حصيدة

تحقيق صحفي حول تصنيف الميليشيات الموالية للنظام السوري

واقع الميليشات الموالية للنظام السوري

كفاح عباس

الميليشيات السورية الموالية للنظام السوري من حيث تبعيتها السياسية والعسكرية وطرق عملها، تمويلها، دورها في السياسة السورية، تأثيرها على المناطق التي يسيطر عليها النظام، أسئلةٌ يحاول هذا التحقيق الأولي الإجابة عنها بشكلٍ جزئيّ، حيث أن كلَّ جزئيةٍ منها تحتاج لتحقيقٍ مفصّل.

يُعدّ تصنيف هذه الميليشات على أساس تبعيّتها وتمويلها هو التصنيف الأكثرُ دلالةً على وظيفة هذه الميليشيات ودورها، وبالتالي يكون توضيح تقسيماتها وولاءاتها بهذا الشكل بمثابة تعريةٍ لهياكل نمت هي وأفعالها وسمعتها بشكلٍ سرطانيٍّ في مناطق سورية.

1- ميليشيات محلية: تم إنشاؤها بمبادراتٍ من رجال أعمالٍ أو قادة عسكريين تابعين للسلطة بشكلٍ مباشر، أو مستفيدين منها ومن فسادها؛ وأبرزها:

ميليشيا “صقور الصحراء”

ظهرت في نهاية عام 2013، بقيادة رجل الأعمال وقريب بشار الأسد “محمد جابر”، وبمساعدة أخيه “أيمن جابر” المشرف الميداني والعملياتي. كُلّفت ميليشيا صقور الصحراء بحماية المنشآت النفطية، لكنّ النظام استخدمها لاحقاً في عدّة جبهاتٍ أخرى منها إدلب وبعض الجبهات في حمص.

تميّزت ميلشيا صقور الصحراء براتبٍ جيّدٍ يصل إلى خمسين ألف ليرةٍ سوريّة، في حين أن راتب ميليشيا الدفاع الوطني لم يتعدَّ خمسة وعشرين ألفاً آنذاك، وظهرت هذه الميليشيا مع بدء انحلال ميليشيا الدفاع الوطني، حيث نجد أن أغلب مقاتليها سبق وكانوا مقاتلين مع ميليشيا الدفاع الوطني.

تعمل هذه الميليشيا بمنطق العصابات، حيث يترأّس كلّ مجموعةٍ شخصٌ مقرّبٌ من أيمن الجابر، ويتم إنجاز مهامها القتالية تحت إشراف “جيش النمر” أو جيش النظام، وسجّل استقلالها في حماية المنشآت النفطية في تدمر إلى حدٍّ بعيد.

تمتلك “صقورالصحراء” أسلحةً خفيفةً ومتوسطة، وسيارات دفعٍ رباعيّ، وعربات نقل جنود تم استقدامها من جيش النظام، لكنّ عدد عناصرها لم يتجاوز الخمسة آلاف بسبب ظهورها في وقت انكماش شباب الساحل ونفورهم عن القتال.

ميليشيا “جمعيّة البستان”

ظهرت مع بواكر الثورة السوريّة بتمويلٍ من “جمعيّة البستان” الكائنة في مدينة جبلة، والتي تعود لرامي مخلوف رجل الأعمال القريب من بشار الأسد، لكنّ هذه الميليشيا انحلّت بشكلٍ سريعٍ ليتحوّل معظم عناصرها لمليشيا “الدفاع الوطني”، بعد نشاطٍ وُصِف حينها ب “الإجراميّ” في مدينة حمص. استُخدم عناصرها للرقابة على حواجز الجيش النظامي في بداية وضع هذه الحواجز في مدينة دمشق وباقي المدن السورية، كما تم تكليف عناصرها بحماية مراكز “سيريتل” في كلّ المدن وخاصةً دمشق، بسبب عدم ثقة النظام في بداية الثورة بعناصر الجيش لكثرة الانشقاقات.

مجموعات رجال الأعمال في طرطوس

بدأت كمثيلتها، “جمعيّة البستان”، وتحوّل معظم عناصرها لميلشيا الدفاع الوطني. وتجدر الإشارة هنا إلى أنها بقيت ضمن تسمياتها التي انطلقت بها كمجموعات “خضر الحسين” ومجموعات “الرحّال”، وحافظت على بنيتها وهرمها القياديّ حتى بعد أن أصبحت جزءاً من الدفاع الوطني.

