حصيدة

إعلام الحرية و القيود المفروضة عليه من جديد

إعلام الحرية.. القيود من جديد

محمد حاجّ قدور

لطالما كان النظام السوري يراقب وسائل الإعلام باختلاف أنواعها ويضع كافة أنواع الفلاتر الكفيلة بأدلجة وتسطيح وإعادة تكرير كلِّ معلومة، ناهيك عن منع ولادة أية وسيلةٍ إعلاميةٍ لا تنضوي تحت شروطه، وبالطبع يبدو هذا كفيلا بكتم أيّ صوتٍ قد يهمّ بنقل حقيقةٍ أو خبر، وهو أمرٌ بات معروفاً للجميع.

أما بدايات الثورة فقد تطلّبت انخراط فئةٍ من المواطنين ممن لا باع لهم بالعمل في هذا المجال لتوثيق المظاهرات السلميّة ضد نظام الأسد، ونقل مجريات الأحداث المتتابعة في الساحة السورية، عبر تصوير الانتهاكات ابتداءً من إطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين، مروراً بحملات الاعتقال والإعدامات الميدانية، وصولاً إلى القصف الجوي من خلال طائرات النظام الحربية والمروحية على المناطق الخارجة عن سيطرته، وتوثيق جرائم التهجير القسريّة.

ومن هنا كان لدور المواطن الصحفي أهميةً كبيرى لدى وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، حيث نقل المواطن الصحفي حقيقة ما يجري بجرأةٍ راقبها العالم كلُّه، وشاهد هؤلاء المواطنين الصحفيين يتساقطون مع كاميراتهم شهداء الصورة والخبر أمام مشاهد الموت.

وعلى الرغم من أن دور المواطن الصحفي افتقر إلى الدقة  والاكتمال في نظر أبناء المهنة، لكن أهميته الكبيرة ورغبة العالم في معرفة ما يجري على الأرض السورية، جعلت مختلف وسائل الإعلام تعتمد على هذا الدور، حتى أصبح أساساً ومصدراً موثوقاً وهامّاً للمعلومات.

وبعد مضيّ هذه السنوات على الثورة وتحوّل سورية إلى أخطر بلدان العالم على الصحفيين، ومع ذلك فإن هؤلاء النشطاء استمروا في تغطية الأحداث وتوثيق الانتهاكات، واستمرّ قتل وجرح العشرات منهم ولا زالوا يقومون بعملهم لإيصال رسالتهم وإيصال صوت الشعب السوري.

حمل العام 2016  تغييراتٍ عدّة على واقع الإعلاميين والناشطين الميدانيين في سورية، وذلك تبعاً للتغييرات في مناطق سيطرة الأطراف المتنازعة جغرافياً وسياسياً، وما يميز هذا العام هو عودة المظاهرات السلميّة للظهور من جديد على خلفية تراجع فصائل المعارضة وخسارتها لكثيرٍ من المناطق، إثر عمليات التهجير القسريّ التي اتبعتها قوات النظام في مناطق ريف دمشق وحمص وحلب، ومطالبة تلك الفصائل بالتوحّد من جديد لدرء خطر تمدّد النظام بمساندة روسيا وإيران.

تقول إحدى الناشطات الإعلاميات وقد فضلت عدم ذكر اسمها (س.ع) في مدينة إدلب: “هناك تغييراتٌ كثيرةٌ طرأت على الحالة الأمنية، طالت بالطبع الناشطات اللواتي يعملن في الداخل السوري تحديداً، ويقمن بتوثيق الانتهاكات، وإجراء مقابلات مع الناجيات من سجون النظام. ومع تعدد الفصائل وتشتت الحالة الأمنية في مناطق الشمال المحرر، وعدم وجود جسمٍ واحدٍ يدير تلك المناطق، برز دور بعض الفصائل الإسلاميّة المتشدّدة، ما أثر سلباً على عملنا كناشطات، وقيد حريتنا الإعلامية، لدرجةٍ وصل بنا الحال أن نخشى من التصريح أمام أحدٍ أننا نعمل في هذا المجال، خشيةً من ردة الفعل، فعلى سبيل المثال شهد عام 2016 (أي بعد عامٍ على تحرير مدينة إدلب) توظيفَ داعياتٍ في شوارع المدينة من قِبل اللجنة الشرعية في إدارة جيش الفتح، ومهمتهن إيقاف كل فتاةٍ أو سيدةٍ لا تلتزم باللباس الشرعي، وسوقها إلى اللجنة الأمنيّة لتكتب تعهداً بعد طلب وليّ أمرها بأن تلتزم به. ونحن كناشطات لاحظنا تكرر الاعتداءات على بعض الفتيات في الأسواق، وصل بعضها لإطلاق الرصاص وملاحقتهن في الأسواق، فكنّا نخشى على أنفسنا من الاعتقال عند توثيقنا ما جرى، لأننا حسب رأيهم سندعو للنفور من الإسلام وعدم تطبيق شريعته”.

