ع البيدر

سهير الأتاسي.. على بيدر حنطة

حوار ناجي الجرف

طالبتُ المجتمع الدولي بدعمٍ منظمٍ مؤسساتي ليكون أساساً لتنظيم صفوف الجيش الحر.

كان شعارنا الأساس في وحدة تنسيق الدعم هو رفض تسييس الإغاثة، ورفض مبدأ المحاصصات، الأمر الذي جعل من يستمدُّ شرعيَته من قوتِ الناس يعتبرنا وكأننا أعداءٌ له.

تجربة منتدى الأتاسي كانت بوابة دخولي إلى النشاط العام، تعلمت منها صعوبة العمل مع المعارضة الكلاسيكية، وأن الشباب هم اساس التغيير.

 

1-ثلاثة أعوام من عمر الثورة السورية مضت، سهير الأتاسي كيف ترى الوضع السوري اليوم؟ النظام –المعارضة –المجتمع الدولي؟

دائماً ما يتم الخلط بين مفردة المعارضة والثورة، المعارضة ليست هي الثورة بالتأكيد، بل لقد عجزت المعارضة التقليدية عن القيام بثورة، وكانت تضع قمع النظام شماعةً لتبرير عجزها عن تغييره، فإذا كان المقصود بالمعارضة (المعارضة السياسية) فهي لم تكن على مستوى تضحيات الشعب السوري، ومازالت الأنانية هي العامل الأساس في تفرّقها وصراعاتها.

المجتمع الدولي ساهم بذلك، لأنه يريد الإبقاء على صيغة “لا غالب ولا مغلوب” بين السلطة والمعارضة، وحجب الدعم الحقيقي الفعلي (السياسي والإغاثي والعسكري) عن مؤسسات المعارضة التي لم ترقَ إلى مستوى المأسسة بسبب ضعف الإمكانات من جهة، واستمرار شغب العديد من الدول واعتمادها على قنواتها الفرعية من جهة أخرى.

المجتمع الدولي مازال يترك مفتاح الحل بيد روسيا، ومعظم أصدقاء سوريا لم يلتزموا بإمداد الشعب السوري بما يمكّنه من الدفاع عن حقه في الحرية والكرامة، بينما نجد حلفاء وأصدقاء نظام الأسد (تجار الحروب) يمدونه بكل مستلزمات آلة القتل والدمار، كما يعطّلون كل وأي قرارٍ يمكن أن يصدرَ عن مجلس الأمن (ولو على الصعيد الإنساني) لتخفيف المعاناة عن السوريين بفضل الفيتو المعطّل للقيام بواجبات عالمٍ حرٍّ تحّول إلى غابة!

أما النظام فأعتقد أنه بات هشاً مفككاً من الداخل، ولكنه محاطٌ بقضبانٍ حديدية، ما هي إلا إيران وروسيا وحزب الله، وهي من تقيه من الانهيار، وتجعله يبدو وكأنه بحالٍ أفضل مما هو عليه.

2-المعارضة السورية؛ وأقصد هنا الائتلاف الوطني، لماذا لم تتمكن إلى اليوم من فرض نفسها كلاعبٍ أساسي في الوضع السوري، وإلى متى سوف تبقى هذه المعارضة رهينة خطابٍ بعيد عما يحدث على الأرض في سوريا؟

سيبقى الحال كذلك طالما بقيت الفجوة بين الائتلاف والأرض في سوريا. تلك الفجوة بدأت بانشغال المعارضة السياسية بإقناع المجتمع الدولي بضرورة دعم الثورة السورية، وانتصارها للخلاص من نظامٍ إرهابي، والوصول إلى دولةٍ مدنية حرة، ولكنه دون أن يشعر أدار ظهره للداخل، وباتت لقاءات وزراء الخارجية لدول أصدقاء سوريا أهمّ من العمل والتواصل مع الجاليات السورية التي كان لها الفضل في دعم الثورة وإيصال صوتها للعالم الخارجي، وعندما ظهر المال السياسي في المشهد، خلطَ كل الأوراق، وبدأت الفرقة.

اليوم.. الحل الوحيد يكمن في أن تستعيد قوى الحراك الثوري السلمي الائتلافَ الوطني لأنه تأسس لأجلها، ونجح في أن يكون صدىً لصوتها دون أن ينجح في تمثيلها سياسياً بالشكل الذي تستحقه، لا بد للائتلاف اليوم أن يعطي زمام الأمور والمبادرة للشباب، وأن نبقى نحن في الصفوف الخلفية، يستشيرونا متى يشعرون بالحاجة لذلك.

