير تم نشرها في وقتٍ سابقٍ عن قيام قوات النظام بسرقة هذه المساعدات وحرمان المدنيين منها.

اللوحة للفنان أنس سلامة

برومو الشهيد ناجي الجرف