ع البيدر

(بالأخضر).. على بيدر حنطة

(بالأخضر).. على بيدر حنطة

لقاء مع راشد الطبشي مسؤول الإعلام والعلاقات العامة في برنامج (بالأخضر)

حاوره ناجي الجرف

 

مشروع (إن غرين)، من أين جاءت الفكرة، وكيف بدأت اللحظات الأولى لهذا المشروع؟

صاحب الفكرة كان الصديق «أنور بنود» رحمه الله، وبقي قيّماً على المشروع حتى وفاته بحادث سيارة قرب كلّس أثناء عودته من سراقب.

تتمحور فكرة المشروع حول إعادة بناء المؤسسات المدنية، واليوم نلمس للأسف ظاهرةً يمكن وصفها بغير الصحية، ومعظمنا كسوريين نتشاركها، أن العسكر، سواء كانوا من الجيش الحر أو غيره، عندما بدؤوا يحررون المناطق، أصبحوا هم من يسيّر أمور المواطنين، الإغاثة والتموين والخبز والقضاء والشرطة. نحن نحيي جهودهم، لكن عملهم هو القتال على الجبهة وليس إدارة شؤون المدنيين.

فكرتنا كانت أن نشرع في بناء المؤسسات المدنية التي ستستعيد شؤون الإدارة المحلية بحيث تحكم الناس نفسها بنفسها ووفقا لمصالحها، لذلك أسميناه برنامج (بالأخضر). برنامج لأنه يبدأ الآن ويطمح لتحقيق خطةٍ مستقبليةٍ متكاملة في حال استمر، وهو سيستمر إن شاء الله، بجهد كل الأيدي التي تشارك فيه، وينتهي بمرحلة إعادة الإعمار بعد سقوط النظام.

هل نفهم من مشروع (بالأخضر) أنه يطمح لتحقيق منع استنزاف طاقات المعارضة المسلحة والجيش الحر في إدارة العمل المدني الذي ليس من اختصاصهم، وإعادة تشكيل المنظمات المدنية لتمسك من جديد بزمام الأمور في المجتمعات المحلية؟ ماذا ينبغي أن نفهم بالضبط من الغاية وراء البرنامج، وما قدرته على التأثير على مستوى المجتمعات المحلية؟

كما ذكرت لك، إذا نجح المشروع سيتفرغ المقاتلون للعمل القتالي. نحن حالياً، في أية منطقةٍ ندخلها، يُنسق البرنامج فوراً مع الكتائب العاملة فيها، لتكون مسؤولةً عن حماية القوافل والمشاريع التي سوف تُنفذ في المستقبل.

أما عن آلية العمل، فقد قمنا بدراساتٍ استنتجنا بها أن أكثر المناطق استقراراً حالياً هي ريف إدلب، بسبب خروج دولة العراق والشام منها وتحرير أغلبها من النظام سابقاً، باستثناء إدلب المدينة.

والناس هناك في حاجة، بسبب القصف والدمار الذي لحق بالقرى والمدن والبلدات، إلى الكثير. دخلنا إلى ريف إدلب بدايةً، وبالذات سراقب وكفرنبل. أردنا أن ندخل إلى بنش والدانا، ولكن للأسف لم يكن هناك من مجالس محلية. حالياً، وهذه واحدة من الأشياء الإيجابية لـ(بالأخضر)، أنه تشكّل فعلا مجلس محلي منتقى بالتعاون مع أعيان بنش المدينة والعائلات الموجودة هناك، ومن أجل أن يكونوا شركاء معنا في مشروعنا.

هذا أساسيٌّ فيما نسعى إليه اليوم. فمما يعزز المسلك المدني في المجتمع أن تجري انتخابات حرة وديمقراطية على كل المستويات، أو حتى عن طريق التعيين التوافقي بين أهل المدينة، كي يقوم المجلس بأخذ دوره في تسيير أمور الناس. يواجهنا أحيانا إشكالٌ بسيط، أن الناس كثيراٌ ما تظننا مشروعاٌ إغاثيا، سلل غذائية وحرامات وما شابه. نحن عملنا في الإغاثة لأنها الحاجة الأولى لأي مواطن في تلك المناطق.

