خميرة

في آذار السادس…

في آذار السّادس

علي صدر الدين حمودي

هل بتنا نحسد بعضنا على من يمتلك غربةً مرصّعةً أكثر بملامح المكان؟؟ وما الذي أمتلكه في شارعي لأدلّ الزّائرين؟ لا منهلٌ للماء هنا “يا صديقتي”  ليكون عنوانكِ، ولا طاحونةٌ متقاعدة، ولاأشجار كينا..  عناوينهم أرقام كثيرة، وعناويننا خبز يعانق مدفئةً في الشتاء ليكتسي لون حنطة الصيف. عنواني في بلادي جدٌّ يجلس أمام الباب في ذات الوقت كل يوم، يلفُّ تبغه ويلقّم شايه لكل العابرين أمامه.

عنواني أبٌ مناضلٌ رسمت الشّمس على صدره زاوية كل فتوحات ثوّار العالم، وأمٌّ تُسقط كل أنظمة العالم صباحاً وهي تقرأ الفنجان بحثاًعن وليدٍ جديدٍ أو طريقٍ أبيض سالك.

عنواني ثقبٌ في جدار منزل كاتب التّقارير في حارتنا، إلى جانبه عربة بائعٍ يبيع أيّ قطعةٍ في هذا العالم بعشر ليرات!

عنواني بيتُ عتابا تحت داليةٍ في ليلةٍ صيفية.

هل تصل رسائلكم إلى أصحابها إن دوّنتهم عليها بيت عتابا؟؟؟

كل ما أعرفه عن غربتي هو بيوتٌ كثيرةٌ تشبه بعضها، وجيرانٌ صامتون كل الوقت، عدا بعض السّلامات المرتبكة أمام ملامحي الشرقيّة المرسومة بالسّيوف والدّماء وصهيل الخيول التي ماعادت تعرف لماذا هي تقاتل.

تقول جارتي: “ابتسم عندما تراهم، علّهم يألفونك ويهدأ الارتباك”

يا عزيزتي لن يجعل الابتسام حالهم أفضل، ولن يوقف خوفهم، فهم يعلمون أنّ السفاح لا يردعه الابتسام،

فأنا حزامٌ ناسفٌ ملتفٌّ على خصورهم، سكّينٌ مسلّطٌ على رقابهم، ذئبّ بشريّ، ومسعورٌ جنسيٌّ لا يعلمون متى ينشب أظافره وأنيابه في طهارتهم، متطرّفٌ لا يعلمون متى يقيم عليهم الحدَّ، حدُّ الرِّدَّةِ وحدُّ السّيف.

أنا خطرٌ على جيلٍ كاملٍ من أطفالهم، أنا ثقبٌ أسودٌ في مجتمعٍ أبيض؛ سوّدته تسعة بلدانٍ قطعتها زحفاً ومشياً وركضاً وبكاء، ورصّاً مع أكوام المنفيين في علبة نجاة.

أنا وجههٌ يخفي بلحيته تشوّهاً خلّفته حوافر داحس والغبراء، وخفّ البَسوس، وفتح مكّة، وهدم كربلاء، وصلاح الدّين وشيوخ الجبل، وبلـ فور وبلـ صرماية، وكل من لفّ لفيفهم سابقاً ولاحقاً.

أنا متهمٌ ولو أثبتتُّ ألف عكس. أكره البذّات الأنيقة مع رجالٍ طوال القامة، كلهم سيقومون بتفتيشي بحثاً عن أثرٍ لشعر أمي، أو كمشةٍ من صوت أبي، بحثاً عن تهمةٍ يجعلوني بعدها مجرداً من ذكرياتي،

 أنا بردان وجائع وخائف في كلّ العناقات، يرون ثيابي مبلّلةً رغم مرور عامين ونيف على رحلة قارب النّجاة من الموت إلى العدم!

