حصيدة

مرض السرطان”القاتل البارد في سورية”

“السرطان” القاتل البارد في سورية

  عباس علي موسى

سنوياً يُصاب أكثر من 14 مليون شخصٍ بالسرطان، ويُتوقع أن يصل هذا الرقم إلى أكثر من 21 مليوناً بحلول عام 2030. ويتسبب المرض في وفاة نحو 8.8 مليون شخص سنوياً. تقرير منظمة الصحة العالمية 2017، بمناسبة اليوم العالمي للسرطان.

“يومياً هنالك تشخيصٌ واكتشافٌ لحالة سرطانٍ جديدةٍ هنا في عيادتي الخاصة”. الدكتورة بلندا عبد الرحمن (مدينة قامشلي).

إنّ مفردة القاتل، أو القتل باتت من مفردات الحياة اليومية السورية، والتي تعكس حالةً من الانكسار في الأنساق الاجتماعية والبنية النفسية للإنسان السوريّ، وهي إذ تغدو اعتياداً تغدو أكثر إيلاماً، لما تحمله من قهرٍ لما آلت إليه الأوضاع في البلاد. أثّرت الحرب في جميع مناحي الحياة، ولعلّ القطاع الصحيّ كان من بين هذه القطاعات التي تعرّضت للإهمال والتدمير، وهجرة ونزوح الأطباء وغياب الكثير من الاختصاصات، وخروج الكثير من المرافق الصحية عن الخدمة.

عزل المنطقة

في محافظة الحسكة أدّت حالات اختطافٍ لعددٍ من الأطباء أو أبنائهم، والمطالبات بالفدية بمبالغ ضخمة (كونهم ميسوري الحال) إلى سفرهم إلى الدول المجاورة كإقليم كردستان أو تركيا، أو اللجوء إلى أوربا، كما أنّ الكثير من المرافق الصحية التي كانت تقدّم بعض الخدمات للأمراض المزمنة من أدويةٍ وما إلى ذلك من خدمات تم تدميرها أو إخراجها عن الخدمة، إضافةً إلى الأطباء الشباب الذين لجؤوا إما إلى دور الجوار أو إلى أوربا خوفا من سوقهم إلى الخدمة العسكرية.

أدّت الأعمال العسكرية في محافظة الحسكة والحسابات السياسية نتيجة تداخل أطراف القوى المسيطرة على المنطقة إلى إغلاق المعابر الحدودية، إما بشكلٍ كاملٍ كما بين سورية وتركيا، أو بشكلٍ جزئي كما بين سورية وإقليم كردستان العراق. وهذا ما يعيق حركة دخول الأدوية وسهولة الحركة بين محافظة الحسكة ودول الجوار، أو دخول الأدوية بشكلٍ منتظمٍ من المحافظات السورية الأخرى أو دول الجوار إليها، حيث شهدت حركة دخول البضائع وأهمّها الأدوية حالات انقطاعٍ وتذبذبٍ في السوق، وتعاني الصيدليات والمشافي العامة والخاصة غياباً لعقاقير مهمة للأمراض المزمنة وبعض أمراض الأطفال.

السرطان وزيادة انتشاره

سجّل مشفى البيروني في دمشق عدد المراجعين من المناطق الشرقية وخاصةً محافظة الحسكة لأخذ جرعات الكيماوي، وأوضح أنّهم في ازديادٍ دائم، ففي عام 2013 زار المشفى أكثر من /1350/ شخص، ما عدا الذين حاولوا الحصول على العلاج في الدول المجاورة أو في مشافٍ أخرى، وذلك بحسب منظمة روج لحماية البيئة في تقريرها البيئي لعام 2015. وترى المنظمة بأنّ انتشار حرّاقات النفط (وهو اسمٌ بات معروفاً في المنطقة، يعتمد على حرق كمياتٍ كبيرة من النفط لتسخين النفط الخام، وتكثيفه وفرزه، وتعدّ هذه الطريقة من الطرق البدائية لتكرير النفط) يعدّ أحد العوامل التي تساهم في زيادة انتشار مرض السرطان في المنطقة، وبشكلٍ خاص بين العمّال الذين يعملون في التكرير، فقد ظهرت أعراضٌ وأمراضٌ للسرطانات الجلدية، فمحافظة الحسكة الغنية بالنفط تدفع ضريبة تلويث الهواء والبيئة بالغازات والإشعاعات المنبعثة من عمليات التكرير، وخاصة في ظلّ غياب إحصاءاتٍ لأمراض السرطانات.

