جرن حنطة

الجزء الأول من ورقة عمل حول السياسة و غياب الديمقراطية

 السياسة والممارسة وغياب الديمقراطية

جمال الجميلي

ورقة عمل ننشرها على جزأين

-الجزء الأول-

إشارة أولى: لا يمكن الحديث عن تطوّر النظرية الديمقراطية، دون متابعتها في الواقع السياسي والاجتماعي وعبر الجدل والصراع بين الفكر والواقع، ومن خلال نضال الطبقة الوسطى في صراعها مع النظام الطبقي في القرن الثامن عشر، واستمرار هذا النضال عبر النقابات والاتحادات العمالية.

إشارة ثانية: واكب تطور النظرية الديمقراطية، تطور النظرية الليبيرالية، التي خاضت صراعاً مع القوى المحافظة والاستقراطية، بالدفاع عن حرية الاعتقاد والتعبير، واستقلال القضاء وفصل السلطات، وهي قيمٌ رفضتها القوى الديمقراطية، والتي اعتبرت أن حكم الأغلبية وقيم حق الاقتراع فقط، هي الاساس في العملية الديمقراطية.

إشارة ثالثة: نستنتج أن النظريتان الديمقراطية والليبيرالية، خاضتا صراعاً مستقلاً بدايةً مع القوى المحافظة ومع بعضهما، من خلال النضال والممارسة، وعبر ديناميكياتٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ وفكرية أنتجت مركّباً من النظرية الديمقراطية الليبيرالية، ويتبين للدارس والمتابع أن النظرية الديمقراطية الليبيرالية في تقدّمٍ وتطورٍ مستمرين من خلال الممارسة والسلطة والعمل، لكن هناك قيمٌ وعناصر أوليّة وأساسية فيها تتطور لكن لاتُلغى، مثل حق الاقتراع لكل مواطن، فصل السلطات، الحقوق الليبيرالية للمواطن، كحق الحرية وحق الملكية.. إلخ وهذا التطور يتم من خلال تعميق الثقافة الديمقراطية بالحوار والنقاش والممارسة والتجربة.

 نٌبذة عن الأسس الفلسفية للديمقراطية: لن أعود للتاريخ الفلسفي اليوناني القديم أوالقرووسطي أو عصر النهضة، للحديث عن جذور الديمقراطية وينابيعها وروافدها، لأن الغاية من ورقتي ليس البحث الفلسفي في تاريخية الفكرة الديمقراطية، سأكتفي بتقديم لمحةٍ من بدايات القرن العشرين، مع معلمي الديمقراطية الكبار، جون ستيورات ميل، وجون ديوي، وكارل بوبر.

تقوم الفكرة الديمقراطية عند ستيورات ميل على مفهوم المنفعة العامة، القائل أن الأفعال هي خيرٌ بقدر ما تعزّز السعادة لدى الفرد والمجتمع..إلخ، أما بوبر فقد دفع بصيغةٍ جديدةٍ لمذهب المنفعة العامة، هي إضافةٌ وليست نقصاً له، وأطلق على هذه الصيغة مذهب المنفعة السلبي القائل (إننا لانعرف كيف نجعل الناس سعداء، لكننا نعرف جيداً وسائل لتقليل شقائهم..إلخ ) وذهب الفيلسوف جون ديوى مؤكداً على حق الاقتراع العام، والانتخابات المتكررة.. إلخ، على أنها (وسائل ثبت نفعها في تجسيم الديمقراطية لطريقةٍ إنسانيةٍ حقّةٍ للعيش)، لكنها وسائل وليست غايات، لذلك علينا ألا نستبدل الوسائل ونجعلها غايات، فالشكل السياسي ليس غايةً في ذاته، بل هو وسيلةٌ للارتقاء بالشخصية الإنسانية التي هي (الغاية).

