خميرة

الليلة الأخيرة في حلب

وداد نبي

ليلة ٌطويلة ٌجدّاً.. حاولت ُ تجاهل صوت الطائرة وهي ترتفع ُ وتهبط وتقصف حيّ «السكن الشبابي» القريب من الحيّ الذي أسكن ُ فيه «السريان الجديدة»،
لكنّني لم أتمكّن من إشغال سمعي بصوت مارسيل وهو يغني «يانسيم الريح»
كان لصوت الطائرة بتلك الليلة معنى آخر.. وجعاً آخر..
ترى هل لأنّني قرّرت ُالرحيل من هذه المدينة..!! هل لأنّها ليلتي الأخيرة ..!!
كانت هذه الأسئلة التي تخطر لي كلّما مرت ساعة وأنا أتقلّب في سريري وأعدُّ القذائف التي تطلقها المدفعيّة من الأحياء القريبة، الأحياء التي تحوّلت بفعل الحرب لأمكنة ٍ بعيدة.. بعيدة ٍ جداً.
حتّى أنني صرتُ أحتاج ليوم ٍ كامل ٍ لأصل إلى الأشرفيّة التي كانت تلزمني عشر دقائق حتّى أصلها.
الطائرة ُ لا تهدأ.. أضعُ المخدّة على رأسي وأطمرُ نفسي تحت الشرشف وأرفع صوت.
الموسيقا حالمة ً بسفري خارج هذه المدينة الخراب.. خارج حلبَ التي لا تمنح ساكنها ساعة نوم ٍ واحدة.
سأذهب لبلادٍ بعيدة لا أعيش فيها هذه الكوابيس الليليّة، بلاد لن أعدَّ فيها القتلى وأتخيّل صرخة الحياة ِالأخيرة بحنجرتهم، لكنّ صوت إسقاط الطائرة لبرميل ٍ آخر يهدر بأذني ..
بغتة ً تتحوّل الحياة بأكملها في مدينة ٍ كحلب َ لصرخة ألم ٍ واحدة تتجسّد بلوحة للفنان (ادفارد مونش) الصرخة.
الساعة الثالثة صباحاً.. تُرى كم عدد القتلى؟.. لم أستطع عدّهم جميعاً.
الساعة الرابعة فجراً.. لابدّ أنّهم يزدادون فالطائرة لم تتوقّف والمدفعيّة لم تخرس وأنا لازلت ُ أعدُّ القتلى وأتخيّل صرخاتهم الأخيرة بلوحة ادفارد مونش.
لقد قرّرتُ وهذا يكفي.. سأخرج من هذه المدينة قبل أن تشرقَ فيها شمسٌ أخرى.
شمسٌ تُخفي خلف نورِها وجوهَ القتلى وصرخاتهم.. سأخرج من حلبَ.
ولن أشتاق لها.. لن أملأ صفحتي الفيسبوكية بكاءً وحنيناً على مدينةٍ أنام بها
على صرخات القتلى بأذني ..
لن أبكي بعد اليوم بهذه المدينة وعليها، لقد بكيت عليها وفيها بكاء ً يكفيني
عشرين عمراً وأكثر .
الساعة الخامسة صباحاً.. وهدير الطائرة لم يتوقّف بعد.. لكنّ أصواتاً أخرى
تبدأ بالدخول إلى غرفتي.. صوت العصافير الصغيرة على الشجرة القريبة لنافذتي.
أشعّة الضوء تبدأ بالتسلّل إلى غرفتي وتزيح الظلال َ المعتمة عن الصور المعلّقة على الجدران، أسماء الكتب على رفوف المكتبة تتوضّح ُ أكثر.. كلّ تلك الكتب كم أحببتها، كيف سأحملها معي خارج هذه المدينة والحرب الدائرة فيها .
الساعة السادسة صباحاً ..
اللّعينة لم تتعب ولم تتوقّف، وأنا .. لم أنم بعد وأمامي يوم سفر ٍطويل.
أنهضُ من سريري.. أُخرِج أصواتَ القتلى من أذني .. أرفع صوت فيروزَ عالياً « من يوم تغرّبنا وقلبي عم بيلم جراح « أُحضر حقيبة سفري الصغيرة واضعة ً فيها كلّ ما يلزم المرءَ ليعيش ببلاد ٍغريبة وحيداً بلا حنين، وتسقط دمعتي بين أغراض الحقيبة وأُقسم أشدّ الأقسام أنّني لن أشتاقَ لهذه المدينة بعد الآن …
لكن اليوم .. وبعد أكثر من أربعة أشهر أحنثُ بيميني.
أنا أشتاق.. أشتاق ياحلب.

حنطة العدد عشرين40

حنطة

اضف تعليق

اضغط هنا لإضافة تعليق

برومو الشهيد ناجي الجرف