حصيدة

واقع التعليم و الإندماج للسوريين النازحين من بلادهم

هل أصبح الاندماج واقعاً؟

حسن ممس

أُجبر عددٌ كبيرٌ من السوريين على النزوح عن وطنهم سورية إلى الدول المجاورة، وكان لتركيا النصيب الأوفر منهم، ومن بين هؤلاء النازحين عددٌ كبيرٌ من الأطفال في سنّ التعليم الأساسي والثانوي، وقد قام عددٌ من أصحاب الأيادي البيضاء في بداية الأمر بافتتاح مراكز تعليميّة لهؤلاء الطلاب، لكن هذه المراكز لم تفِ بالغرض المطلوب، فقامت الحكومة التركيّة ممثلةً بوزارة التعليم بوضع يدها على تلك المدارس من حيث الإشراف، وتأمين مدارس إضافية تستوعب أعداد اللاجئين الوافدين، فأنشأت مدارس في جميع الولايات التركيّة التي تحتوي على عددٍ من النازحين السوريين.

لكن الملفت للنظر في هذا العام الدراسي، هو محاولة دمج الطلاب السوريين مع أقرانهم من الطلاب الأتراك، حيث أمّنت وزارة التعليم التركية مدرّسين أتراك لجميع مدارس التعليم المؤقت، بمعدّل /15/ حصةً أسبوعيةً باللغة التركية، وبالتالي ليكونوا مؤهلين في العام القادم أو الأعوام القادمة للاندماج في المدارس التركية.

وقد بدأت بوادر هذا الاندماج بين الطلاب السوريين والأتراك من خلال إلزام جميع التلاميذ في مرحلة الحضانة والصفّ الأول بالتسجيل في المدارس التركية، تفادياً لبقاء عددٍ كبيرٍ منهم خارج حلقة التعليم، وكذلك خوفاً من أن يقعوا في شرك عمالة الأطفال.

لقد ظنّ بعض الآباء وأولياء الأمور أنّ هذه الخطوة ستقضي على مستقبل أطفالهم الدراسيّ، خاصةً وأنهم لم يفكروا بعد بمنطق الاستقرار في بلدٍ ليس بلدهم، لكن من جهةٍ أخرى وكما أفاد أحد مدراء المدارس التركية في قضاء (ألتينوزو) التابعة لولاية (هاتاي) فإنّ التلاميذ السوريين قد أظهروا قدرتهم على التكيّف مع الواقع الجديد، وأثبتوا أنّهم قادرون على مجاراة بل التفوق على أقرانهم الأتراك، وهذا ما شرحه مدير المدرسة الذي قال: “بالأمس فوجئت عند دخولي للصف الأول أنّ أحد التلاميذ عندما أعطته المعلمة واجباً ليقوم بحله مع بقية زملائه قام بوضع دفتره في المحفظة بعد خمس دقائق، سألته عن سبب ذلك فقال أنه أنهى الواجب، فسألت المعلمة فقالت لي أنه يفعل ذلك دائماً، يقوم بحلّ الوظيفة بشكلٍ صحيحٍ خلال خمس دقائق، في حين يحتاج بقية التلاميذ إلى حصةٍ أو حصتين لإنهائها”

وأردف المدير قائلاً: “كلّفتُ المرشد النفسي في المدرسة بالتحقق من وضعه، فأخبرني بعد ساعةٍ من الحديث مع التلميذ أنّ هذا التلميذ يملك قدراتٍ تفوق أقرانه بكثير، وأشار عليّ بأن نرسله إلى مركز التعليم في (هاتاي) ليقوموا بالاعتناء به”

وفعلاً تمّ تحديد يومين في الأسبوع ( السبت والأحد) يقوم هذا التلميذ فيها بتلقي الخبرات والتعليم الذي يتلاءم وقدراته وذكائه. هذا نموذجٌ إيجابي يوضح إمكانية اندماج الطلاب السوريين في الحياة التعليمية في بلد اللجوء ويشي بنتائج جيدة في السنوات القادمة بعد تخطّي مرحلة تعلّم اللغة التركيّة.

ومع أن رغبة السوريين هي العودة، لكن السنوات التي طالت عليهم كلاجئين أجبرتهم وستجبرهم على عدم اقتطاع التعليم من حياة أبنائهم كعنصرٍ أساسي من عناصر نشوئهم وتطورهم، وعندها فإنهم سيجدون الاندماج مع الحالة التعليمية وشروطها أمراً واجباً لا مفرّ منه.

اللوحة للفنان أنس سلامة

برومو الشهيد ناجي الجرف