في الحقيقة قدّمتُ هذه المقتطفات الفلسفية الحديثة، حتى أشير إلى الأساس الفلسفي للمفهوم الديمقراطي الليبيرالي، ولكي أؤكد على الحاجة إلى تأسيسٍ فكريٍّ وفلسفيٍّ لآليات العمل السياسي الديمقراطي، والتي من شأنها أن تجعل المجتمع قادراً على حلّ أغلب مشكلاته، وتصحيح أخطائه دون عنفٍ ودماء، ولكنها بالطبع ليست هي الوصفة السحرية لقيام مجتمعٍ نموذجيٍّ مثاليٍّ خالٍ من كل المشاكل والآلام، ولكن التجربة أثبتت أن النظام الديمقراطي هو من أنجع النظم في التأسيس لعمرانٍ اجتماعيٍّ سياسيٍّ سائدٍّ وناجح على كافة الأصعدة والميادين، وهو نظامٌ قابلٌ للتطوير والتعديل والنمو من خلال الممارسة، لكن بالطبع تحتاج الديمقراطية إلى مناخٍ لتنمو من داخلها جوهرتها الحرية، والحرية لايمكن الحصول عليها دفعةً واحدة، والديمقراطية كنظام هي الطريق للوصول إلى الحرية.

ويبقى السؤال لماذا نتحدث عن الديمقراطية الآن، ويتردد لفظها كثيراً، ويتفاخر الفرد أو الحزب أو التيار أنه ديمقراطي. أعتقد أن الإجابة تكمن في الحاجة لها، والتي بدت واضحةً للعيان، وأن مسألة الديمقراطية وغيابها لعقودٍ طويلة، أصابنا بالضعف والهزال والكثير من المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتعليمية، وإننا في ماحدث سابقاً ومايحدث الآن في مجتمعاتنا على كافة المستويات والأصعدة كنا منفعلين غير فاعلين. إن تسليط الضوء على مجتمعاتنا وأنظمتنا وأحزابنا، ومعارضتنا وثورتنا والثقافة السائدة، وطرائق حياتنا وأساليب تفكيرنا، تجعلنا نشعر بمسيس الحاجة للنظام الديمقراطي على كافة مستويات حياتنا وفي كلِّ الميادين السياسية والتعليمية والقانونية، فالديمقراطية رؤيةٌ ومنهجٌ وطريقةٌ ونظامٌ تتكامل فيه العناصر والعوامل، لبناء الفرد والمجتمع والدولة.

لقد اعتمدت الأنظمة والأحزاب الشمولية والعقيدية في السلطة والمعارضة، على توجيه الناس إلى أن هناك قضايا لها الأولوية، وهي برأيهم أكثر إلحاحاً من المسألة الديمقراطية، ومن الأمثلة على ذلك (الهجمة الصهيونية الأمريكية، وكذلك الهجمة على الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية من الغرب، وفرض الدفاع عن الدين والإسلام، كما أن الديمقراطية مفهومٌ غربي، وهو يناسب الدول والمجتمعات الأوربية، والسعي إلى أسلمة مفهوم الديمقراطية..إلخ) وتم حصر المفهوم بشعوبٍ دون أخرى، والغرض من هذا كله كان استمرار حالة التسلط الاستبدادية، والحفاظ على التردي والضعف والفساد الاجتماعي والتعليمي والقانوني، وبالطبع المزيد من الهوان والمذلّة.

مع العلم أن الديمقراطية هي القضية التي تسمح بحلّ كلّ القضايا، والتخفيف من المساوىء وتصحيح الأخطاء والأفكار في كلّ الميادين والمنظومات.

نحن والديمقراطية: عرف المجتمع العربي عموماً والسوري تحديداً، مثقفين وسياسيين قوميين ويساريين يتماثلون مع أنظمةٍ دكتاتوريةٍ واستبدادية، وقد ناصبوا الديمقراطية الليبيرالية العداء، على اعتبار أنها تمثل الإمبريالية وحكم رأس المال، والبرجوازيات الجشعة المتمثل بالشركات الكبرى، أو كما قال لينين (البرلمانات غرفٌ للثرثرة ) والصحافة خداعٌ وتضليل، وحقوق الإنسان كذبةٌ كبيرة، والمؤامرة الإمبريالية مستمرة ودائمة، ومازال البعض منهم حتى بعد انيهار الاتحاد السوفيتي متمسكاً بموقفه من الديمقراطية الليبيرالية، ومازال القوميون يعتقدون بالمؤامرة على العروبة والعرب، فهو موقفٌ أيديولوجي عقيدي من النظم السياسية والاجتماعية يمتاز بعقلٍ سكونيٍّ مغلق، في حين أن البعض الآخر من المثقفين والمعارضين انتقل مباشرةً إلى تبني الديمقراطية الليبيرالية شعاراً وعنواناً رائجاً لمرحلةٍ سياسيةٍ جديدة، تسعفه على الاستمرار وربما الوصول إلى السلطة، دون أية مراجعةٍ صادقةٍ لوضعه ورؤيته وأفكاره السابقة، وقد كان هذا واضحاً في الثورة السورية.