2- ميليشات على مستوى سورية :

ميليشيا “الدفاع الوطني”

 أسّسها النظام بعد إطلاق الثورة السورية ليستوعب فيها كلَّ من أراد التطوّع للقتال، سواءٌ كانت دوافعه طائفيّة، أو معيشيّة أو سلطويّة.

اللّافت في هذه الميليشيا هو تعدّد المصادر التي كانت ترفدها بالمقاتلين، واختلاف مهامها بين المناطق المستقرّة، أو مناطق الاحتكاك الطّائفي، حيث كان ومازال التّطوع في هذه الميليشيا مفتوحاً للجميع ولكن الوساطات كانت تلعب دوراً مهمّاً في مناطق الخدمة والمهام المُوكلة.

لعب “الدفاع الوطني” دوراً هاماً في إحكام القبضة الأمنيّة على السّاحل السّوري، حيث تم تشكيل أغلب الحواجز في المناطق الهادئة من هذه الميليشيا برئاسة أو مشاركة أحد الأفرع الأمنية. وبحكم معرفة أفراد هذه الميليشيات بمناطقهم بشكلٍ كبير، كان من الصّعب على الأفراد من خارج هذه المناطق التحرّك فيها.

سُجّلت وتُسَجّل في  تاريخ هذه الميليشيا أفظع المجازر في سورية، من “البيضا” في بانياس إلى “القبو” و”كرم الزيتون”، وغيرها من المجازر التي دفع إليها النظام بحشد عناصر من الدفاع الوطني كانوا يتطوّعون لهذه المهام، يدفعهم الشحن الطائفيّ العالي، والبروبغندا الإعلامية، وحرب الإشاعات التي أتقنها النظام بشكلٍ كبير، حيث تمكن من خلالها من حشد الكثير من المقاتلين الجاهزين ليكونوا سفّاحين دون أن يرفّ لهم جفن.

يُموَّل الدفاع الوطني من الحكومة السورية، وبدعمٍ ماليٍّ واضحٍ من إيران، سواءٌ عبر تدريب العديد من عناصره في إيران، وتلقيهم بالإضافة للتدريب العسكري بعضَ الدروس الدينية، أو من خلال دعم وشراء بعض القادات.

 وهنا تجدر الإشارة إلى الفشل الذريع الذي وقعت فيه السياسية الإيرانية، والتي كانت تعتقد أن بإمكانها قيادة حملة تشيّعٍ كبيرةٍ عن طريق تدريب المقاتلين، وإعطائهم بعض الدروس الدينية، ولكن الواقع أثبت أن الحلم الإيراني بتشييع السّاحل السّوري ما هو إلا مجرد أضغاث أحلام.

ضَعُف دور الدفاع الوطني بشكلٍ كبير بعد تدخّل حزب الله والميليشيات العراقيّة والإيرانيّة، والتحاق الشباب من أفراده بالجيش النظاميّ، وبقي فيه بعض المعمّرين الذين يؤدون مهام حراسةٍ وتأمين بعض النقاط التي يدخلها الجيش النظاميّ، ويغادرها بقصد الدّخول لمناطق أخرى، فتترك لهم هذه المناطق (لتعفيشها) وحراستها.

يقول أحد المنتسبين إلى الدّفاع الوطنيّ ردّاً على سؤالٍ حول طبيعة الدّفاع الوطني:

“تركتُ القتال مع الدّفاع الوطنيّ وعُدت إليه عدّة مرّات، بسبب انسداد الأفق، فلا يوجد مصدرٌ آخر للدخّل غير القتال، كما أنّني أغيب خمسة عشر يوماً وأعود خمسة عشر يوماً، ممّا يتيح لي القيام ببعض الأعمال الزّراعيّة، كما أنّ شروط القتال تحسّنت كثيراً عن ذي قبل، فلم نعد نُكلَّف بمهمّات الاقتحام والاشتباك المباشر مع المسلَّحين، بل يوكلون إلينا مهام الحراسة كخطٍّ ثانٍ، فمعظمنا ممن تتجاوزت أعمارهم الأربعين، إذ لم يبقَ في الدّفاع الوطنيّ الكثير من المقاتلين بعد أن التحق جلّهم بالجيش ومع سهيل الحسن”.