وتتابع بخصوص تأثيرات سقوط حلب على طبيعة عملها: “أما بالنسبة لما حدث في حلب، فكان تهجير أهلها حدثاً محبطاً للجميع، فتوجه كثيرٌ من نشطاء المدينة بعد فكّ الحصار عنهم إلى تركيا، لكونهم قد فقدوا الأمل بتغييرٍ لصالح الثورة في سورية، وبالأخصّ مع قيام النظام بمواصلة سياسته في وادي بردى بريف دمشق، وبالنسبة ل(داعش) فنحن لا نخشى كثيرا منهم لأنهم بعيدون عنا حالياً، ولكون قوات درع الفرات المدعومة من تركيا تتقدم باتجاه مناطق نفوذهم”.

ويقول باسل من مدينة بنش: “لم يطرأ أيُّ تطورٍ نحو الأفضل فيما يخص واقع الإعلاميين في الشمال السوري، بل على العكس، شهد عام 2016 موجة اعتقالاتٍ وخطفٍ طالت عدداً من الإعلاميين، وأغلبهم من قِبل جهاتٍ مسلّحةٍ مجهولة، فضلاً عن تقييد حرياتهم بما يتماشى مع السياسة التي تتبعها الجهات العسكرية الحاكمة في تلك المناطق، ومعروفٌ ما حدث في إحدى مظاهرات مدينة إدلب من اعتداءٍ على إعلاميين بالضرب وتكسير معداتهم من قِبل عناصر تابعة للفصائل العسكرية دون أيِّ مبررٍ أو حججٍ مقنعةٍ في ظلّ غياب الحماية الأمنية عنهم، فضلاً عن عدم إعطائهم تصاريح لتوثيق وتصوير بعض الأحداث أو الفعاليات المهمة التي تحدث في تلك المناطق، ليقوم الإعلاميون التابعين لهم بتوثيقها.

أستطيع أن أقول أنّ الحدث موجود، ولكننا لانستطيع في معظم الأحيان توثيقه، أو إيصاله إلى الناس ليعرفو الحقيقة، تحت طائلة الخوف من القوى المسلحة على الأرض، وأضيف أنه يمكننا تغطية الجوانب الإيجابية ومايتعلق بجرائم النظام فقط، وأنَّ أيّ تغطيةٍ تمسّ أفعال أيِّ فصيلٍ أو مجموعةٍ مسلحة غير ممكنة، وربما يمكن ذلك ولكن بسريةٍ تامّة، وهذا الأمر ربما سيكون صعباً ولن يكون بمقدرونا عنده القيام بدورنا كنشطاء إعلاميين كما يجب. والمفارقة أننا بتنا نمتلك شبكة علاقاتٍ واسعةٍ مع وسائل الإعلام، ولكننا لانستطيع استعمال هذه العلاقة أو الاستفادة منها لتسليط الضوء على الأخطاء من أي طرفٍ كان، وذلك تحت عنوان  الخوف على حياتنا”.

أما الناشط نديم فيقول:” حول تغطية الأخبار وبالأخصّ فيما يتعلق بموضوع التوثيق، مازال هناك بعض الإشكاليات لبعض الجهات الإعلامية، فهناك صعوبةٌ في منحها تصاريح من قبل إدارة جيش الفتح تخوّلها التجول في تلك المناطق، وتصوير أو إجراء مقابلات، أو توثيق حدث، فقد تعرّض كثيرون منهم للاعتقال لدى تصويرهم في أماكن عامة. وغالباً ما تكون التصاريح مشروطةً بزمنٍ وبأماكن معيّنة لا يمكنهم تجاوزها، وإلا تعرّضوا للمساءلة. أضف إلى ذلك التقييد من ناحية نقل الأخبار التي تتعلق بالمشاكل بين الفصائل كالتي حدثت مؤخراً بين جند القصى وأحرار الشام، بحجّة أن نقلها يسيء لسمعة مناطق المعارضة، ويتعرض الإعلاميين للاستهداف بعبواتٍ ناسفةٍ، أو للخطف، دون وجود ضامنٍ لسلامتهم”.

وأضاف: “شخصياً لم أتأثر بسقوط حلب على مستوى العمل الإعلامي، بل دفعني ذلك للعمل بشكلٍ أكبر، حيث شعرت أننا كمواطنين صحفيين أو نشطاء إعلاميين كان لنا دورٌ في سقوطها بهذا الشكل السريع، وحاولت أن أكون إيجابياً بين زملائي من النشطاء، فعمظمهم كان محبطاً بشكلٍ كبير.