مثلا سبعون بالمائة من أهالي سراقب كانوا في حاجةٍ ماسة للمواد التموينية والطبية الأساسية التي تدخل في نطاق الإغاثة. سياسة الإغاثة الأساسية هي تأمين الغذاء والمواد الطبية والملابس الشتوية، وهذه الأساسيات التي لا يمكنك التوجه للأهالي قبل تأمينها، لتكون المرحلة التالية أكثر سهولةً، فحينها تستطيع أن تناقش معهم كيفية إعادة الحياة إلى المدينة أو البلدة أو التجمع، وتنظيم أمورها، وهنا تتبدى فكرة المشروع الحقيقية، وهي أننا نريد مثلاً متابعة مدينة سراقب، وهنا نقول بأن المجلس المحلي في المدينة كان قد قدم لنا مجموعة دراسات حول ما يلزم لتأهيل هذه المدينة وكوادرها لإعادة إعمارها حين تبدأ مرحلة الإعمار، من الضروري أن تكون هناك بنية خدمية ومادية وفكرية مناسبة لاستقبال التغيرات الإيجابية التي ستطرأ. حقيقةً نحتاج إلى تجهيز البنية الفكرية لدى الناس بحيث يستطيعون ممارسة وفهم العمل الجماعي والتعاون وقبول مساعدة الآخرين، دون أن تُنسب إليهم الاتهامات المجانية، وفهم فكرة أن ما يمكن أن تقدمه الدول من مساعدات هي ليست منةً أو خدماتٍ سيدفعون أثمانها من موقفهم أو ..، بل هي واجبٌ إنساني ترعاه دولٌ وتقوم عليه منظماتٌ إنسانية وهيئات غير حكومية في بعض الأحيان، حتى الآن حصلنا على جميع الدراسات اللازمة للمشاريع الضرورية في مدينة سراقب مثلا؛ (تصليح الفرن وإعادة ترميم المدارس والمرافق العامة، شبكات الماء والكهرباء والطرقات)، ويبدو أننا حصلنا على الموافقة للبدء باستصلاح وترميم شبكات الماء والكهرباء، وهذا بحد ذاته إنجاز، وهذه إحدى أهم أهداف البرنامج ورسائله. رسالة أخرى يهتم البرنامج بإيصالها وهي أننا نحن أفراد الشعب السوري قادرون على العمل والإنتاج، ونمتلك الرغبة والقدرة على الإنجاز. رسالةٌ أخرى تقول بأنك اليوم قد تحصل على سلة غذائية، ولكن في الشهر القادم سيكون عليك أن تعمل على إعادة بناء بلدتك بدل انتظار المساعدات، يمكنك أن تقوم بإصلاح المدرسة الفلانية مقابل مرتب شهري يحفظ كرامتك، هذه المرتبات يجب أن تساهم في إعادة تحريك عجلة الإنتاج المعطلة تماماً اليوم، وليكن البناء والترميم بأيدٍ سورية يمكنها أن تثمّن غالياً ما أنجزته لها وللجيل القادم.

هناك من يقول: (لنفترض أنكم أعدتم بناء المدرسة، وعاودت طائرات الميغ إلى قصفها، مالفائدة من ذلك؟!)، ونحن في هذا البرنامج نجيبه بأننا طالما نمتلك الإرادة والرغبة فإننا سنعيد بناءها مراتٍ ومرات، فآخر ما يجب علينا فعله هو الجلوس بانتظار المساعدات والسلل الغذائية دون القيام بأيّ فعلٍ يقوّم الحياة.

غالباً ما تواجه هذه المشاريع أزمة الثقة لدى المواطن السوري، خاصةً في ظل هذه الفوضى، اليوم، هل يمكنك القول بأن مشروع (بالأخضر) هو أحد المشاريع التي يمكن لها أن تعيد الثقة بين أفراد المجتمع المحلي، بين المجلس المحلي والأهالي، المجتمع المحلي والمعارضة المسلحة؟ بين الداخل والخارج على اعتباره تحول إلى كتلةٍ ضخمة لا يمكن تجاهلها أو تهميشها؟ أين تكمن أهمية (بالأخضر) في هذه النقطة تحديداً؟