اللّجان الشّعبيّة

تكفّل حزب البعث بتشكيل هذه اللّجان في بداية الثّورة السّورية، حيث كُلِّفت بوضع الحواجز على مداخل القرى والمدن في السّاحل السّوري، ومداخل الحارات في دمشقَ وحمص، رغم أنّ هذه المناطق كانت تُعتبر مواليةً للنظام بشكلٍ شبهِ كامل في ذلك الوقت، فقد كانت الغاية منها ترهيب المساندين للثّورة السّورية في تلك المناطق، والنّاس بشكلٍ عام.

انحلّت هذه اللّجان بعد فترة، والتحق العديد من أفرادها بالدّفاع الوطنيّ.

كيف تعمل هذه الميليشيات ولمن تتبع في قراراتها السّياسيّة والعسكريّة؟

في الإجابة على هذا السّؤال يتبيّن الدّور الكبير لإيران، وروسيا فيما بعد، في قيادة الحرب في سورية وتوجيهها في الاتّجاه الّذي تراه مناسباً. فسواءٌ كنا نتحدث عن مجموعاتٍ صغيرةٍ أو ميليشياتٍ كبيرة فإنها تَتْبع بطريقةٍ أو بأخرى لأحد أجهزة الأمن السّوريّ، ويتم التّنسيق فيما بينها عن طريق التّنسيق بين هذه الأجهزة، حيث تتبع هذه الأجهزة بدورها من خلال التحكّم بقيادتها لإيران وروسيا بشكلٍ واضحٍ، إذ تسيطران على مفاصل مهمّة في الأجهزة الأمنيّة، عبر علاقاتها الوثيقة مع ضبّاطٍ ورجال أعمالٍ ذوي نفوذٍ واسعٍ، وهو دورٌ عملت على تعزيزه منذ بداية الثّورة السورية، من خلال شراء الذّمم، والوجود العسكريّ المباشر لقياداتٍ من الحرس الثّوريّ في هرم القيادة العسكريّة والأمنيّة في سورية، والعمل على توريط السّلطة في سورية بالمزيد من العنف لتزداد حاجتُها لها بشكلٍ مضطرد.

 وحين نراجع ما قامت به هذه الميلشيات منذ بداية تشكّلها في السّاحل السّوري ودمشق بشكلٍ خاص، نعرف جيّداً كيف جرّت إيران السّلطة في سورية إلى زيادة العنف والاحتقان الطّائفيّ بشكلٍ كبير، مع إدراك أنّ السّلطة لم تكن في موقف المُنصاع أو المجبَر، بل توهّمت أنّ هذا العنف سوف ينهي الثّورة في مهدها، وأنّ الفاتورة التي سيتوجب دفعها للإيرانين لن تكون كبيرة، ومن هنا يسّرت السلطة التّغول الإيراني رغبةً منها في تقاسم الأعباء العسكرية والسياسية والعواقب في آنٍ معاً.

كيف يؤثّر وجود هذه الميليشيات على الناس في مناطق سيطرة النظام؟

في حين تُعتبر هذه الميليشيات بالنسبة للعديد من الناس وسيلةً لكسب العيش، يصرّح آخرون بشكلٍ واضحٍ بالكره الشديد لها، كونها تسيء لسمعة الجيش النظامي، بسبب ارتكابها لأعمال النهب والسلب في المناطق التي تدخل اليها. وعلى الرغم من أن مجمل أعمال هذه الميليشيات تتركّز في مناطق تُعتبر خارج سيطرة النظام، أو مناطق غير مواليةٍ بشكل كامل، إلا أن تواجدها في مناطق سيطرة النظام لا يُستهان به، إضافةً إلى أن معظم ما يتم “تعفيشه” يتم بيعه في هذه المناطق.

كما تتّسم علاقة هذه الميليشيات مع الناس بشكلٍ عام بوجهين مختلفين: وجهٌ بربريٌّ في المناطق التي يعتقدون أنها غير موالية بالمطلق، ووجهٌ آخر ينمّ عن الكثير من السذاجة والتعالي على الناس، مع الأخذ بعين الاعتبار المسألة الطائفيّة وتأثيرها الواضح على تعاطي هذه المجموعات مع الناس، سواءٌ كان ذلك بالتركيب الطائفيّ لهذه المجموعات، أو بالتركيب الطائفيّ للمناطق التي تنشط فيها.

عملياً، ماتزال للسطلة السورية سيطرةٌ على هذه الميليشيات وسلاحها وقدرةٌ على إسناد المهام لها، وإن كانت العصا الروسية والإيرانية هي القائد والمدبر الفعلي.

برومو الشهيد ناجي الجرف