وأضاف نديم حول الصعوبات والعقبات التي يتعرضون لها، بأن أشار إلى تدني مستوى الدخل مع بعض وسائل الإعلام التي يعمل معها، قياساً بساعات العمل الطويلة التي يقضيها أمام الحاسوب، وهو يقوم بتحرير الأخبار، ومعاناته مع مشكلة الكهرباء ومشاكل معيشيةٍ أخرى جميعها تتعلق بمستوى الدخل المقدّم له من قِبل الوسيلة الإعلامية التي يعمل معها، يقول: “لا أمتلك علاقاتٍ واسعة مع وسائل الإعلام الأخرى، وإن هدفي غير مادي، ولكن لكي أقوم بعملي كناشطٍ إعلاميٍّ بشكلٍ جيد لابد من تأمين متطلبات الحياة الأساسية التي تمكنني من التنقل والعمل على الأقل”.

أمّا عمار من قرية طعوم فيقول: “مجمل مشاكل النشطاء هي ذاتها تقريباً، وخاصةً فيما يتعلق بالموضوع الأمنيّ، وقدرتهم على التغطية بشكلٍ جيد، فالدرس محفوظٌ من قِبل الجميع، إذ لا يتجرأ أحدٌ على الإشارة إلى السلبيات، خاصةً عندما يتعلق الموضوع بالفصائل، وأيّ موضوعٍ يخصّ الحياة في هذه المناطق سيودي في النهاية إلى الحديث عن واقع سيطرة الفصائل، وشكل الحياة في ظلها، فيما كنا في الأعوام 2011 و2012 و2013 نمتلك الحرية كاملةً لنقل الأخبار وتوثيق الانتهاكات. تستطيع أن تلاحظ الآن أنّ حريتنا كإعلاميين باتت تتلاشى، وبات الجميع يعرف القانون العام من دون أن يكون مكتوباً، وأستطيع أن أصفه بأنه صار عرفاً، وهو بجملة واحدةٍ مفيدة وبخطٍ عريض (تحدّث عن النظام وجرائمه، وإيجابيات الفصائل فقط) وخارج هذا فالجميع معرضون للمساءلة على أقلٍ تقدير”.

وأضاف عند سؤالنا له عن تأثيرات سقوط حلب عليهم كنشطاء: “بالطبع أثّر سقوط حلب في قبضة النظام سلباً على الإعلاميين، وبالأخص لمن كانوا محاصرين داخل أحيائها الشرقية، فقد خرجوا رغماً عنهم محبطين كونهم كانوا يوثّقون وينقلون واقع القصف والعمليات العسكرية التي كان يشنّها النظام حينها لإجبارهم على الاستسلام، إلا أن قسماً كبيراً منهم تابع عمله في المناطق التي خرجوا إليها، وحاولنا مساعدتهم بالرغم من إحباطنا الشديد، ووصول بعضنا لحد الاستسلام والتسليم بأن الثورة انتهت”.

الإعلامي عمر نجدت أخبرنا عن تجربته خلال عام 2016 في العمل الإعلامي:

“من أكثر المشكلات التي تعترض عملنا نحن المصورون والنشطاء الإعلاميين بشكلٍ عام، اعتراض بعض الفصائل العسكرية لمهامنا لدى توثيق أيّ حدثٍ آنيّ، فعلى سبيل المثال كنا نستعد لتصوير الأهالي المهجّرين القادمين من ريف دمشق، وعند انتظارنا وصول الباصات في ريف حماه، قمنا بتجهيز الكاميرات، فقام بعضٌ من عناصر تابعةٍ لفصيل جيش النصر باعتراضنا والتهجّم علينا بحجة أن إعلاميي الفصيل هم وحدهم من يمتلكون الأحقيّة بالتصوير، وكأن العمل الإعلامي حكرٌ عليهم، باعتبار أنّ الحدث يقع في منطقة نفوذهم، فقاموا بالاعتداء بالضرب وتكسير المعدات”.

وأضاف أنه من المؤسف أن الحال تغير للأسوأ، فقد زاد الخوف من الفصائل المقاتلة، ولم نعد نتجرّأ كنشطاء على توجيه أيّ انتقادٍ لأيّ فصيلٍ أو أية إدارةٍ تتبع لأيّ فصيل، لأن ذلك سيعود بالخطر على حياتنا.