غياب الإحصاءات

إنّ غياب إحصاءاتٍ دقيقةٍ وشاملة لانتشار الأمراض، ودراسة أسبابها ومقارنة ارتفاع أمراض معيّنة كالسرطانات، وربط أسباب الارتفاع بالأسباب الحقيقية، يمنع تشخيص المشكلة بشكلٍ دقيق، الدكتورة بلندا عبد الرحمن الأخصّائية في تشخيص أمراض السرطان، تقول بأنّه “لا يمكن الجزم بشكلٍ قاطع بأنّ ازدياد حالات السرطانات في محافظة الحسكة ناتجٌ عن سببٍ معيّن، كتكرير النفط أو غيره، وذلك لغياب إحصاءات ومراكز خاصة لمعرفة أسباب الزيادة ومتابعتها ومقارنتها مع السنوات”. ومع أنّ المنظمات المدنية قد شهدت انتشاراً واسعاً وخاصةً في مدينة قامشلي، إضافةً إلى أربع منظمات تُعنى بالبيئة، إلا أنّها تفتقر إلى الدعم الكافي من المنظمات الدولية، وغياب مشاريع حقيقية للعمل عليها.

السفر للعلاج ومصاعبه

في سورية لا يوجد سوى مشفى متخصص واحد بأمراض السرطانات، وهو مشفى البيروني في دمشق، والذي يقع في منطقة حرستا، والذي يقصده المرضى من مختلف المحافظات، ولكن الأمر الآن يختلف عما كان عليه قبل 2011، حيث أنّ الطرق المؤدية إلى دمشق ليست مفتوحة، وحتى أنّ الطريق الواصل من دمشق إلى مشفى البيروني ليس مفتوحاً دوما حيث شهد مراتٍ عدّة اشتباكاتٍ في الطريق.

يقول الدكتور حسن سليمان مدير “مركز معالجة الأورام”: “إنّ المركز مجهّزٌ بالأسرّة والمعدات منذ أكثر من سنة، وتم التعاقد مع أحد الأطباء في المدينة، ولكن نحن بحاجةٍ فقط إلى الجرعات الخاصة بالأورام، لكي يدخل المركز في الخدمة”. مركز الأورام هو مركزٌ حكومي لم يدخل في الخدمة بعد بالرغم من مرور أكثر من سنة على افتتاحه، إلا أنّه يقوم بتسجيل المرضى على أمل افتتاحه لاستقبال المرضى في المستقبل القريب. وقد تم تسجيل 1800 مريض حتى الآن بحسب مسؤولة مراقبة الدوام هيفاء خليل.

إنّ آلية عمل المركز في حال دخوله في الخدمة، تعتمد على إجراء التدخل الجراحي أو الكيماوي بدايةً في مشفى البيروني، ومن ثم متابعة أخذ الجرعات في المركز، وذلك إن حصل سيخفّف كثيراً من معاناة الذهاب إلى دمشق لأخذ الجرعات.

السمسرة وغلاء بطاقات الطيران

منذ منتصف العام 2012 وحى الآن فإنّ الطرق البرية بين محافظة الحسكة ودمشق مقطوعةٌ بشكلٍ كاملٍ بالنسبة للسفر البري، حيث أنّ شركات النقل توقّفت عن الخدمة بعد حوادث كثيرة تعرّضت لها؛ خاصةً اختطاف البولمانات، وهنا يذكر أحمد حاجو “من مكتب الشحن بشركة هفال”: “تم اختطاف باصٍ للشركة على أيدي مجهولين، ولأكثر من مرة تم اختطاف سيارات الشحن وتهديد سائقيها بالقتل أيضا”، وهذا الأمر أدّى إلى انقطاع السفر عبر الطرق البرية إلى دمشق، وذلك لكثرة الحواجز العسكرية التي لا يعرف أحياناً لمن تتبع، ووجود عصاباتٍ أو من يُسموّن بـ “المشلّحين” بحسب التسمية الشعبية.

هذا أدّى إلى توجّه الناس إلى شركات الطيران، والتي تنطلق من مطار قامشلي، حيث تنطلق منه طائرات الشركة السورية للطيران، وقد أدّى زيادة الطلب عليها للسفر إلى دمشق بقصد المعالجة أو الدراسة أو تسيير أوراق، إلى جعلها بيئةً مناسبةً لعمليات السمسرة وبيع البطاقات بضعف أسعارها المعلنة ومكاناً للاستفزاز، أو دفعهم إلى التوجّه للشركات الخاصة الغالية في الأصل كأجنحة الشام وفلاي داماس، وفي حال تمّ تأمين البطاقات فإنّها تضطر المريضَ إلى الانتظار حتى يحين دوره، أو يضطر إلى السماسرة لتقريب موعد السفر.