3-في أكثر من حديث لك تكلمت عن تطور قوى الثورة السورية، من كنت تقصدين بقوى الثورة وما هو التطور الذي كنت تقصدينه؟

أقصد بها الحراك الشبابي السلمي الذي أشعل الثورة، وتمكّن من الحفاظ على استمراريتها، بالتأكيد اختلفت الأمور اليوم، ولكن روح الثورة مازالت باقيةً فينا، وبالإمكان استردادها عندما يستعيد هؤلاء الشباب الذين باتوا اليوم متناثرين في مختلف بقاع الدنيا، أو تحّولوا إلى نشطاء إغاثيين وعاملين إنسانيين، وهو جهدٌ ليس بالقليل، قاموا به في المناطق المحررة والمحاصرة، وكذلك التي مازالت تحت سيطرة نظام الأسد، عندما يستعيدون زمام المبادرة وينظموا أنفسهم ويعلنوا فشل المعارضة الكلاسيكية بإدارة الثورة، ليضعوا بأنفسهم استراتيجيةً حقيقية، وخارطة طريقٍ تعيد ترتيب الأوراق، وتعطي الأولوية للمصلحة الوطنية على حساب صراع المناصب والتجاذبات الإقليمية التي عطلت تحقيق أهداف الثورة وأطالت عمرها.

4-الحكومة المؤقتة ما هو الهدف من تشكيلها، وكيف تتموضع ككتلةٍ سياسية تنفيذية إلى جانب الائتلاف الوطني، هل أنت متفائلةٌ بعملها؟

لا يمكن للحكومة المؤقتة أن تكون كتلةً سياسيةً بأية حالٍ من الأحوال، وإلا لكانت تتصارع اليوم وتتنافس مع بقية تكتّلات الائتلاف الوطني، بل هي الأداة التنفيذية للائتلاف، والتي من واجبها أن تضع الخطط الاستراتيجية لتخفيف المعاناة عن الشعب السوري، ولتنظيم صفوف الجيش الحر، ليتمكن من خوض حربٍ مزدوجةٍ في مواجهة إرهاب السلطة، وإرهاب أذرعٍ للقاعدة باتت موجودةً في بعض أنحاء البلاد، بعد أن تفاقم عنف الأسد وطال عمر الثورة. كل ذلك للعمل على إسقاط النظام، والذي لا يكفي اليوم وحده من أجل بناء سوريا مدنية حرة ديمقراطية، ولكنه بالتأكيد خطوةٌ إلزامية للوصول إليها.

لا يوجد خيارٌ لتلك الحكومة إلا النجاح، لذلك أرى أنه يتوجب عليها الابتعاد تماماً ونهائياً عن مبدأ المحاصصة الذي بات ينخر في كل أجسام المعارضة السورية.

5-أنتِ مع الحل السياسي أم العسكري في سوريا؟ ما هي رؤيتك للحلول؟

لا يمكن للحل أن يكون عسكرياً صرفاً، أو سياسياً صرفاً، لا بد من التناغم والتمازج بين الحلين، فتجربة المفاوضات في جنيف ٢ أثبتت للعالم أجمع أن نظام الأسد قد اختار الحسم العسكري، وعلى هذا الأساس فهو لن يأتِ إلى طاولة المفاوضات ليناقش مصيره وتأسيس هيئة حكمٍ انتقالية كاملة الصلاحيات إلا حين يفقد أمله بالانتصار العسكري على الشعب السوري!، وبذلك نجد أنه لا بد من تغيير موازين القوى العسكرية على الأرض لنصل إلى لحظة مفاوضاتٍ سياسية مثمرة، وليست مجرد إضاعةٍ للوقت.

