خميرة

أكثر من موت

سرمد الجيلاني – حنطة

كانت الغارة الأولى، أزيز الطائرة مختلفٌ هذه المرة، حتى الأرض اختلفت رجفتها عن التي اعتدنا عليها، تغيّر وجه رندة، احتضنتها زوجتي لأقوم أنا باحتضانهما معًا.

 

ليس لديّ أغلى من هاتين الروحين، “هل سنموت؟!”، لا أتوقع أنّ رندة تفهم معنى الموت، أو حتى تستطيع الكلام، كانت في أشهرها الأولى، ولكن دقّات قلبها المتسارعة وأصابعها الصغيرة التي تحاول إمساك إصبعي والضغط عليه بصعوبة كانت كافيةً لأفهم.

 

أتضاءل أمامها وأنا أرى صورتي كوالدٍ تهتزّ في مخيلتها، كيف أشرح لها أنّ حمايتها من طائرات الأمريكان أمرٌ أعجز عنه؟ كيف أقول لها أنه حتى براميل الأسد المتخلفة بعشرات السنين لن أستطيع حمايتها منها؟

 

دار في رأسي صدى سكوتها، “لماذا أنجبتني في هذه البلاد يا أبي!”، أنا غبيٌّ يا ابنتي، أضعف منك الآن حقاً.

حضّرنا الطوابق الأرضية كي ننزل إليها، رغم أننا لم نفعل، فقد اعتادت أجسادنا على القصف المتكرر، نحن أبناء الحروب، نكتسب مناعةً ضد الخوف بعد آخر نفسٍ يلفظه صديقٌ في أحضاننا، ولكن هذه المرة توجد ها هنا رندة.

 

عمّ الهدوء، مع بزوغ الشمس أصبحنا نستطيع تشغيل مولّدة الكهرباء، ومن باب التوفير اجتمعنا نحن والأصدقاء لنرى ما يحدث في العالم. كان الخبر الأول، لم نصدقّه إلا بعد التأكّد من عدة قنوات، يتحدثون أن تحالفاً بقيادة الولايات المتحدة بدأ هجوماً يستهدف تنظيم داعش في سوريا والعراق. بدت علامات السرور على وجه جارنا، انتابني شعورٌ متناقض، حتى القلب خفّف من نبضه في محاولةٍ لاستيعاب الأمر، يقولون أن معظم أفكاري ورثتُها من أبي. تبادل نظراتٍ بيننا كان كافيًا لأفهمه، هم أعداؤنا منذ الأزل، لماذا التخبّط إذاً؟

 

“ما دام تدخّلوا، أيام وتسقط المناطق هاي كلها بيدهم”، رددت دون تفكير، وبطريقة فَظّة، “لا أنت ولا كل أمريكا والنظام وداعش تسقطها، هاي أرضنا وهذا فراتنا قبلكم كلكم”، عدنا صامتين، مجرّد تفاهة، قاتِلُنا في السماء يقتلُ قاتلينا على الأرض، ويضحك بقيّةُ القَتَلة. مضحكٌ، مبكٍ، ونحن الضحايا في كل الأحوال.

 

بعد ذلك الموقف، لم يهدأ الوضع سوى لبضعة أيام، لنسمع دويَّ الغارات من جديد، كانت رندة تُصاب بنوبة بكاءٍ شديدٍ متواصل، متزامناً مع الذعر، ليست وحدها من يشعر بذلك، واختلاف العمر بينها وبين الحاضرين وحده ما يمنعهم عن البكاء مثلها.

 

مشهدٌ مكتمل، غاراتٌ ومفخخات، وأيامُنا المترفة تكون مجللةً بالذبح، عندما يصبح موت أشخاصٍ أقلّ رفاهية، أو جمع أشلائهم في مكانٍ واحدٍ هو مَكْرُمة.

في البداية كان التنظيم وحده من يتم استهدافه، ومن ثم صار استهداف المدنيين وارداً، ثم بات لا يثير حتى رغبة التساؤل لدى أحد.

 

نجلس مساءاً لنشاهد التلفاز -قبل منعه-، لم يتغير ترتيب القنوات منذ قمنا بوضع التلفاز في المنزل، مثلي مثل معظم سكّان هذه البلاد، القنوات الإخبارية في البداية، تليها قنوات المسلسلات والأفلام، ومن ثم القنوات الدينية والتي يقارب عددها الهائل قنوات الغناء، إذ أن لكل طائفةٍ مجموعة قنوات، على عدد جماعاتها، حتى أنها تكاد تنافس القنوات الغنائية بالتنوّع، يسألني أبي بإبعاد قنوات المنوعات والأفلام، أجادله دوماً، رغم أننا لا نتفرج عليها، لم أجد تفسيراً لوجودها بالقرب إلا أننا نحب الحياة، حتى لو لم نستطع عيشها كما نحب.

 

وها نحن بتنا نترحم على أيام قصف طائرات النظام، إذ أن “المهجومة” كما تفضّل والدتي أن تطلق هذه التسمية على الطائرات الأمريكية، مرعبةٌ أكثر، فهي لا تمنحنا ذات الصوت عند إغارتها، هي فقط تلقي بالحِمل، لنشعر بالانفجار، وكلُّ منزلٍ يقول أن الانفجار حدث بقربه لشدّته، وصار الموت يشاركنا كلَّ التفاصيل اليومية، في المنزل، في الشارع، في الساحات. كل الأماكن صارت مأوىً له بشكلٍ دائم، حتى أنني التقيت به عدّة مرات، اقتربت منه مرة، قابلته لأول مرّةٍ كان على متن صاروخ، كان هو الذي يمتطيه وشارع بيتنا هو المستهدف، ولكن ما إن اعتدنا على وجوده في ساحات الإعدام وعلى متن كل البراميل و”المهجومات” المنهمرة حتى صارت رؤيته روتيناً مملاً.

 

كانت رندة تكبر رويداً رويدا، بتناسبٍ عكسي مع البلاد التي تأكلنا بسرعة، تحرق كلَّ من عليها. ما زلت أذكر ليلة نحيبنا الأول، كانت الغارات كثيفة، واستيقظت، هي التي تنام باكراً كما الصيصان، كانت تبكي ولكن دموعها غزيرةٌ هذه المرة، بكيت معها، ما أنا بحجر!، أذكر كيف أبكتنا جميعًا، ما هذا الأب البائس؟  

 

يمرّ على تلك الأحداث عامان وعدّة أشهر، ولم تغب عن بالي حتى أصغر التفاصيل، والحزن الذي يحتلّني تماماً، لم يتغّير منذ ذلك الحين، كان موتاً، وإن لم يكن مزيّناً بدمائنا.

هربنا جميعاً لاحقاً، أخاف أن يغطّوا ابنتي بالسواد. كان عزائي الوحيد بترك هذه البلاد أن رندة لن ترتجف، لن تبكي، أو للدقة لن نبكي حولها. انتصارنا عليهم جميعاً كان بالنجاة أحياء.

 

علّمت ابنتي منذ خروجنا أن تنظر للسماء، نحن ودير الزور تحت ذات السماء، ولربما هذه الغيمة المتحركة كانت هناك، تظلّلنا “الحنونة” حتى في ارتحالنا، سلام الله على الدير وأهلها، سلام الله على الدير وأهلها.  

 

 

برومو الشهيد ناجي الجرف