بروين عبد الله مريضةٌ تعاني من سرطان الثدي، اضطرت للسفر إلى دمشق عدّة مرّاتِ بقصد المعالجة، وكانت في كلّ مرةٍ تبقى 40 يوماً لأخذ جرعةٍ واحدة ما بين انتظار بطاقات الطيران وانتظار الدور في المشفى وحتى تعود، وهي تكاليف باهظة جداً تشمل مصاريف الإقامة في دمشق مع مرافق لها، وتكاليف بطاقات الطيران وتأمينها وأجرة الطرقات داخل دمشق، كل ذلك اضطرتها إلى التفكير بحلولٍ بديلة، وهو العلاج في إقليم كردستان، والذي يُعدّ رخيصاً إذا ما تمت مقارنته بالسفر إلى دمشق.

المعالجة في دول الجوار

بسبب إغلاق المعابر الرسمية بين تركيا وسورية في المناطق المحاذية لمحافظة الحسكة، فإنّ المرضى يقصدون إقليم كردستان العراق، ولكن السفر إلى إقليم كردستان ليس سهلاً دوماً، فقد تم إغلاقه عدّة مراتٍ لأسباب سياسية، والآن يُعدّ المعبر مفتوحاً أمام الحالات المرضية وحالاتٍ إنسانيةٍ أخرى، وهو أمرٌ لا يحتاج سوى إلى ورقةٍ من هيئة الصحة في “الإدارة الذاتية”، بحسب الدكتورة عبير حصاف رئيسة الهيئة حيث تقول “نقدّم جميع التسهيلات لمرور المرضى، وخاصةً مرضى السرطانات إلى الإقليم بهدف المعالجة، كذلك نقدّم التصوير الطبقي المحوري في أحد مراكزنا بشكلٍ مجاني وهو ما يخفف الأعباء عن المريض”.

 

السرطان وآفاق الحلول

إن الحديث عن آفاق حلولٍ لمرضٍ كالسرطان لهو الآن بمثابة ضربٍ يقارب المستحيل، في ظلّ عدم اكتشاف حلول طبية للمعالجة النهائية عالمياً، ولكن هناك طرقٌ للحدّ من انتشار المرض في باقي الجسم وتثبيط نشاط الورم، وتركّز مراكز الأبحاث الطبية العالمية على التشخيص المبكّر للمرض، وهو السبيل الوحيدة لإطالة عمر المريض، والحدّ من انتشار المرض في باقي الجسد. على المستوى المحليّ تكمن المشكلة أولا في غياب الإحصاءات التي تساعد في معرفة نسبة السرطانات في محافظة الحسكة وأكثرها شيوعاً، والأسباب التي تزيد منها، وذلك للوقوف على حلّها.

كما أنّ الانتهاكات بحقّ البيئة باتت على درجةٍ كبيرةٍ من التسيّب في ظلّ عدم الضبط، خاصةً فيما يتعلّق بموضوع تكرير النفط، وما يسبّبه من انتهاكٍ صارخٍ في البيئة واستفحال تأثيره على الحيوان والنبات، وقبل كلّ ذلك الإنسان. ويُرجّح أن تكون الزيادات في الإصابة بأمراض السرطان في الجزيرة وفي محافظة الحسكة بالخصوص (فيما لو تم إثبات ذلك) بسبب تكرير النفط بالدرجة الأولى، وهو أمرٌ برسم القائمين على إدارة المنطقة، والذين يتحمّلون وزراً كبيراً إن لم يكن الوزر كلّه في توسيع نطاق هذا العمل الذي يعادي الإنسانية.

في الدرجة الثانية يُرجّح أن يكون عامل المواد الغذائية وعدم مراقبتها من ناحية احتوائها على مواد مسرطنة غير متوافقة والشروط العالمية، والمواد الغذائية القريبة من انتهاء مدة الصلاحية أو المنتهية بالفعل، أو ما يتم من أعمال الغش من تدوين تواريخ مزوّرة في ظلّ رقابةٍ حقيقيةٍ لهذه الأمور.

برومو الشهيد ناجي الجرف