أنا شخص بدائيٌّ يعلمونه التحيّة والابتسام والنّظر في عيون الآخرين دونما خوفٍ أو ارتباك، نحن لا ننظر في عيون الآخرين، هذه ثقافتنا فنحن لا نحب المجاقرة في بلادي، وما الذي ستجدونه في عيوني عدا احمرارٍ من بقايا عبواتٍ غازيّة، ودواليب محروقة ودخانٍ يكفيني سعالاً لعشر سنواتٍ قادمة؟

يعلموننا ألّا “نطاحش”، وأن ننظر صندوق البريد كل يومٍ صباحاً، يرددون حقوق الطفل والمرأة في كل لقاء، دونما أن يعرفوا أنّ في بلادي أطفالاً تجاوزت أعمارهم أعداد مغتصبي أمهاتهم، وهم لا يملكون أي تصوّرٍ عن العصفور والشّجرة؛ و أي شيءٍ يتجاوز مفهومه أطراف فتحة الطّعام من أسفل باب مسقط رأسه، و لكن هذا ليس ذنبهم، بل نحن الذين حملنا فتوحات بعضنا على بعض، وانتصارات بعضنا على بعض في حقائبنا الصغيرة التي رميناها في البحر خوفاً من الغرق، نعم في البحر عليك أن ترمي كل الأمجاد التي حملتها معك في آخر ألفي عامٍ حتى لا تُغرقك، وتُبقي معك وثيقةً تحمل اسماً لـ لا أحد، ورقماً يدلّ على انتمائك الطّائفي والعقائديّ، وتقول لهم فرحاً بعد أن ينتشلوك: “هذه هويتي، هنا اسمي؛ وهذا رقمي!” ارتجاف العضلة تحت جفن العين أقوى من كل الوثائق، أقرأ اسمي مجدّداً، و أُعيد تكراره مع رقمي بشكل رتيبٍ كما مجنّدٌ هلاميُّ الوجود، في اجتماعٍ صباحيّ.

وثائقك لا تعني شيئاً، بخمسين عصمليّةً تستطيع شراء جنسيّتي، هم يعلمون هذا تماماً، لا يبحثون معك عن كل ما ذكرته، لا يهمهم اسمك على قطعةٍ من الورق، يسألونك عن كلٍّ شيءٍ إلا اسمك، فالأسماء مجرد وُسومٍ لم تخترتها كما رقمك، يعلمون من ارتجاف يديك، واضطراب كلماتك، وحرحرة بؤبؤ عينيك إن كنت أنت نفسك الذي هو أنت، الوثائق التي تدلّ عليك هي مقدار الألم الذي تسببه لهم حكاياك، إذا أعاد عليك السّؤال فهذا يعني أنّ جوابك لم يؤلمه بالشّكل الذي ينتظره من شابٍّ ثلاثينيٍّ لم ينم في فراشٍ واحدٍ مرتين طوال سنوات؛ ويبكي أمه وكعك العيد، فأعد عليه الجواب، اشرح له أكثر عن المراجيح في بلادك، وترجم له أغنية “عمّي الحج أحمد” ولا تنسَ أن توضّح له أنّ لا عنصريّة في وصف بناته السّود بالـ قرود؛ وإنّما هي مقتضيات وحساسيّة المعركة. اشرح له عن الدّواليب التي تُضرب بالعصا وتطوف البلاد أمام سائقيها، وعن البرميل الذي سبح فيه كل أطفال الحارة لسنوات، لن يفهم! ولكن عليه أن يفهم أنها ليست مجرد أحلام طفولةٍ فقيرة، أو هذيانٌ نتيجة دوار البحر، بل هي ملحمةٌ سوف يحكيها التّاريخ لأجيال، عن أنّ أطفالاً في بلدٍ بعيدٍ أشعلوا دواليبهم دفاعاً عن أحلامهم، واستطاعوا إيقاف نيران أقوى الأساطيل الجويّة في العالم بدخانها الذي يحمل أحلامهم الصغيرة.

عندها فقط، عندها فقط تستطيع امتلاك حقِّ الوجود في زقاقات منفاك الجديد.

تذكر قبل أن أذهب من هنا أن الحزن في زاويتك ترف، والفرح ترف.. وأنت لن تكون مترفاً!

ملكٌ من له الآن زاويةٌ يتجمع فيها ويرضع “ربعيّة”.

برومو الشهيد ناجي الجرف