إعادة الثقة بين هذه الأطراف، لكن بشكلٍ فعال يبدي نتائجه على أرض الواقع هو من أهم الأهداف التي نرجو الوصول إليها، هناك فجوةٌ عميقة بين هذه الأطراف، إضافةً إلى فقدان الثقة بالأجسام السياسية في الخارج ومدى فعاليتها، والتي يُفترض أن تمثل الشعب السوري وترعاه، برنامجٌ كهذا حين يصبح في مجال التنفيذ العملي يمكن أن يمثّل طاولةً تجتمع عليها كافة الأطراف التي تريد المشاركة في عملية الإنقاذ، خاصةً عندما يرى المواطن أنه ليس مضطراً لأن يطرق أبواب تلك المجموعات، بل هي من تتقدم باتجاهه وفي يدها الحلول لأزمات حياته، فهو المعني وهو المستهدف وهو صاحب المشروع، وما يمكن أن تقدمه تلك الكتل هو واجبٌ استحدثت لأجله، وليس منةً أو مجرد مساعدة، عندها ستساهم هذه المنجزات في إعادة الثقة المفقودة، وجلب الكثير من التسهيلات لأبناء المنطقة. للأسف هناك من يصدّر تلك الرسالة القائلة «نحن في المناطق التي يسيطر عليها النظام لازلنا نحيا بأمان ونستطيع مزاولة حياتنا الطبيعية، في حين أنكم وقد حولتم مناطقكم إلى مناطق محررة عجزتم عن إنقاذها من كافة أشكال الفقر والموت وانعدام الخدمات. في حين أن المناطق المحررة، وإن غرقت الآن في الفوضى ونقص الخدمات، غير أنها ومع بعض التنسيق مع الكتائب ورفع قيمة العمل المدني يمكن أن تقدم أنموذجاً حقيقياً من نماذج الإدارة المحلية التي تراعي مصالح أبناء المنطقة حسب ما يرتؤون، وليس حسب أهواء أفرادٍ بحد ذاتهم. يستطيعون بهذه الطريقة وبتحقيق الاكتفاء أن يديروا شؤون مناطقهم بطريقةٍ ذاتية وبروحٍ مدنية تحقق ما يطمح إليه المواطن. مشاريع كهذه يمكن أن ترسل للرأي العام العالمي بأننا شعبٌ يحب الحياة ويستطيع إنقاذها، مقابل الرسائل التي تصله والقائلة بتحول سوريا إلى حاضنةٍ كبيرةٍ للإرهاب والتخلف، 7000سنة مرت على هذه المنطقة، لن يكون من السهولة بمكان أن تتحول ويتحول أبناؤها بهذه السرعة إلى مجرد حواضن للإرهاب، نمتلك القدرة على إحياء الظواهر المدنية، المراكز الثقافية وإحياؤها هو أحد مشاريعنا في الفترة المقبلة.

بالتأكيد هناك تحديات يتعرض لها مشروع (بالأخضر)، هناك معوقات أمنية تتعلق بالدمار والقصف والفوضى التي خلفها النظام في المناطق التي تم تحريرها، بالإضافة إلى المعوقات التنفيذية التي تتعلق بالعمل من خارج الحدود، وصعوبة العودة إلى الحياة الإدارية والمؤسساتية، ماذا قدم البرنامج لكسر تلك التحديات، لإدارة هذه الفوضى، للتخلص منها؟

في الحقيقة لم نبدأ بلمس تلك المعوقات بعد، فالمشروع ما زال في بداياته لكننا نتوقع الكثير من هذه الصعوبات، المشكلة الأولى التي واجهتنا لم تكون من الداخل كما هو متوقع، إذ كان يفترض أن ينطلق المشروع منذ أكثر من شهر، لكننا تأخرنا شهراً كاملاً بسبب أن قوافل المساعدات والمعدات بقيت عالقةً على الحدود السورية التركية التي كانت مغلقة في أكثر من نقطة، بعض المشاكل الإدارية في الطرف السوري أو التركي، الحرب ضد «داعش» وغيرها من الإشكالات، أضف إلى ذلك البطء في إدخال تلك المساعدات.

هل يتضمن البرنامج أليةً للرقابة على تنفيذ الخطوات، أم أن الموضوع قد تُرك لعفوية الإجراءات والظروف؟

نسعى بدايةً لتوظيف مجموعة من المراقبين على أداء البرنامج في أغلب المناطق، ليس لضعفٍ لدينا في الثقة بالمجلس المحلي الفلاني أو بالمجموعة الفلانية، بل لتثبيت ما تمّ إنجازه والتحقق من نوعية ودقة الإنجاز، وهذه الإجراءات ضرورية جداً خاصةً في غياب المساءلات القانونية والقضاء، كما تساعد هذه الآلية المجموعات والمجالس المحلية على الالتزام بالمخطط ورفع التقارير كبنيةٍ أولية لتحولها إلى مؤسساتٍ مسؤولة ومُساءلة، في النهاية نحن في جاحةٍ لهذه الرقابة كي لا نتعرض لفقدٍ في المصداقية على الأرض.