6-كنتِ من أول الأصوات المطالبة بتسليح الجيش الحر؟ على ماذا كنت تعتمدين في هذا الطلب؟ ألم تكن لديك تخوفاتٌ من أن تعم فوضى السلاح في سوريا؟

لقد كنت من أوائل مطالبي المجتمع الدولي بدعم الجيش الحر من أجل تجنب فوضى السلاح، فقد كانت ظاهرة الجيش الحر في بداياتها، وكانت عبارةً عن نتيجةٍ واقعية طبيعية لثورةٍ بقيت سلميةً شهوراً عديدة، قابلها نظام الأسد بالرصاص الحي، والقتل تحت التعذيب في المعتقلات، والمجازر في الأحياء الثائرة، وكان الدعم العشوائي عنوان تلك المرحلة، الأمر الذي تسبب بفوضى إغاثة، وبدايات ظاهرة شراء الولاءات، لذلك كان من المنطقي أن تكون تلك منهجية دعم السلاح أيضاً، وخوفاً من فوضى السلاح وعملياتٍ معقدة لشراء ولاءاتٍ لأطراف تتصارع على بلدٍ لم يتحرر بعد، طالبتُ المجتمع الدولي بدعمٍ منظمٍ مؤسساتي ليكون أساساً لتنظيم صفوف الجيش الحر، وضماناً للالتزام بمعايير حقوق الإنسان.

7-هنالك مجموعاتٌ متطرفةٌ في بعض المناطق المحررة في سوريا، وهي مدعومة بالمال والسلاح؟ ما هي رؤيتكم كمعارضةٍ رسميّة؟ وكيف تتعاملون مع هذه الظاهرة؟

ربما أصبحت الأسطوانة التي نكررها حول أسباب هذه الظاهرة مشروخة، ومن الطبيعي أن يكون الأهم هو الحديث عن كيفية معالجتها. من الضروري بدايةً أن نعمل على عودة الحاضنة الشعبية للثورة، وهي بالتأكيد حاضنةٌ رافضةٌ للتطرف والعنف، ولا بد من العودة إلى محوري الثورة الفعليين: الحراك السلمي بما فيه من اعتصاماتٍ ومظاهراتٍ وأشكالٍ متنوعة من العصيان المدني، إضافةً إلى الحراك العسكري الذي يقاتل اليوم الإرهابَ المزدوج الذي سبق وتحدثنا عنه، لن يتم ذلك دون رصِّ صفوفِ الجيش الحر الحقيقي، ووضع خططٍ عسكريةٍ لاعشوائية، إضافةً إلى نفض غبار اليأس عن أرواح الثوار، وبدء انطلاقةٍ جديدة للثورة السورية.

8-وحدة تنسيق الدعم، هناك الكثير من اللغط عن آليات عمل هذه الوحدة، سهير الأتاسي مديرة الوحدة كيف تصف عمل هذه الوحدة؟

وحدة تنسيق الدعم جاءت لتكون المؤسسة الإنسانية للثورة من أجل تنظيم العمل الإغاثي، ومتابعة التزامات المجتمع الدولي تجاه الكارثة الإنسانية التي يعيشها السوريون، لقد بدأنا العمل من الصفر، لسنا خبراء في العمل في ظل الكوارث الإنسانية والحروب، كتلك الحرب التي يشنها نظام الأسد تجاه السوريين؛ كل السوريين، لذلك أنا واثقةٌ من أننا أخطأنا في بعض الأوقات، واختبرنا آليات العمل مع العديد من الخبراء الإنسانيين الدوليين والشركاء المحليين، أخفقنا تارة، ونجحنا تاراتٍ أخرى، وكانت حالنا كحال العديد من المنظمات المحلية والدولية، لكن أمانة الشعب السوري كانت في أعناقنا، لم تغادرنا بالتأكيد، تعلمنا من أخطائنا، ولم يكن ذلك سهلاً وسط تفرّق الشركاء المحليين على الأرض، وتخاذل الكثير من الداعمين، وخرق العديد من الوعود الإنسانية.

باتت اليوم وحدة تنسيق الدعم شريكاً فعلياً للعديد من المنظمات الدولية العريقة، لأن الشباب العاملين فيها حرصوا أشدّ الحرص على تجاوز الأخطاء والوصول إلى آليات العمل الأكثر فعاليةً رغم أنه مازالت تشوبها بعض البيروقراطية التي يجب كسرها أكثر فأكثر.

9-هناك الكثير من الأحاديث عن ملفات فساد داخل هذه الوحدة ما ردكم على هذا؟

آلمتني كما آلمت الشباب العاملين في الوحدة، والذين وضعوا أهلهم داخل سوريا تحت خطرِ جبروت النظام وقمعه، آلمتنا الاتهامات التي طالت عمل الوحدة دون أية مستنداتٍ ولا إثباتات، وقد قلت في معرض تصريحاتٍ لي في أماكن وأزمان متفرقة أننا مستعدون للمساءلة، وللمحاسبة في حال كان ما يتم الترويج له صحيحاً.

