جرن حنطة

شعب بلا تمثيل…

ليس لدى الشعب السوري من يمثله

راتب شعبو

دخل الشعب السوري صراعه ضد نظام الأسد في مطلع 2011، دون قيادةٍ مبلورةٍ ودون تمثيلٍ فعلي، ومع تقدم الصراع في الزمان والاتساع لم تُنجز هذه المهمة التمثيلية/القيادية. تعثّرت المحاولات ثم فشلت، وقُطع الطريق على التطور الطبيعي للتمثيل الشعبيّ الذي كانت التنسيقيات وحدته الأولى.

إذا تجاوزنا عن البحث في أسباب هذا الخلل، ووقفنا على نتائجه، نلاحظ هدراً كبيراً في الطاقة الثورية التي لم تجد الجهة القادرة على استثمارها وتوظيفها في قنواتٍ سياسيةٍ منتجةٍ للتغيير الذي أمله السوريون. هذا الهدر لم يحرم السوريين فقط من تحقيق الغاية التي خرجوا لها، بل حوّل الصراع إلى مطحنةٍ عبثيّةِ لهم ولآمالهم ولبلدهم.

كما لم يمتلك السوريون، طوال تاريخهم الحديث، اختيار نظامهم السياسي وسلطتهم السياسية، ووجدوا أنفسهم دائماً محكومين لقوى أمرٍ واقع تسيطر على جهاز الدولة، ثم تمضي في التأسيس لنفسها “تشريعياً”؛ كذلك وجدوا أنفسهم، وهم يثورون على “نظام الأمر الواقع”، مرهونين لقوى لم يختاروها أيضاً، قوى فرضت نفسها على السوريين بقوةٍ مستمدةٍ من خارج سورية ومن خارج مساعي التحرر السورية.

لم تتأسس في سورية آليةٌ طبيعيةٌ لاختيار التمثيل السياسي، بحيث يستمد التمثيل قوته من القاعدة الشعبية التي اختارته، بل تأسست آليةٌ معاكسةٌ هي فرض التمثيل على الناس بقوة الأمر الواقع. الانقلاب العسكري يستولي على الدولة بقوة الجيش، ويفرض نفسه على الناس الذين “يختارونه” بعدئذ. الاستيلاء على الدولة أولاً، ثم حيازة “قبول” الناس، وليس العكس. قبول الناس يؤخذ بالقوة، وليست القوة هي التي تؤخذ من قبول الناس، تلك هي الآلية المعكوسة التي اعتادها السوريون في علاقاتهم مع السلطة السياسية التي تحكمهم، وهي التي تكررت أيضاً بنفس الآلية مع القوى التي فرضت نفسها عليهم خلال ثورتهم، ولذلك ظلّ السوريون بعيدين عن آلية إنتاج التمثيل الخاص بهم، وغرباء عن ممثليهم. وظلّ الممثلون أكثر أمانةً لمصادر قوتهم التي لا يشكل القبول الشعبي السوري عنصراً حاسماً فيها.

شدة وسهولة توجيه النقد، أو حتى السخرية والشتم، بحق الممثلين السياسيين للمعارضة السورية لا يدلّ على ديموقراطية أو حيوية العلاقة مع الشعب، أو على انكسار الحاجز بين التمثيل والشعب كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن، لأن مثل هذا النقد وهذه السهولة ليست متوفرةً إزاء القوى العسكرية المتواجدة في الداخل، والتي نسخت ولصقت العلاقة التسلطية السائدة بين النظام الأسدي ومحكوميه، ثم دخل الناس في هذه العلاقة بسلاسة المعتادين. الواقع أن الناس انضووا تحت سلطة هذه القوى العسكرية بنفس آلية انضوائهم تحت سيطرة قوى النظام من قبل، وما يفسر الجرأة “الديموقراطية” على الممثلين السياسيين في مؤسسات المعارضة هو غياب السلطة الرادعة لدى هؤلاء، مع تدني، أو انعدام، انجازاتهم.

مع بروز وديمومة المناطق “المحررة”، ونشوء سلطات أمر واقع إسلامية الطابع، وغير تحرريه لا بالمعنى السياسي ولا بالمعنى الاجتماعي، راحت تتكرس على نحوٍ خفيٍّ ومتدرجٍ خسارةٌ أساسيةٌ للثورة، هي تراجع نزعة التحرر التي حرّكت الثورة، التحرر الذي يعني كسر العلاقة سلطة/خضوع. ما حدث في هذه المناطق هو تكرار حالة الامتثال لسلطةٍ مستبدةٍ وليدة، وراء حجاب الصراع “الأساسي” مع النظام الأسدي، دون أن يكون لهذا الامتثال أو الخضوع ضرورةٌ عسكريةٌ ما تقتضيها المواجهة مع النظام، فقد بدأت القوى الإسلامية المسيطرة تمارس “شريعتها” في مناطقها، وهي ممارساتٌ متخلفةٌ وقهرية دون أن يتجرأ الناس، عموماً، على رفض هذه الممارسات.

الصراع العسكري ضد النظام الأسدي وحلفائه، برّر القبول بالاستبداد المستجد، القوى المسيطرة تبرر به لنفسها ممارسة استبدادها، (من لا تروق له ممارساتنا فليأتِ ويقاتل النظام على الأرض)، والسوري الممتثل يبرر لنفسه خضوعه (مستعدون لقبول أيّ شيءٍ طالما أن هذه القوى تواجه النظام). على هذا يبدو الثائر السوري في هذه المناطق ثائراً ضد سلطةٍ وخاضعاً لسلطةٍ مشابهةٍ في الوقت نفسه. والحقّ أن هذه المعادلة غير ثوريةٍ البتّة في المناطق المحررة، إنها في الواقع “سكة السلامة” في هذه المناطق؛ تماماً كما أن معاداة “الإرهابيين” والخضوع للنظام في مناطق سيطرته هي سكة السلامة بالنسبة للسوريين هناك، التمرد ضد سلطةٍ بعيدةٍ أسهل وأقل تكلفةً من التمرد ضد السلطة المباشرة.

الخضوع المفروض هنا وهناك هو ما يفسر أن الكثير من الناشطين فروا من مناطق سيطرة النظام كما من المناطق الخارجة عن سيطرته، واليوم لا يملك محكومو النظام أمام فضيحة سجن صيدنايا الرهيبة، مثلاً، سوى أن يصمتوا أو يعيدوا اسطوانة التكذيب والمؤامرات والفبركات ..الخ، أو يعربوا عن مواقفهم الرافضة سراً. كما لم يملك محكومو القوى الإسلامية أن يفعلوا شيئاً حيال الرجم العلني أو غيرها من ممارسات العنف الاستعراضي.

لا النظام ولا هذه القوى الإسلامية تمثل الشعب السوري، هذه قوى مفروضة لم ينتجها تطلّعٌ أو توافقٌ أو اختيارٌ سوري. هذه هي القوى التي ذهبت وستذهب لتتفاوض في شأن الشعب السوري الذي ليس له من يمثله.

برومو الشهيد ناجي الجرف