هل هناك بالمقابل رقابة عكسية؟ أي.. هل يراقب المجلس والمواطنون أداء الجهة الداعمة أو المنفذة للمشروع؟

الجهة الداعمة للمشروع لا تقوم هي بالتنفيذ، فمثلاً يقدم المجلس المحلي مشروعاً لترميم شبكات المياه في المنطقة، لنقوم نحن برفع الدارسة للداعم الذي يوافق بدوره، حيث يمكن أن يقدم الأموال اللازمة أو المعدات، أو كليهما، عندها نقوم بإيصال هذه المبالغ أو المعدات إلى المجلس المحلس الذي يلتزم بتنفيذ المشروع بالتعاون مع أهالي المدينة، وهذه إحدى أساسيات المشروع، توجيه أبناء المناطق لإعمار مناطقهم، وبالتالي تكون الرقابة والمساءلة للمجلس من قبل الأهالي على تنفيذ المشروع، وتكون المساءلة من حق الداعم لنا في حال كان هنك تقصير في أداء المجلس أو الجهة المنفذة للمشروع.

هل سيكون هناك رقم ساخن أو إيميل للتواصل مع البرنامج من قبل المواطنين؟

حالياً اطلقنا موقع Syriaingreen.com، وهناك صفحة الفيس بوك، والإيميل

 [email protected] مخصص للشكاوى، أما موضوع وسائل التواصل الاجتماعي  والتواصل مع الناس من الخارج، فسيكون لدينا شخص مسؤول عن المشروع في كل بلدة أو مدينة أو قرية، ومن المفروض أن يكون معروفاً للجميع. في المراحل المقبلة انشاء الله سيكون هناك مكاتب تمثيل لتحقيق التواصل في حال كان هناك تأخير في أحد المشاريع مثلاً.

القسم الأكبر من المشروع اليوم يتم إنجازه في ريف إدلب (سراقب، كفرنبل)، وتتم دراسة مشاريع المعرة وبنش، كما يتم التفكير بواقع ريف حلب، ببساطة كلما آمن المواطن بفكرة البرنامج أصبح تنفيذ المشاريع أكثر سهولةً، كما نرحّب بأيّ اقتراحٍ من أيّ شخصٍ يمكن أن يشاركنا فكرةً أو مساعدة، بالأخضر مشروع وطني يشمل الجميع وليس موجهاً لفئةٍ ما ضد فئةٍ أخرى.

النقطة المهمة في البرنامج هي الانتقال من مشاريع صغيرة تغطي شرائح صغيرة جداً من المجتمع، إلى برنامج وطني على مستوى البلد بأكمله، هل السقف الزمني مفتوح لهكذا مشروع، أم أن هناك سقف محدد من الداعم أو من الجهة الراعية للمشروع؟

حتى الآن وكما يبدو لنا فإن السقف الزمني مفتوح، الجهات الداعمة وطالما تستطيع لمس النجاحات التي تُحسِّن من وضع المواطن فهي مستمرةٌ في تقديم الدعم، هناك عدة شركاء يعملون على رعاية المشروع تحت إشراف وحدة تنسيق الدعم، وكي يكون المشروع أكثر تكاملاً سعينا إلى مشاركة الحكومة المؤقتة، والائتلاف نوعاً ما، وتقوم مجموعة أصدقاء سوريا حالياً بتغطية كلف المشروع، وتقوم تركيا -وهي إحدى الدول الداعمة- بتسهيل الإجراءات اللوجستية، هناك أكثر من دولة أبدت حماسها للمشروع وتحاول متابعته ودعمه.

هنا أود قول كلمة أخيرة، وهي أن المواطن السوري يجب أن يؤمن بأن هذا البرنامج هو مشروع وطني لا يصب إلا في خدمة وتسهيل حياة السوري في ظل هذه الظروف، وليس تابعاً لأجندةٍ ما أو معنيياً بتبييض صفحة أحد، اعتدنا سماع هذه الاتهامات في الفترة الأخيرة، وهذا طبيعي، لكننا نعوّل على النتائج وعلى اليد السورية التي ستقوم بتنفيذ هذه المشاريع، وتحت رقابةٍ من أبناء المناطق والمدن المعنية وبالطبع المجالس المحلية، المستفيد في النهاية هو المواطن، وليست الجهات الخارجية أو العاملة في المشروع.

 حنطة19حنطة20حنطة21

برومو الشهيد ناجي الجرف