اليوم هناك شركة التدقيق العالمية “دولويت”، تعمل على تدقيق تقاريرنا المالية، وسوف ننشر في القريب العاجل تقاريرنا المالية بالإضافة إلى تقرير شركة التدقيق المالي.

للأسف الاتهامات الاعتباطية التي تطال كلّ من يعمل في المجال الإنساني، تكاد تفرّغ هذا المجال من الشرفاء، الذين آصبحوا يعدون للمئة قبل تحمّل هذه المسؤولية، بسبب الهجوم والتجريح الذي يطالهم بشكلٍ مباشر.

10-لماذا الهجوم على الوحدة وعلى شخصك؟ ما هو مردُّه برأيك؟

أعتقد أننا نجحنا في الوحدة في تحرير السوريين من الولاءات، التي غالباً ما كانت تترافق مع الدعم الإنساني، وكان شعارنا الأساس هو رفض تسييس الإغاثة، رفض مبدأ المحاصصات، الأمر الذي جعل من يستمد شرعيته من قوتِ الناس يعتبرنا وكأننا أعداءٌ له لأننا وقفنا في طريقه، وهنا بدأت الحرب على الوحدة ومحاولة كسرها أو احتوائها، وكان التركيز في حربهم عليّ لأنني كنت بالنسبة لهم حجر عثرة.

11-نعود إلى البدايات؛ تجربة منتدى الأتاسي ربما تكون تجربة الحوار الأكثر ارتباطاً بذاكرة السوريين لما حملته من أملٍ في التغيير في مرحلةٍ عجّت بالحراك السياسي السري وشبه العلني، ماذا تحملين من تلك التجربة؟

كانت تجربة منتدى جمال الأتاسي بوابة دخولي إلى النشاط العام، كما كانت مرحلةً أعتقد أنها هامة في كسر المحظورات، ومنها الاهتمام بالحراك الشبابي، تعلمت من تلك التجربة الكثير، تعلمت كيف أن الإرادة الصادقة بإمكانها أن تقف في وجه الطغاة، تعلمت صعوبة العمل مع المعارضة الكلاسيكية، والهوة الحاصلة بين الشباب وبينها، تعلمت كيف أن العمل التراكمي يمكن أن يصل بنا إلى نتيجة، تعلمت ألا نيأس، وتعلمت أن الشباب هم أساس التغيير.

12-ينسب إليك في الساعات الاولى للثورة السورية شعار (اللي بيدبح شعبه خاين) ماذا تكلمينا عن تلك الأيام؟

كنا في مظاهرةٍ تضامنية مع الثورة الليبية، كنا نعلم جيداً ماذا نفعل وإلى أين نسير، هم أيضاً كانوا يعلمون، ولذلك كانوا يعتقلون ويهددون حتى بالقتل، لم أكن صاحبةَ الشعار وإنما كنت قائلته، سيدةٌ بعمر والدتي، نشيطة وكلها حيوية ولها باع طويل في النشاط المعارض، همست في أذني: “يللي بيقتل شعبه خاين”، فرفعت صوتي بهذا الشعار، وأصبحنا نردده وعيوننا تتلاقى وتلمع، لأننا نعلم من نقصد بهذا الشعار، ثم عاودتْ الهمسَ في أذني لتقول: “يللي بيسرق شعبه خاين”، وعادت حنجرتي لتصدح بهذا الشعار أيضاً، والكل تغمره الفرحة بأننا بدأنا بهتافاتٍ تلامس بدايةَ ثورةٍ أرادها الشعب على الطغيان، ليفجّرها بعد ذلك أطفال درعا.

كانت أياماً جميلة بقدر ما كانت صعبةً بالنسبة لي، لأنها ترافقت مع تهديداتٍ بالقتل تخصني وتخص ابني، ربما كان اعتقالي، والذي حصل لاحقاً في اعتصام وزارة الداخلية، أسهلَ بالنسبة لي لأضمن ابتعادهم عن ابني وأهلي.

تلك السيدة لا بد أن تُكرَّم يوم تحرير سوريا، فهي تناضلُ بصمتٍ ووقار.

18 19

 

برومو الشهيد ناجي الجرف