لقد كانت الانتفاضة الثوريّة، لحظة قياسٍ حرجٍ للأحزاب والقوى الديمقراطية والعلمانية، والتي أثبتت الثورة السورية ضعفها وهشاشة بنيانها التنظيمي والمفهومي

أولاً: لم تستطع هذه الأحزاب والقوى الديمقراطية والتكتلات السياسية السابقة، من تقديم بديلٍ سياسيٍّ ديمقراطيٍّ ليبيرالي، يتضمن برنامجاً لقيادة الثورة والوصول إلى السلطة.

وثانياً: لم تتمكن من إدارة كوادرها وأحزابها، وبدأت انقسامات جديدة، وفوضى سياسية وتنظيمية. ثالثاً: أخفقت في إقامة تحالفاتٍ وائتلافاتٍ ناجحة، وتداول السلطة بين مكونات الائتلافات التي أقامتها، حيث خضع مبدأ التداول للتبعية والولاء الشخصي لفردٍ أو جماعةٍ أو مناطقيةٍ أو طائفيةٍ مستترة، وبتقديري أن السبب في ذلك يعود إلى أن الخيار الديمقراطي الليبيرالي، لم يكن مطروحاً جديّاً كبديلٍ عن النظام الأسدي، كما أن ضعف تمثّلها للنظرية الديمقراطية الليبيرالية على مستوى القيادة والقواعد ساهم أيضاً في عدم قدرتها على طرح نفسها وبرنامجها للداخل والغرب.

لقد استطاعت الحركات القومية الفاشيّة مثل البعثيّة، نسفَ كلِّ المرحلة السابقة المتمثلة بحالةِ ديمقراطيةِ وطنيةٍ بدأت تتلمس نفسها، وتحبو ببطءٍ باتجاه الديمقراطية في الخمسينيات، وبقيت الثقافة الديمقراطية الليبيرالية محصورةً في نخبٍ أو أفراد قلائل، لا يؤمنون بالعمل السياسي وبعيدين عن الشأن العام.

إن القوى السياسية اليسارية والقومية والإسلامية، التي كانت تناهض الفاشية البعثية، لم تكن أيضاً قوى ديمقراطية، فلا الأنظمة كانت ديمقراطية، ولا المعارضات التي كانت تناهضها كانت ديمقراطيةً نظراً وعملاً، والأغرب أن هذه المعارضات القومية واليسارية والليبيرالية المستحدثة، تريد محاسبة النظام على طغيانه واستبداده ورفضه للديمقراطية، وهي أي المعارضة اللاديمقراطية) لم تقدم البديل السياسي الديمقراطي الليبيرالي للآن، لذلك لم يستطيعوا حشد الناس والشعب وراءهم، وكذلك لم يقنعوا الغرب بتمثيلهم السياسي للشعب. أما الإسلام السياسي المتمثل بتشكليه الإخواني، والذي يتعامل مع الديمقراطية من خلال الوعظ والدعوة للديمقراطية من غير ديموقراطيين، محاولاً تقديم نفسه للغرب بكلّ سذاجةٍ على أنه البديل الديمقراطي المقبول من الناس، وقد أثبتت تجربة مصر أنهم غير مقبولين، وأنهم غير قادرين على إدارة البلاد وفق نظامٍ ديمقراطيٍ يؤمن بالمساواة بين المواطنين على كافة الأصعدة والميادين. ولدينا كذلك تجربة جبهة الإنقاذ في الجزائر، وإن انتقلنا إلى سورية لوجدنا أنّ الإخوان المسلمين في سورية وكثيرٌ من الأحزاب الهجينة والمٌطعمة، لا تشكل الديمقراطية همهما ولا برنامجهما، فما هي إلا وسيلةٌ للوصول إلى غايةٍ وهي السلطة، وهم ضامنون ذلك من خلال انعدام الثقافة الديمقراطية، لدى مجتمع تغيب عنه كلّ محاسن وفضائل الديمقراطية، ودفع في الثورة كلفةً بشريةً هائلة، وهو يريد وقف هذا الاستنزاف الإنساني والبشري.

برومو الشهيد ناجي الجرف