خميرة

“كلّ شيءٍ تغيّر في مدينتنا إلّا فُرات…”

فرات

سرمد الجيلاني

‎أمشي غريباً في هذه المدينة، حتى الطقس اتفق مع أحزاني ليمنع ظلّي عن المسير بجانبي، كنت وحيداً، وكان حولي من الناس من يكفي لتكذيبي، لكنهم مستعجلون، إذ تعلّم مواطنو مدينتنا، أن يسابقوا ساعة موتهم، يفرّون من كلِّ شيء، من يلحق بهم ليستعجلوا هكذا! يقطع تفكيري صوت طائراتٍ تكاد تحجب نور السماء، ونعيقُ غربان. ألتفت حولي ولا أرى سِوى أشخاصٍ سمّوا أنفسهم “حُسبة”، أضحك في سرّي -أسكن حيث نُجرَّمُ للابتسامة- من لا يلحق بهم!

‎تتعدد الوجوه، جميعنا تغيرنا بمرور الزمن، حتى أننا فقدنا علاقتنا الطردية بين الزمن وأعمارنا، لا بأس لو كبرتَ عامين من عمرك، فهي مجرّد لحظةٍ من سيف الجلّاد، تزيدها أشهراً قليلةً عند كلِّ غارة، حيث اعتدنا على الغارات بعد أن أكلت من أعمارنا الكثير، ولكن الفزع فِطريٌّ لدينا. تصلُ الخمسينات عائداً للمنزل الذي تركتَه قبل ساعاتٍ و كنت في الثلاثين من العمر.

‎تكبر، تفقد ذاتك، تحاول نكران نفسك شيئاً فشيء، لا عجب لو أنكرتنا ديارنا بعد ذلك.

‎كلّ شيءٍ تغيّر في مدينتنا، إلا فُرات، فُرات صديق طفولتي، شريك التجارب الأولى، لنا من التجارب منذ سيجارتنا الأولى كطفلين معاً، حتى إمساك يد محبوبتي للمرة الأولى وهو ينتظرنا، وما بينهما.

‎ألقاه عند رأس الشارع، أو ربما قدميه، بعد أن قُلِبَ رأساً على عقب، كان هناك بيتٌ كافر، أو كانت تهمته أنه مملوكٌ لـ”مرتدٍّ” غادر المدينة، حُكِمَ عليه بالتفجير، وعلى رُكامه الذي “أسلم” لاحقاً، صار مقرّاً للإخوة، وهكذا لم نعد نهتمّ بالرصاص ولا السكاكين، حتى أن أمي باتت تخرج لساحة المنزل مرتديةً الحجاب، كي لا تُلتَقط لها صورةٌ من طائرةٍ بلا طيارٍ شاركتنا الهواء.

‎أصلُ إلى فُرات، نمشي معاً ذاهبين للسوق، تمرُّ سيارةٌ أخرى للحسبة، أسبابٌ كثيرة تدفعني لأكرههم، حتى أن قريبي الذي انضمّ إليهم لم يشفع لهم، هو طيّب القلب، ولكن ممر المنزل الذي جمعنا بعد تحويله لملعب كرة وسطحنا الذي نمنا سويةً عليه، قد دمرهما تفجير منزل جارنا. ترى لو أوقفتُه وشرحتُ له أنَّ الحفر في الشارع وقتها كانت تشققاتٍ في الروح، سيفهم؟ لو نصحته بتلوين الشوارع بدل اللون الأسود، هل سيعرفني؟ ربما كنتُ سأشرح له عني، ومن يشبهني، وتوقفتُ عند عدم تأكّدي من وجودي. يوبخني فُرات، يؤنبني لكثرة الشرود بعد أن نويت المغادرة خلال أيام.

‎تغيّرت الحارات والوجوه حتى باتت مخيفة، لكن فُرات بقي وفيّاً، ما زال يفهمني حتى في الصمت، وفي كل مرةٍ أخبره أنّه سيبقى بعد أن أفنى، وكل المارقين بجانبه.

‎رجلٌ بلغ من العمر عتيّه يضحك، يقول لي فرات أنّه سيكون من المحظوظين لو مات بجلطةٍ قلبيّة، يستمر الرجل بالضحك، وددتُ لو أستطيعُ الصراخ في وجهه، أتضحك رغم كلّ السواد! يعود فرات لتوبيخي، نكمل دربنا معاً.

‎”كل شيءٍ طعمه.. طعم الفراق”، يقولها فُرات متنهداً، يحفظ من الشعر ما لم أستطع قراءته بعد، يزفر فينا القصائد، لي، للحي، لمدينتنا وما حولها، حتى السماء، ولأننا اعتدنا على الإيمان ببطلٍ يعيد للأبطال هيبتهم، كان هو المنشود.

حان موعد رحيلي إلى الشمال، هذا ما أخبرني قلبي به بعد وفاة جارنا حزناً. مات في منزله، و قد أُدرج الحزن في مدينتنا كمسببٍ رئيسيٍ للموت.

‎كان وداعُ فُرات هو الأصعب، أتذكر سؤاله “من نظّف رقبتك؟ هل ما زالت أمك مريضة؟” كان أول من رأى اليتم في عينيّ، هربت إليه بعد أيام هرباً من عويل النساء في منزلنا حزناً على والدتي، غسلني، “للأسف أنك لن تستطيع رؤية رقبتك من الخلف، ولكنني نظفتها جيداً” أرفق حديثه بابتسامةٍ قطعت نمطية بكاء الجميع عند رؤيتي، واحتضنني، قلت له “يا البيك ريحة هلي” هذا ما كانت أمي تقوله لي دائماً، كان له حنانها.

‎وصلتُ للرقة، كان لي صديقٌ سيخرج معي من هناك، ودّع صديقي كل الشوارع والأزقّة، كانت المرّة الأولى لي وأنا أرى كيف يُقتلع صديقاً من جذوره، تذكرت ديرالزور، لم يتسنَّ لي توديعها عندما خرجت، في تلك الليلة حلمت أنّي أودّعها، و كتبت على عمودٍ انزوى خلف بيتنا “بِـوداعة الله”.

‎نستيقظ صباحاً، نودع عدداً من الأصدقاء، و نكملُ شمالاً، حتى نصل.

‎وصلت نصف أنا، إذ أن الأصدقاء الذين يشبهوننا، نترك فيهم شيئاً منّا، على طول الطريق، حتى أنني اكتشفت أن فُرات كان نهراً، تجسّد فينا روحاً، وُلِدنا وشاركنا أفراحنا والأتراح، حتى بات خرير الطفل فيه سعال عجوز، ولم أقوَ على شرب الماء من نهرٍ بعدك، حتى الآن، يا فُرات الروح.

برومو الشهيد ناجي الجرف