وحول القدرة على تغطية الأخبار والتعقيدات التي طرأت قال عمر: “إن قدرتنا على التغطية انخفضت بشكلٍ عام، وذلك بسبب كون الأحداث التي تجري في الشمال السوري متسارعة ومعقدة، أحداث التهجير القسري والاقتتال بين الفصائل مثالاً، وأيضاً الانشقاقات والانضمامات، فعند تغطية مثل هذه الأحداث الحسّاسة فإن بعض الفصائل تتّخذ الناشط الذي يقوم بالتغطية على أنه طرف، وربما تقوم بمضايقته أو اعتقاله وضربه” وأضاف أيضاً أن تغطية قصف المدنيين أو أعمال المنظمات المدنية والإنسانية ليست أقل تعقيداً، فالعديد من المدنيين وبعد قصف منازلهم وقدومنا لتغطية الحدث، وتوثيق جرائم النظام، يقومون بمنعنا، وفي بعض الأحيان يحاول بعضهم الاعتداء علينا لاعتقادهم أن الصورة هي سبب القصف”.

وأضاف: “كان لسقوط حلب تأثيرٌ معنويٌّ كبيرٌ علينا كنشطاء، حيث شعرنا أننا لم نكن على قدرٍ من المسؤولية في الحرب الإعلامية التي كان يشنها النظام، وتابع بها حتى النهاية، وأثرت بشكلٍ كبيرٍ على معنويات المدنيين، وسير المعركة وسقوط الأحياء بشكلٍ سريعٍ جداً وغير متوقع”.

وعند سؤالنا له عن علاقته بوسائل الإعلام أجاب: “لقد تطورت علاقتي بشكلٍ كبير مع وسائل الإعلام العربية والعالمية، وبتُّ أمتلك شبكةً كبيرةً من العلاقات مع أكبر وأشهر وسائل الإعلام”.

وتحدّث الناشط مهند عن بعض المعوقات التي اعترضته في عمله:” كنتُ مارّاً بأحد أحياء مدينة سرمين، فلفت انتباهي جدارٌ نُقشت عليه جملٌ معبّرة، فأردت تصويره، وما إن أخرجت الكاميرا وبدأت بالتقاط الصورة وإذا بمجموعةٍ من عناصر أحد الفصائل وقد تجمعوا حولي، وصادروا الكاميرا، وشرعوا بسؤالي من أنا؟ وماذا أصوّر؟ بحجّة أن الجدار يتبع لبناءٍ يتخذونه مكاناً لهم، وظنّوا أنني أقوم بتصويره لأرسلها إمّا للنظام أو للتحالف لضرب مقرّهم، وكأنني عميلٌ لهم، وبعد نقاشٍ علَت فيه أصواتنا ريثما تأكدوا أنني إعلامي ولي سمعتي في البلد، أدركت أنه من الممكن في أي لحظة أن يلقى القبض على أيِّ إعلاميٍّ يقوم بالتصوير دون وجود حمايةٍ أو حريةٍ أو قوانين تُمكّنه من ممارسة عمله دون التعرّض لهجومٍ أو لاعتداءٍ قد يكون فيه الضحية، أو ربما يمكن أن يتعرض للخطف أو القتل بحجة أنه عميلٌ للأطراف الأخرى”.

أما الإعلامي أبو يزن فيخبرنا عن واقعهم في الشمال السوري: “من أهم صفات الإعلام الناجح أن يتّصف بالشفافية والحيادية، وينقل مجريات الواقع بكلِّ صدقٍ دون تزييف، إلّا أننا نقع في نفس الخطأ، ونتّبع سياسة إعلام النظام المبنية على نقل الأخبار التي تصب فقط في مصلحتهم، وكأننا إعلامٌ ينقل فقط الأخبار العسكريّة، وتغيّر مناطق السيطرة تبعاً للطرف الذي ندعمه. وبالمقابل نخشى على أنفسنا كإعلاميين من نقل أخبارٍ تسيء لسمعة المعارضة بشكلٍ عام، ولفصيلٍ معينٍ على وجه الخصوص، كحوادث الاقتتال والاشتباكات التي تدور بينهم كلّ مدّة، وإلّا سيكون مصيرنا حتماً الاعتقال بحجة الإساءة للسمعة وتشويه صورتهم أمام الرأي العام، ومع سيطرة تنظيم (داعش) على جزءٍ لا بأس به من الأراضي السورية، أُضيف عدوٌّ جديدٌ للنشطاء الإعلاميين، على الرغم من عدم تأثيره المباشر علينا، إلّا أنه يُصنَّف على أنه عدوٌّ بشكلٍ عام للحريات، ومن المعروف أنه وعند سيطرته على أية منطقةٍ فإنه يسارع فوراً إلى البحث والسيطرة على منابع الأخبار ونقل المعلومات، ومنع النشطاء من العمل إلّا بقيودٍ يحددها، وإجبار الجميع على العمل تحت رقابته”.

برومو الشهيد ناجي الجرف